يكثر الحديث هذه الأيام عن الحكم الفيدرالي أو الاتحادي، في العراق، بوصفه الحل السحري الأوحد والأكثر قدرة على إنقاذ البلاد من الحرب الأهلية التي تطحنه وتبعثر كل مقدراته و خيراته. هذا نظام ليس جديدا.
فقد طُبق على بلدان كثيرة فيها تعددية لغوية، ودينية، وثقافية، تتطلب هذا النظام الذي يُقصَد من ورائه الحفاظ على وحدة الدولة والبلاد معا. لنا في العالم الغربي الكثير من التجارب الناجحة.
تجربة سويسرا تبدو من أشمل الممارسات السياسية والتركيبية بنظامها الكونفيدرالي الذي يسمح بحرية تعبير وتسيير الكانتونات أوالمقاطعات، بحسب التقسيمات الإثنية واللغوية والدينية. لأن سويسرا أمة متعددة الأعراق واللغات والأديان، وهو ما يؤكد عليه دستور البلاد. وقد تم الاتفاق خياريا بأن تكون الدولة فيدرالية منذ 1848، ونظامها يعتمد على ثلاثة مستويات سياسية: الكونفيدرالية، المقاطعة والبلديات.
وتحتوي الكونفيدرالية على ثلاث سلطات: السلطة التنفيذية (المجلس الفيدرالي)، السلطة التشريعية (البرلمان الفيدرالي)، والسلطة القضائية (المحكمة الفيدرالية). وهو نظام ناجح لأنه يتيح حرية أكثر للمناطق بأن تعبر عن انشغالاتها بحرية كبيرة، ويمنح فرصا كبيرة للتطور الديمقراطي. نجد في إسبانيا نموذجا آخر نابعا من خصوصية البلاد وتاريخها مع كتالونيا. وتشكل روسيا نموذجا ثالثا أيضا. ويمكن الزج بالولايات المتحدة في شكل مقارب للدولة الفيدرالية، لكنه بسبب اتساع رقعة الأراضي الأمريكية، حلت الولاية محل الكونفيدرالية مما منحها حرية أكثر ولا ترجع للدولة المركزية في مجالات التسيير، إلا عندما يتهدد الأمن العام الولاية أو الولايات المجاورة، مما يجبر الدولة المركزية على التدخل وإرجاع الوضع إلى نصابه الأول.
لكن في كل الحالات التي ذكرناها، يظل المرجع الأساسي هو الدولة المركزية في القضايا الوطنية الكبرى. والحرية المعطاة للجهات لا تمنع بأن يخضع الكل للنظام المتعالي الذي تمثله الدولة. عندما نتأمل الوضع العربي نجد أن الأمر يختلف جوهريا. هل يمكن تخيل نظام كونفيدرالي في غياب الدولة القوية الناظمة؟ هذا السؤال المركزي الذي على العرب أن يواجهوا به أنفسهم وإلا فالخسارة ستكون حليف كل جهودهم. مثال الدولة الاتحادية في اليمن طموح جدا، ولكن هل تم ضبط كل شيء والتخفيف من النظام القبلي والطائفي الذي يكسر العمود الفقري للدولة؟ بعد نقاشات طويلة وشاقة بين أعضاء اللجنة الرئاسية المكلفة بتحديد أقاليم الدولة الاتحادية، أقرت اللجنة اعتماد ستة أقاليم لـجمهورية اليمن الاتحادية، أربعة منها في الشمال، وإقليمان في الجنوب.
وقد اعتمدت اللجنة في تقسيمها معايير اقتصادية وإدارية واجتماعية وثقافية وتاريخية، وأخرى على صلة بالترابط الجغرافي وبالقدرة على تحقيق التكامل والاستقرار الاقتصادي. لكن هل هذا كله يكفي للانتقال من نظام قبلي متأصل وعريق، إلى نظام اتحادي؟ خيارات الاتحاد فرضتها ظروف قاسية ولم تكن ثمرة خيارات مسبقة وواعية وتاريخية. في هذا مثلا أخطأت السودان، لأنها تأخرت كثيرا قبل الانفجار شمال/جنوب. مأساة العالم العربي هي عدم وجود أي تبصر حقيقي استباقي قبل حلول الكوارث. وهو ما نراه اليوم في العراق، بحيث بدأت ترتسم ثلاث كونفيدراليات: الأكراد، السنة، الشيعة. وكلها في حالة حرب وعمى سياسي ولا أحد يرى الآخرين، فكيف يمكنهم الانضواء تحت لواء دولة جامعة؟. الأكراد كسبوا شرعية تحرير الكثير من الأراضي التي ضموها أو سيضمونها إلى الدولة الصاعدة التي ترتسم في الآفاق بخيراتها ونفطها ومائها، مما يجعلها مرشحة للاستقرار والتطور الأكيد. أما الشيعة والسنة فهناك طلاق حقيقي، شديد العنف. لا أفق يجمعهما بسبب تبادل التهم والتدمير الذاتي الخطير بتحطيم المراقد أو الأحقاد الكبيرة بين الطائفتين. لا نتحدث عن الفئة الرابعة، المسيحيين، الذين عاشوا قرونا متتالية في العراق ويتم اليوم إخلاء المنطقة منهم، بتشجيع أوروبي تتحكم فيه استراتيجيات غامضة. وهو ما يعني ببساطة إفراغ الشرق من عقله المتنور والحي. فقد كان المسيحيون هم الرابط الحيوي بين الغرب المتطور، والشرق الباحث عن سبل الحداثة. فأين الدولة في ظل ظروف مثل هذه التي يعيشها العراقيون اليوم؟ مهما كانت محاولات الدولة الاتحادية يحتاج العراقيون، قبل الطلاق المؤقت، إلى الاتفاق على الحد الأدنى لتستمر الدولة، ناظمة للحركة بين مختلف المقاطعات المستقلة نسبيا. يرى الكثير من الباحثين الغربيين أن خيار الدولة الاتحادية هو الحل الأمثل للعراق. يستدلون بالأمثلة الغربية ومنها سويسرا، وينسون أن المسألة في سويسرا لم تكن قسرية ولكنها كانت خيارية في أواسط القرن التاسع عشر. الخلاف متأصل في العراق ودموي. النظام الفيدرالي في الحالة العراقية ليس خيارا استراتيجيا، ولكنه غطاء للدول الثلاث التي ترتسم في الأفق. ويمكن رؤية ذلك بسهولة، على الرغم من النفاق السياسي المستشري.
هناك الشمال الكردي الذي أصبح دولة لم يبق له إلا الإعلان عنها، وهناك دولتان يتم التحضير لهما، تضم الشيعة وأخرى السنة. اليوم في العراق لا وجود تقريبا للدولة الناظمة المسيرة والقوة الفوقية التي يتفق عليها الجميع. فهل هناك إجماع على الدولة المركزية القوية التي تدير الشؤون الكبرى؟ النظام الفيدرالي أو الاتحادي عندنا، يتحول إلى وسيط نحو الدويلة الإثنية أو العرقية أو اللغوية أو الدينية، الأمر الذي يعني أن الدولة الوطنية بدأت تموت تتلاشى وتضمحل نهائيا في هذه المنطقة وغيرها، والذين اقترحوا هذه النظم هم أول من يعترف باستحالة تحققها. الخسارة كبيرة والرهانات الإستراتيجية تضاءلت حتى أصبحت اليوم نتائجها معروفة.
واسيني الأعرج