في 14 يونيو/ حزيران من سنة 2017 نشب أكبر حريق في بريطانيا لم تشهد له مثيلاً منذ الحرب العالمية الثانية.
إنه حريق برج «غرينفيل»، الذي وقع في شرق مدينة لندن، وذهب ضحيته عدد كبير جداً من الأشخاص ومعظمهم من اللاجئين القانونيين وغير القانونيين.
أفراد تركوا بلادهم هرباً من سكاكين الفقر أو الطغاة إلى بلاد تمنحهم الأمان والأمل بمستقبل أفضل، ولكنهم لم يجدوا فيها بالمقابل عيشاً رغداً، بل قتالاً من أجل الحياة.
لقد كشف لنا حريق برج «غرينفيل» أوجاع الهجرة ومآسيها التي قد لا تكون مرئية من الخارج. كيف يصبح المهاجر مكشوفاً بلا سند، وكيف تلازم الكوارث مساكين العالم وتطاردهم، حتى إذا وصلوا إلى أقاصي الدنيا.
صدق المثل العربي: «المتعوس متعوس ولو علقوا له فانوس»!
محمد الحاج علي شاب سوري يدرس الهندسة في جامعة غرب لندن.
كان من سكان هذا البرج التعيس، وبالضبط في الطابق الرابع عشر منه مع أخيه عمر.
من كان يتوقع أن يموت هذا الشاب حرقاً في مدينة آمنة نسبياً مثل لندن، بعد أن نجا من براميل دمشق المتفجرة كالحجر السجيل على رؤوس العباد، ومن قرش البحر المتربص بمن يقوده حظه العاثر إلى السقوط فريسة بين فكيه الرهيبين، ومن مافيات المهربين، تجار الهجرة، الذين يلتهمون آلاف الدولارات من اللاجئين المساكين في كل بلاد يمرون عليها، قبل أن يصلوا إلى مكان آمن، هذا إن وصلوا.
نجا محمد الحاج من كل ذلك ليصل أخيرا إلى مدينة الضباب، ليؤويه ذلك البرج التعيس… ثم ليحترق فيه.
ذات لحظة رهيبة، طوقته النيران بألسنتها وحولته إلى رماد، فيما نجا أخوه، ليترك غصة في حلق كل من أحبه وخاصة عائلته التي انقلبت حياتها إلى حريق دائم لن تطفئه مياه أنهار العالم كلها! لكن في عز هذه المأساة، جاء أخيراَ خبر ليرطب شيئاً من حريق تلك القلوب، ويخفف بعضاً من مأساتها في رحيل ذلك الشاب الطموح. فقد نقلت قناة «بي بي سي» منذ أيام في برنامجها «ترندينغ» خبر إطلاق منحة دراسية من قبل جمعية «ريفوايد»، التي تعنى بمساعدة الطلاب الفقراء باسم «محمد الحاج علي» طالب الهندسة المدنية.
محمد لم يمت!
إنه يعيش الآن في أحلام كل الشبان، الذين سيحصلون على تلك المنحة ويحققون ما لم يتح لمحمد أن يحققه.
الشاب السوري قهر الحريق بعد موته ليستحيل رماده إلى بيادر من قمح تصنع المستقبل. وكأن محمد احترق ليصبح رماداً. تنهض منه آلاف من طيور العنقاء، محلقة بأجنحتها بعيداً في سماء المعرفة.
لقد منحت جمعية «ريفوايد» عائلة الشاب السوري راحة يسعى لها كل من فقد عزيزاً. هذه المنحة ستخلد، ليس فقط اسم محمد، بل أيضاً حبه للتعليم واندفاعه ودعمه للآخرين، وإن كان غائباً، والأهم أنها ستمنح أهله تعزية أبدية.
الشعلة التي حملها ستضيء قناديل كثيرة !
سجون تهدم وأخرى تبنى!
من يدخل «بعض» السجون العربية يخرج منها مقعداً من سخرية تطور فنون التعذيب، أو معقداً من كثرة الإهانات والضرب وسوء المعاملة، أو مغتصباً، كما نسمع من شهادات أدلت بها بعض السجينات والسجناء – وما أكثرها على يوتيوب – أو يتخرج منها السجين أكثر إجراماً نتيجة الظروف اللا إنسانية والمواقف
اللا أخلاقية، التي يتعرض لها داخل السجن، هذا إن لم يسقط بطوله أرضاً ويلفظ أنفاسه داخل قفص الاتهام في المحكمة، وسيقولون إنها «سكتة قلبية»، كما حصل لرئيس مصر السابق محمد مرسي.
إنها سجون متعاقدة مع القبور والمشافي والمصحات العقلية.
سجون تفتقر إلى أدنى المعايير، التي أقرتها الشرائع السماوية والدنيوية، بدل أن تكون مكاناً لإصلاح السجناء وتأهيلهم من خلال برامج تعليمية وتدريبية، وعبر تطوير مهاراتهم كي يخرجوا منها أفراداً صالحين يشاركوا في بناء مجتمعاتهم.
ولكن بعيداً عن عالمنا العربي البائس، هناك سجون يتخرّج منها فنانون وحِرفيّون ومهنيون.. سجون تسعى إلى تطوير الأفراد وبنائهم من جديد من أجل مستقبل كريم.
لقد بث تلفزيون «رويترز»، منذ أيام قليلة، خبراً من سجن و«اغادوغو» الإصلاحي في بوركينا فاسو غرب افريقيا – أنها المرة الأولى التي أسمع فيها عن سجن تأهيلي في هذه البلاد – عن شاب موهوب يبلغ من العمر 27 عاماً، دخل السجن بتهمة الاحتيال وحكم عليه بخمس سنوات داخل زنزانة منشأة الإصلاح والتأهيل. إنه رولان تابسوبا!
لقد لاحظ اهتمامه بالموسيقى حارس السجن كريم أويدراوجو، من خلال مراقبة آداء تابسوبا في صفوف الموسيقى الأسبوعية، التي ينظمها برنامج إعادة تأهيل السجناء.
هكذا أبهر أصدقاءه في السجن بمؤلفاته الموسيقية والكلمات، التي كان يكتبها ثم يغنيها معهم في جو من المرح والفن.
هو ما يزال في السجن وسيبقى فيه حتى انتهاء المدة المحددة له. ولكنه أصبح فناناً معروفاً بفضل تلك الدروس الموسيقية، التي تعلمها خلف القضبان. فاستطاع أن يخرج موهبته قبله إلى الضوء! كما سمحت إدارة السجن بتوزيع الأغاني، التي كتبها ولحنها وغناها داخل السجن في أنحاء البلاد، فنالت إعجاب الشباب وحققت شهرة كبيرة غطت على شهرة كثير من الموسيقيين والفنانين المعروفين الطلقاء.
ها هو سجن في غرب أفريقيا يكشف موهبة شاب ويمنحه الشهرة فيستحيل بفضل دروسها من مجرم إلى فنان ينتظره غد مشرق، بهي.
هل سنسمع بقصص مشابهة تضيء بؤرة الظلام التي نعيش فيها؟ أو على الأقل ظلام السجون العربية الحالكة؟
كاتبة لبنانية