د. عبدالوهاب الأفندي
لي صديق قديم أجده أقرب من عرفت لصورة القديس، وذلك لشدة زهده في الدنيا وإضماره وإظهاره الخير لكل من يلقي وإحسانه الظن بالخلق. وفي لقاء جمعنا قبل مدة بعد طول تباعد، تطرق الحديث إلي الخلاف المستعر في السودان بين الشيخ حسن الترابي وزملائه السابقين حول السلطة، فوجدنا الرجل يعتقد اعتقاداً جازماً بأن الأمر لا يعدو تمثيلية. فالترابي عنده قد طلق السلطة طائعاً، وهو غير طامع فيها، وإنما أراد أن يخلق وهم الصراع حتي يضلل الأعداء. وعندما جادلناه بأن كل القرائن تشير إلي أن الصراع حقيقي وأنه وصل مرحلة كسر العظم، وتم فيه تجاوز كل الخطوط الحمراء، أجابنا بأن هذا دليل آخر علي ذكاء الترابي، وقدرته علي أن يخدع الجميع. فلو كانت خدعته سهلة الكشف، فما قيمتها إذن؟
تذكرت هذا الصديق الذي حسدته علي هذه القدرة علي تعزية النفس وأنا أطالع مقالة الصديق حسن عبدالوهاب “القدس العربي”، 8 نيسان (أبريل) 2007 رداً علي تحسري في مقالة سابقة حول تضعضع مكانة السودان في افريقيا والعالم. وأنا لا أتهم حسن بأنه من القديسين، ولكنه أيضاً يجسد في شخصه وتناوله الطيبة السودانية الأسطورية (والتي أصبحت أسطورية حقاً بمعني أنها تحولت إلي أسطورة بعد أوشكت تختفي من الواقع)، ويجتهد في تعزية نفسه وبقية العالمين بأن الدنيا ما تزال بخير. في مقالته قال حسن إن أطروحتي تجسد في رأيه موقفا سياسيا شديد الضجر والرفض ظل الاخ عبد الوهاب يتبناه منذ وقت طويل، وحاول بالمقابل أن يرسم صورة وردية لماضي دور السودان في افريقيا وحاضره. وساق حسن أدلة تثبت أن السودان كان يلعب دوراً قيادياً في افريقيا منذ أيام الثورة المهدية، وأن مانديلا وغيره من الثوار لقوا دعماً سودانياً. وقد زعم حسن في مقاله أنني اعتمدت في أطروحتي علي مقولة علي مزروعي، كأنني مستشرق أو باحث أجنبي، أبني استنتاجات بهذه الخطورة علي مقالة كتبت قبل أربعين عاماً وليس علي حيثيات من أرض الواقع. وإذا كانت الحروب الأهلية والتمزق لايكفي، أليس في الموقف المذل الذي وقفه السودان في مؤتمر قمتي الخرطوم وأديس ما يغني عن تعزية النفس بنوادر مثل جواز مانديلا أو حمير أوغستينو نيتو؟
وفي حقيقة الأمر إن همي وتركيزي هو علي واقعنا اليوم. ولو كان حسن في شك منه فلعل متابعته ليوم التضامن مع دارفور الذي شهدته عواصم العالم يوم الأحد الماضي ما يعيده إلي أرض الواقع. ألا يكفي أن يقترن اسم السودان وحكومته (وبالتالي شعبه) عند ملايين المناضلين من أجل حقوق الإنسان في العالم بالإبادة الجماعية والقهر بالجملة للمستضعفين حتي يشاركنا الأخ حسن الأسي والألم علي ما آل إليه حالنا بدلاً من أن يهرب إلي مزاعم حول ماضي اندثر؟
ولكن حتي تمنياته عن الماضي شابها قصور بين. فالحركة المهدية لم تكن حركة مناوئة للاستعمار، بل إنها رفضت بعناد لعب هذا الدور، خاصة حين شنت قوات المهدية حرباً علي اثيوبيا وقتلت امبراطورها الذي كانت بلاده تتعرض لغزو استعماري، وكتب يطلب من الخليفة عبدالله تحديداً حلفاً ضد الغزاة الأوروبيين. ولكن الخليفة رفض إلا إذا أعلن الامبراطور يوهانس إسلامه وآمن بدعوة المهدية! وكانت النتيجة أن انتصرت اثيوبيا في معركتها ضد الإيطاليين في حين خسر السودان. أما الحديث عن دعم السودان لكفاح حركات التحرر، وإن كان فيه بعض الصحة، إلا أن الحكومات السودانية تفاوتت في الالتزام به، ولا نريد هنا أن نكشف أي الحكومات تعاملت سراً مع حكومة جنوب افريقيا العنصرية، ولم يكن ذلك سراً علي من يهمهم الأمر. ومهما يكن فإن هذه الحركات لم تظهر أي عرفان للسودان إن كان الدعم صحيحاً، لأن معظم حكومات هذه الحركات (ناميبيا، جنوب افريقيا، زيمبابوي) إضافة إلي حكومات أخري مثل تنزانيا ونيجيريا ويوغندا وزامبيا، كانت كلها تدعم حركة التمرد في الجنوب. فبئس العرفان بالدعم لحركات التحرر إن كانت كلها تجمع علي عض اليد التي أطعمتها. وهو دليل آخر علي عمق المشكلة، لأن الحركات حين تتخذ هذه المواقف بعد تلقي الدعم فإنه يكون أشد ألماً وأدعي للأسي.
في نفس أسبوع كتابة مقالة الأخ حسن التي تبحث عن تفاؤل غير مبرر، وتبحث عن العزاء في أمجاد غابرة مشكوك فيها، كتب الدكتور حيدر ابراهيم علي في جريدة الصحافة 14 نيسان (أبريل) مقالة بعنوان: هل للسودان مستقبل؟ انطلق فيها تحديداً من عظم الاهتمام العالمي بكارثة دارفور التي أصبحت قضية داخلية في معظم بلدان العالم بينما الحكومة غافلة عن ذلك، مشغولة بالمناورات عن التصدي لهذه الكارثة وغيرها. وجاء في المقالة: يصبح النظام كل فجر ليواجه مشكلة كبري كفيلة باستقالة ديغول او تشرشل، ولكن النظام يتعامل معها ببرود ولامبالاة مدهشين ويتزحلق عليها الي موضوع آخر. وخلص إلي أن مستقبل البلاد مظلم، خاصة وأن الشباب، عماد المستقبل، يعانون من البطالة والإحباط، ويمارس أغلبهم كل أنواع الهروب، من الهجرة والاغتراب، إلي المخدرات والشعوذة والدجل. وقال: يبدأ المستقبل هنا والآن، وكل ما هو موجود ومعاش لا يبشر بالاحسن. وفي رده يوم الأحد الماضي علي الجدل الذي أثارته مقالته أضاف حيدر رداً إضافياً علي تعزية أخينا حسن لنفسه بأمجاد الماضي المزعومة، بالإشارة إلي أن هذه الأمجاد تكون إدانة إضافية للحاضر، ودليلاً علي التقهقر إلي الوراء حيث قال عن تدهور الأداء الصحي في البلاد: كنت الاسبوع الفائت في عمان الاردن وخرجت في جولة مع صديق اردني. فقلت له تصور كيف كان السودان سابقاً، فقد اسست كلية كتشنر الطبية عام 1903 وفي ذلك الوقت لم تعرف الاردن التعليم والآن يتعالج السودانيون في الاردن! فرد علي بان الاردن نفسها في ذات الوقت لم تكن موجودة. و للمرء أن يقارن بين العاصمتين عمان والخرطوم. والاردن لا يملك موارد السودان الضخمة.
إنني أقدر محاولة الأخ حسن لرؤية الربع (أو الثمن، لأن القدر هو دون النصف بكثير) الملآن من الكوب. ولكن هذه الساعة ليست ساعة بيع الأوهام. فمن شهد فضيحتنا علي رؤوس الأشهاد يوم الأحد الماضي، وإنزالنا منزلة صرب البوسنة وعنصريي جنوب افريقيا عند العالمين، ولم يخجل من كونه سودانياً فهو لا يستحق أن يكون سودانياً. ومن شهد ما يحدث، وفوق ذلك ما يندي له الجبين حقاً من تشريد ملايين السودانيين الأبرياء الذي أصبحوا يعيشون الرعب في بلادهم، ولم يقم بواجبه في إصلاح الأمر، وأضعف الإيمان في ذلك النصح لله ولرسوله للمسلمين، فإنه يصبح من المشاركين في الإثم.
