الطاهر الطويل
لعل اهم ما يميز موقف الامين العام للامم المتحدة بان كي مون من نزاع الصحراء الغربية، هو دعوته الاطراف المعنية (المغرب، البوليساريو، الجزائر، موريتانيا) الي الدخول في حوار مباشر ودون شروط مسبقة، للوصول الي حل سياسي عادل يقبل به طرفا الصراع الاساسيان: المملكة المغربية وجبهة البوليساريو.
والواقع ان المغرب برهن للامم المتحدة ومعها سائر مكونات المجتمع الدولي عن عزمه الاكيد في نهج سبل الحوار، من خلال اقتراحه خطة سلمية اطلق عليها مبادرة للتفاوض حول مشروع الحكم الذاتي في الصحراء. مما يتيح للصحراويين تدبير شؤونهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقضائية والاجتماعية بانفسهم، بطريقة ديمقراطية عبر هيئات تشريعية وتنفيذية وقضائية تتمتع بصلاحيات واسعة. فيما تحتفظ الدولة المركزية في الرباط باختصاصات حصرية، تتمثل بمقومات السيادة (العلم والنشيد الوطني والعملة) والاختصاصات الدستورية والدينية للملك والامن القومي والدفاع والعلاقات الخارجية.
وسيكون مشروع الحكم الذاتي موضوع مفاوضات، ويُعرض علي السكان المعنيين للتصويت عليه بواسطة استفتاء حر سيكون بمثابة ممارسة الحق في تقرير المصير.
واذا كانت المعطيات الراهنة تؤشر علي تغير واضح في تعامل المغرب مع قضية الصحراء، من منطلق تنازل الدولة المركزية عن صلاحيات واختصاصات عديدة لفائدة الحكومة المحلية المقترحة وفق خطة الحكم الذاتي، فان الخطة المضادة التي اقترحتها جبهة البوليساريو لم تأت بجديد يُذكر، اذ انها تكرر الاطروحة القديمة نفسها، المتمثلة في استفتاء تقرير المصير الذي اثبتت التجارب السابقة استحالة تطبيقه في الصحراء، وذلك باعتراف الامم المتحدة ذاتها. اضافة الي ذلك، فاعتبار البوليساريو موضوع الصحراء قضية تصفية استعمار ليس غير اسطوانة مشروخة لم تعد تقنع الكثيرين. والدليل علي ذلك، ان ما يسمي بـ الجمهورية الصحراوية لم تعد قادرة علي استقطاب الدول للاعتراف بها؛ بل ان العديد من الدول قامت بسحب الاعتراف بها (39 دولة). وفي مقابل حوالي مئة (100) دولة لا تعترف بها نهائيا، فان 48 دولة فقط هي التي ما زالت تصدق اطروحتها الانفصالية. الارجح ان قيادة البوليساريو شعرت بالارتباك ازاء خطة الحكم الذاتي وما لقيته من اصداء ايجابية لا سيما لدي بعض الدول العظمي، اصداء تبدأ بالتفهم واعتبار الخطة اقتراحا بناء وقابلا لان يكون ارضية للتفاوض، وتصل الي تاييد المشروع المغربي تاييدا تاما، كما حصل بالنسبة لفرنسا واسبانيا. ولم تخف البوليساريو شعورها بالاحباط والعزلة، بعدما خابت مراهنتها علي المستعمر القديم للصحراء (اسبانيا). ولذا، سارعت باقتراح تلك الخطة المضادة القائمة علي فكرة فصل الاقاليم الصحراوية عن المغرب.
