اغتيال الدبلوماسي التركي ودور حزب العمال في تخريب العلاقات العراقية التركية

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد-“القدس العربي”: مما لا شك فيه، أن انتكاسة كبيرة تعرضت لها العلاقات العراقية التركية ومساعي تحسينها، بعد عملية اغتيال نائب القنصل التركي في أربيل، في حادث لم يكن مستبعدا وقوعه مع وجود جهات معروفة بعدائها لتركيا تعمل بحرية على الساحة العراقية، وتسعى لتخريب تلك العلاقات والإضرار بالمصالح التركية في العراق.

والحقيقة ان عملية الاغتيال، كانت متوقعة في ضوء أجواء التجييش المتصاعدة في العراق، ضد المصالح التركية خلال الآونة الأخيرة، وهي ليست الواقعة الأولى في هذا المجال، حيث سبقها قيام ميليشيات شيعية بخطف عمال أتراك يعملون في مشروع في بغداد، وقيام حزب العمال بخطف مواطنين تركيين في وسط السليمانية ما زالا محتجزين لدى الحزب المذكور، إضافة إلى تهديدات متواصلة تطلقها المنظمات والأحزاب الشيعية والكردية ضد الغارات التركية على مواقع حزب العمال أو ضد تواجد بعض القوات التركية في شمال العراق وغيرها من النشاطات المعادية.

ورغم أن معلومات المصادر الكردية العراقية، تشير إلى أن العملية قامت بها منظمة كردية عراقية تم تشكيلها مؤخرا وأعلنت انها ستقوم بـ “محاربة العرب الذين يحتلون أراضي كردستان، إضافة إلى محاربة المصالح والقوات التركية في العراق” إلا أن العديد من قيادات الأحزاب الكردية سبق ان كشفوا أن حزب العمال التركي المعارض لديه العديد من الأذرع والتنظيمات العراقية المسلحة التي تحمل مسميات أخرى كوحدات حماية سنجار وغيرها من المنظمات، وذلك لإبعاد الإحراج عن حكومتي الإقليم وبغداد، اللتين لديهما مصالح وعلاقات غير مباشرة ببعض أذرع حزب العمال.

ولا خلاف على أن عملية الاغتيال ستشكل إحراجا كبيرا لحكومتي بغداد وأربيل وامتحانا لقدرة حكومة مسرور بارزاني، الذي كان مسؤولا عن أمن الإقليم قبل تسلمه منصب رئيس الحكومة فيه، ومدى قدرته على إصلاح هذا الضرر الجسيم في العلاقة. فالإدانات الدبلوماسية للعملية من حكومتي بغداد وأربيل لن تقنع تركيا بالتأكيد، وستضغط ليس للكشف عن الجهات التي تقف وراء الجريمة فحسب بل ولمعرفة إجراءات العراق ضدها.

ومعروف أن الحزبين الحاكمين في الإقليم (الديمقراطي والاتحاد الوطني) جعلا شمال العراق ساحة مفتوحة لكل الحركات الكردية المسلحة المعارضة للدول المجاورة (تركيا وإيران وسوريا) انطلاقا من الحلم المشترك بإقامة دولة تجمع كل أكراد المنطقة، إضافة إلى استثمار الحزبين لتلك الحركات في تحقيق أهداف سياسية ضد حكومات بلدانها حسب الظروف والحاجة السياسية.

وخلال عشرات السنين من تواجد تلك الحركات في شمال العراق، وتمركزها في مناطق سلطة حكومة إقليم كردستان العراق، لم تطلق قوات البيشمركه ولو إطلاقة واحدة ضدها ولم تحاول إخراجها من تلك المناطق، بل أن بعض الأحزاب مثل الاتحاد الوطني (حزب جلال طالباني) رفض اعتبار حزب العمال إرهابيا وتعاون معه في المواجهة مع “داعش” في كركوك وغيرها، كما استعان حزب بارزاني بعناصر حزب العمال أثناء معركة تحرير سنجار في الموصل من التنظيم المذكور.

ويسعى الحزبان الرئيسيان في الإقليم إلى مسك العصا من الوسط في النزاع بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردي، إذ يحرصان على المحافظة على علاقتهما ومصالحهما مع تركيا، وفي الوقت نفسه لا يتخذان إجراءات لإجبار حزب العمال على وقف نشاطاته العسكرية، بحجة عدم قدرتهما على إخراج الحزب من الإقليم وان بغداد هي التي تتحمل هذه المسؤولية.

وكانت قضية وجود حزب العمال التركي المعارض في شمال العراق، قد دخلت مرحلة جديدة عبر عقد العراق وتركيا قبل أيام، اتفاقا أمنيا حول كيفية التعامل مع تواجد الحزب في العراق. وذلك بعد وصول وفد عراقي أمني وعسكري ضم وزراء الخارجية والدفاع والمخابرات العراقيين، إلى أنقرة، لبحث هذا الموضوع، ولتجاوز خلافات وصلت إلى استدعاء سفيري البلدين وتبادل الاتهامات بعد قيام طائرات تركية بشن غارات على مواقع الحزب شمال العراق.

وفي المقابل يركز الخطاب التركي إزاء الهجمات الجوية على شمال العراق، على تبرير يبدو منطقيا هو، ان عدم قيام الحكومة العراقية بإنهاء معسكرات حزب العمال في تلك المنطقة، هو الذي يدفع تركيا للاستمرار في تنفيذ هذه الضربات الجوية، في إطار مبدأ الدفاع عن النفس، ولإنهاء النزاع مع هذا الحزب المعارض، الذي أوقع أكثر من 40 ألف قتيل منذ عام 1984.

والمؤكد أن عملية اغتيال الدبلوماسي التركي في أربيل، ستعزز إعلان وزارة الدفاع التركية مؤخرا، توسيع عملياتها العسكرية ضد معسكرات ومقاتلي وقيادات حزب العمال الكردستاني في إقليم كردستان العراق، مع تطور جديد هو مشاركة القوات الخاصة البرية التركية في هذه العملية، إضافة إلى سلاحي الطيران والمدفعية، وبالتالي فالمتوقع ان تزيد تركيا من عملياتها العسكرية خصوصا مع عجز أو تقاعس حكومتي بغداد وأربيل عن اتخاذ إجراءات حاسمة في هذا المجال.

وفي كل الأحوال لا شك ان المستفيد الأول من تعكير العلاقات العراقية التركية هما حزب العمال التركي المعارض وإيران التي تعتبر مع تركيا، أكبر مصدرين للبضائع التي يستوردها العراق، وإذا ساءت العلاقة بين العراق وتركيا فان إيران ستكون جاهزة لسد الفراغ من خلال زيادة صادراتها إلى العراق خاصة وإنها في هذه المرحلة في أمس الحاجة إلى هذا الإجراء لإسعاف اقتصادها المنهك في ظل العقوبات الاقتصادية الأمريكية عليها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية