جمال محمد تقي
هل يستطيع كائن من كان انكار عراقية العراق؟ يمكن ان يأتيك احدهم ليكفر بعراقيته ولاسباب عدة منها فقدان توازنه العاطفي اوالفكري اواغترابه وانفصامه عن جذوره وانتمائه ولاي دافع من الدوافع، لكن حتي شيوع هكذا نوع من التبرم او التمرد هو اسير لوضع مأسور بظروف عارضة اي لحظات في فراغ الانقلابات والمتغيرات العاصفة التي تبقي ومهما ارتفع صوتها عبارة عن ردة فعل، ربما يجري استثمار لهذه الردة ومن قوي غير عفوية اي قوي قاصدة وباهداف تريد تحويل الاستثناء الي قاعدة وبشكل يؤهله ليكون حالة عامة يقاس عليها لا علي نقيضها الثابت في نواميس جغرافيا التاريخ البشري والحجري وطرق تحصيل معاشها واشكال عصبياتها.
الانتماء الثقافي بمعني من المعاني ليس اختياريا اي هو تكوين وتشكيل غير ارادوي، هو نمو، ولادة وطفولة وشباب ونضج وشيخوخة وكل هذه المراحل تتراكم وتتغذي وتتذوق وتتفاعل مع المكان ومع المحيط الاجتماعي والثقافي السائد، فالانتماء الثقافي ليس انتماء حزبيا او ايديولوجيا حتي يمكن التخلي عنه، يمكن تشذيبه وتقويمه وقطعا لا يمكن انكاره حتي لو ادعي من اراد تغييره او استبداله بانه قد استطاع ذلك، نعم قد يحصل تغيير جوهري في مسلسل هذا الانتماء لدي ابناء واحفاد من استوطن وطنا اخر، فالاجيال الجديدة له ستكون حتما بانتماءات ثقافية متعددة وكلما تعاقبت في موطنها الجديد تزايد ارتباطها بثقافة الوطن البديل لتشكل تركيبا ثقافيا مطعما ومهجنا!
من هنا فالهوية الوطنية هي هوية ثقافية قبل كل شيء، حتي لو تعددت وثائق وجنسيات صاحبها او اصوله العرقية او الطائفية، العراق كوطن بمعزل عن الدولة وتعاقبها له قيمة الثبات الايجابي واللدولة قيمة التحول المزدوج سلبا وايجابا، فالعراق عمق ثقافي غاية في العراقة والاحتواء، فيه اجناس منوعة وكذا ملل ونحل وتمازج اذا تحللت مكوناته فقدت صفاتها الاساسية، والمناطقية فيه تناقضات تكاملية لاتجسدها بلاغة الانشاء انما بلاغة التاريخ والجغرافية والتذوق، وتطور السياسة والاقتصاد والاجتماع والفكر، العراق وطن فعل تفصيصه سياسيا واداريا وتقسيمه الي اوطان لا يستقيم مع ضرورات وجوده، وهو بهذا المعني يحمل في كيمياء وجوده انزيمات ستفعل فعلها في اجهاض كل افرازات الاجسام الغريبة الداخلة علي دورات حياته الصغري والكبري.
كلمة وطن كلمة مركبة ليست بلفظها وانما بما تحمله من معان فالوطن يعني ارض يستوطنها مواطن يتعايش معها وينسج مع اقرانه علاقات تتشابك بها الاعراق بالامزجة بانماط الانتاج السائدة بالبصمة النفسية والثقافية بالموروث الاسطوري والديني والفلسفي بتاريخية اللغة المكتوبة والمحكية، بالنظم السياسية والاجتماعية والفلكلورية السائدة، الوطن ارض وسماء ومركز واطراف، الوطن نمو متراكم من المعايشة الحية المنتجة، الوطن نسيج لغوي متطور، الوطن انسان له جذور وله افاق، الوطن انتماء مركب ومتحول فيه الكل ينصهر ببوتقة التبادل والاندماج بما يشبه آليات السوق وقوانينها التبادلية والاستعمالية حتي يصل بتطورها الي مرحلة الدولة التي تؤطر هذه المنظومة، وتتشكل عندها الامم، بمفهومها الامبراطوري القديم او بمفهومها الحديث امة السوق الوطنية الواحدة، التي قد تتطور لامة السوق الكونية الواحدة، فلا وجود لامم غير مجازية خارج هذا الاطار الفعلي المتحقق، اي وطن له معالم متكاملة ناسه امة مؤطرة في نظام الدولة المتحرك.