والدليل علي المأزق الذي توجد فيه قيادة البوليساريو حاليا، انها حاولت في خطتها الجديدة/ القديمة ان تبدو منفتحة شيئا ما، وذلك بطرحها فكرة الحكم الذاتي كاختيار ثالث للاستفتاء بعد الانفصال او الاندماج، وكذا بحديث تلك الخطة عن امكانية فتح الحوار والشراكة والتعاون مع المملكة المغربية. فهل هي اشارات خجولة ومحتشمة علي مد يد المصافحة الي السلطات المغربية والجلوس الي مائدة المفاوضات، بعد سنين طويلة من الجفاء؟ ام ان الامر مجرد تكتيك ومناورة للعب الورقة الاخيرة لكسب تعاطف ما تبقي من انصار البوليساريو؟ لا سيما وان بعض التيارات داخل هذه الجبهة سئمت من الدعوة الانفصالية المدعومة من قبل الجزائر، واصبحت تنادي بالحوار المباشر مع السلطات المغربية (تيار خط الشهيد مثلا). كما ان مواطنين عديدين ممن ينعتون بـ بوليساريو الداخل (والمقصود بهم الموجودون في الاقاليم الصحراوية المغربية) رحبوا بمبادرة التفاوض من اجل الحكم الذاتي في الصحراء، ودعوا الي الحوار علي اساسها، مثلما كشفت ذلك احدي الصحف المغربية المستقلة اخيرا. هكذا يتضح ان الكثيرين، بمن فيهم بعض انصار البوليساريو، اقتنعوا او في طريقهم نحو الاقتناع بان المبادرة المغربية بشأن منح الاقاليم الصحراوية حكما ذاتيا، هي اقتراح عملي وواقعي وسهل التطبيق، عوض التمسك بالاوهام وباقامة جمهورية في الخيال، او في احسن الاحوال في منطقة صغيرة مستأجرة من الجزائر، تفتقر الي ظروف الحياة السليمة (نقصد مخيمات تندوف). فالمبادرة المغربية التي هي (كما اسلفنا) نوع من تقرير المصير، ستفرز عند تحققها مجلسا تشريعيا او برلمانا يُنتخب بشكل حر ونزيه وديمقراطي من لدن ابناء المنطقة، ويمكن ان يكون ذلك تحت اشراف مراقبين دوليين، وسينتخب رئيسا للوزراء، ينصبه الملك، كما هو معمول به في عدد من الديمقراطيات الغربية. ويتولي رئيس الوزراء تشكيل حكومة محلية.
هي، اذنْ، فرصة للنخبة السياسية والفكرية والاقتصادية المنتمية الي الصحراء (سواء كانت مقيمة في الداخل او في مخيمات تندوف) قصد التنافس من اجل تقلد مجموعة من المناصب الوزارية. ومن ثم، يصبح للصحراويين وزراء في قطاعات عديدة قد يجاوز عددهم العشرين (مثلا)، في الوقت الذي لم يكونوا ممثلين في حكومات مغربية سابقة، او كانت تمثيليتهم مقتصرة علي حقيبة واحدة (كما هو الشأن بالنسبة لوزير الصحة الحالي بيد الله). وهي، كذلك، فرصة سانحة للنخبة الصحراوية من اجل الحصول علي مسؤوليات مختلفة في المجلس الاقتصادي والاجتماعي المقترح ضمن الخطة المغربية وكذا في الهيئات القضائية والادارات المحلية، وقبل ذلك في المجلس الانتقالي الذي يتولي تهيئة الظروف المناسبة لاقامة ادارة الحكم الذاتي بالصحراء. علاوة علي ذلك، ستتاح لسكان هذه المنطقة فرصة التوفر علي ممثلين لهم في برلمان الدولة المركزية وفي باقي مؤسساتها الوطنية وكذا المشاركة في كافة الانتخابات الوطنية.
انه منعطف هام وحاسم يوفر للبوليساريو امكانية الخروج من بوتقة مساحة ضيقة سبق للجزائر ان منحتها لهم، في ظروف اصبحت الآن متجاوزة (اي ظروف الحرب الباردة وصراع المعسكرين الاشتراكي والراسمالي). منعطف يستدعي المراجعة والتخلي عن فكرة التجزئة والانفصال تحت مسمي الاستقلال، علما انه لم تكن في السابق اية دولة جنوب المغرب تحـــــــمل اسم الجمهورية الصـــحراوية، وقد اكدت ادبيــــات محكمــــة العـــدل الـدولية في لاهاي وجود روابط البيعة بين القبائل الصحراوية وملوك المغرب علي امتداد العصور.
فهل اقتربت ساعة العودة من ضيق المخيمات الي رحابة الوطن ودفئه وحضن الاهل والاسرة والاصدقاء؟ فجل سكان المخيمات وقيادة البوليساريو هم اصلا مغاربة ابا عن جد. وقد اعلن بعضهم ـ في وقت من الاوقات الماضية ـ تمردهم علي السلطات الحاكمة في الرباط لانها لم تُصغ لمطالبهم وشكاواهم. ولعل من المفارقات الطريفة والصدف العجيبة ان يكون والد عبد العزيز المراكشي رئيس جبهة البوليساريو ما زال يعيش بين احضان وطنه المغرب…! اطال الله في عمره حتي يري شمل الأسر والقبائل قد اجتمع في الاقاليم الصحراوية التي تشهد حركة تنموية دؤوبة، بعد تحررها من الاستعمار الاسباني قبل ازيد من ثلاثين سنة.
ہ كاتب صحافي من المغرب[email protected]