العراق وطن قبل ان يكون دولة وعليه اذا ضعفت دولته او احتلت او قضي عليها لحين فانه كوطن لا يزول بزوالها بضعفها او قوتها!
ليس هناك وطن شيعي او وطن كردي او وطن سني او وطن تركماني او وطن سرياني او وطن شبكي او وطن عربي، هناك وطن واحد فقط يقره التاريخ وتقره الجغرافية والثقافة والانتماء النفسي والذوقي انه العراق، لا عربستان ولا كردستان ولا تركمانستان ولا شيعستان وسنستان، بغداد عراقية بثقافة عربية اسلامية واربيل عراقية بثقافة عربية اسلامية حتي لو اراد الارادويون سحب كل كلمة او لحن عربي من قاموس اللسان الكردي، حتي لو غير الارادويون دينهم، وحتي لو بنوا جدارا عازلا، وحتي لو غيروا كل الاسماء، وحتي لو تنكروا لصلاح الدين، وحتي لو استطاعوا جمع ملايين الاكراد المنتشرين في بغداد والكوت والعمارة والبصرة وبعقوبة وحبسوهم في الزوم العنصري الذي يسمونه تجنيا كردستان، الوطن الاصيل لا يقوم علي عنصر عرقي، الوطن يقوم علي هوية ثقافية، والهوية الثقافية لاهل شمال العراق عراقية بامتياز، يريدون دولة؟ فأي تقزم هذا الذي يريدونه؟ الانسلاخ عن عملاق بقوة لا تعادلها قوة، لايستقيم الامر مطلقا، هذه نزعة لا عقلانية متخلفة ثقافيا وحضاريا وسياسيا نزعة ضيقة لانها تحتوي في طياتها مشروعا لدويلات المدن الاقطاعية وهي بذلك نزعة ضد حركة التاريخ وضروراته الموضوعية، ومهما توهم الارادويون بانه بالامكان التحايل علي الموضوع بلا موضوعية نزعاتهم السلطوية المتلبسة بلباس الامة التي لا وجود لها الا بخيالهم الماضوي المتخلف، وحتي لو اعلنوا دولتهم فان سقوطها سيكون حتمية تاريخية ايضا، كما سقطت من قبلها مهاباد!
المسألة ليست عسكرية وليست خيارا ذاتيا انما المسألة موضوعية وخارج ارادة الاختيار!
تصوروا ان هناك من يدعو لتقرير مصير كركوك، والمشكلة في الموضوع ان هناك من يجمل وينعم هذا الهراء! وكأن كركوك قرينة كوسوفو او الصحراء الغربية او تيمور الشرقية، وكأن كركوك مدينة محتلة، او منطقة تتنازعها دولتان!
حتي لو جارينا منطوق دستور حكومات الاحتلال وطروحاتهم المعلنة، فاننا نجد القول بضرورة تقرير مصير مدينة كركوك امر يناقض ما يعلنونه من ان العراق دولة باقليم واحد وسيادة واحدة!
ثم كيف يجري تقرير مصير جزء دون تقرير مصير الكل، لاسيما وان الكل محتل؟
وكيف يستطيع هذا الجزء تقرير مصيره بنفسه اذا كان هناك من قرر مسبقا السيطرة علي المدينة وترتيب اوضاعها الكلية بحيث ستكون نتيجة اي انتخاب او اي استفتاء معروفة مسبقا؟
لماذا يتصارع البارزاني والطالباني علي تقطيع كركوك وتقسيمها كخطوة لضمها لاقطاعياتهم غير المستدامة؟
الطالباني لا يريد التنازل عن مبدا الففتي ففتي ويريد استرجاع توازنه المفقود مع اقطاعية البارزاني، لان البارزاني يستحوذ الان علي دهوك واربيل لكن الطالباني لا يملك غير السليمانية والامور بمحافظة واحدة لا تشبع تطلعاته الندية، لذلك يريد كركوك له، لكن التغلغل البارزاني اخذ يهدد هذه الامنية لذلك خفف الطالباني من لهجته المطالبة بضم كركوك، ومن جهته صعد البارزاني سقف ضغوطاته، فالاستحواذ علي المحافظة الجديدة يعني توسعا عموديا وافقيا لامارة بارزان، افقيا توسع لاحاطة السليمانية والاستعداد لانتزاعها حين تحين ساعة الطالباني، وعموديا النفط بعمقه الاستراتيجي الذي سيدخله في حلبة مقاولي النفط في المنطقة لذلك فهو يستميت الان للحصول علي هذا المكسب الذي يعتقد انه سيجعله وعائلته حكاما بامرهم ليس فقط لشمال العراق وانما للعراق ذاته وستكون مخالبه اقوي علي جرح جيرانه الذين لا يرغبون به وبطموحه الانفصالي، والامر مازال سجالا بين الطرفين.
اتذكر ان احصاء 1957 والعودة اليه للنظر في التركيبة السكانية لاهل كركوك كان مطلبا يردده جماعة البارزاني عندما ارادوا الاتفاق علي مناطقة الحكم الذاتي مع الحكومة في السبعينيات من القرن الماضي علي اعتبار ان الاحصاء يكشف حقيقة الخريطة السكانية وهو الاقرب للمصداقية لان اعداد الاكراد كان اكثر من اي عرق اخر لوحده، حيث كانت نسبتهم حوالي 43% والتركمان 34% والعرب 18% والكلدو اشوريين 5%، لكنهم الان لا يريدون الرجوع للاحصاء المذكور وتجاوزه حسب تقديراتهم المتقلبة، لانه لايجعلهم اكثرية مطلقة بل ان التعاطي معه سيكشف التلاعب الخطير الذي يلعبونه بالترحيل الفعلي والرقمي الذي يمارسونه بالضد من اهالي المدينة باستخدام سياسة التطهير العرقي، وهناك امر معروف لدي من له صلات باهل كركوك غير المستوردين بانه لا يوجد احد من سكان كركوك لا يعرف التركمانية وخاصة الاكراد. لما للتركمان من حضور واضح وخاصة في مركز المدينة ذاتها ومرافقها واسواقها وحماماتها ومقاصبها، وعليه تراهم اليوم لا يطيقون سماع اسما تركمانيا اوعربيا، لكنهم ومهما فعلوا لا يستطيعون محـــو ذاكـــرة الناس والتلاعب بمصائرهم واسمائهم.
ان ابناء شعبنا من الاكراد يعرفون حق المعرفة حقيقة مصادر معاناتهم يعرفون ان الاغوات الجدد الذين ينصبون انفسهم اوصياء عليهم دون وجه حق ويجعلونهم يدفعون اثمان جرائمهم لا يستحقون منهم غير العزل والاطاحة بهم، لقد طفح الكيل وان اوان ايقاف تماديهم وايغالهم بايذاء شعبنا ووحدته.
ان التهجير لاجل الفصل العنصري والطائفي جار علي قدمين وساقين في العراق المحتل شمالا وجنوبا، وتجربة العملية السياسية الفاشلة خير برهان علي سقوط مشروعهم التقسيمي الذي يرعاه الاحتلال، ان من يريد فرض الامر الواقع علي شعبنا سوف يقع بشر افعاله.