إن من المؤسف أن ما يحاوله الأخ حسن من تقليل لحجم الأزمة، وغير ذلك من تمني الأماني، يقع برداً وسلاماً علي المسؤولين عن هذه الكارثة، ويعينهم علي التمادي في باطلهم. وأنا أعيذ الأخ حسن من أن يكون من أهل النفاق، وإن كان كلامه للأسف مما قد يستعين به أهل النفاق ممن يعرفون أنفسهم ويعرفهم العالمين. وقد كنت حذرت في وقت سابق من أخذ المخدرات التي يتطوع بها هؤلاء لمعالجة ضمير أهل الحكم وتنويمه، وهم لا يزالون تصيبهم بما كسبوا قارعة أو تحل قريباً من دارهم، حتي يأتي أمر الله فيصيب الساكتين عن عظيم المنكر ما يصيب من ظلموا أنفسهم كما جاء في صحيح التنزيل.
وحتي لا يتمادي الأخ حسن في اتهامي بضجر أنفرد به، أو يعزي نفسه بملابس الفرعون التي لا يراها إلا من فتح الله عليه، فإنني أحيله إلي تعليق آخر، هذه المرة للأستاذ الحاج الوراق عن المشكلة الأخيرة التي افتعلتها الحكومة في منطقة المناصيرنشر في جريدة الصحافة في نفس يوم نشر مقاله موضوع هذا التعليق، يقول فيه وراق: وأول الدروس الخلاصة المذهلة عن طبيعة الدوائر المتنفذة حالياً في الانقاذ، فلو ان سلطة اخذت (مقاولة) لتفكيك السودان لما انجزتها بالكفاءة التي تنفذها بها هذه الدوائر! خلاصة ربما تكون معلومة قبل الآن، ولكن احداث المناصير تقدمها بصورة لا لبس فيها. في الاقاليم الأخري، كما في الجنوب، أو جبال النوبة، او دارفور او الشرق، كانت طبيعة الانقاذ هي نفسها كما في المناصير، ولكن في الاحداث الاخيرة علي وجه التحديد، ظهرت الحقيقة بلا دخن او تشويش، هنا ليس من موضع لادعاء استهداف الاسلام (!) او للمؤامرة الصليبية الصهيونية(!) الحقيقة صافية كما البلور ـ حقوق انسان في مواجهة الطغاة! ولو أن هناك (مؤامرة) ما لتفكيك السودان، فقد أشارت احداث المناصير الي ادوات المؤامرة، والامر لا يحتاج الي التوهان في أقبية المخابرات، انها طبائع الاجتماع ـ فحين تسود الديكتاتورية وتنعدم آليات المراقبة والمساءلة تنشأ في ظلمات الاستبداد مصالح مافيوية ـ أي مصالح أقلية ضيقة ومحدودة، وكارثة السودان الآن ان هذه المصالح المافيوية لم تختطف القرار السياسي في الحزب الحاكم والسلطة التنفيذية وحسب، وانما اختطفت معهما البلاد كذلك!
وأنا أعترف بصحة ما ذكره الأخ حسن بأنني أصبحت شديد الضجر من كثرة الكوارث والنوازل التي يجلبها حكام السودان علي رؤوسهم ورأس الشعب. ومع ذلك فإن كثيرين يتهمونني بأنني لم أضجر بما فيه الكفاية. فقبل أسبوع من مقالة حسن عبدالوهاب، علق الكاتب الصحافي المعروف عثمان ميرغني في صحيفة السوداني علي ما ورد في مقالي الأسبوع السابق عن يأسي من إصلاح الحكومة ونيتي في الإقلاع عن نصحها قائلاً رغم أنني أؤمن بأن الكاتب قدره أن لا ييأس.. إلا أني أصدقكم أن لإحباط الأفندي ألف عذر، مضيفاً أن المشكلة ليست فقط في أن الحكومة تزدري النصح، بل إنها تعتبر التطوع به تهمة. وساق علي ذلك من الأدلة المقنعة ما يكفي.
والعبرة أيضاً من كل هذا هو أننا لا نحتاج إلي نصح من الأخ حسن أو غيره لأن نتخلي عن الإحباط والضجر، ولا لدروس في تاريخ السودان السياسي وقد أفنينا شطراً من عمرنا في التعمق فيه. ذلك أن ضجرنا من عدمه ليس هو الذي يمزق السودان ويشوه صورته في العالم. الأولي بالنصح هم الذين يضجرون من نصحنا ويسرهم ما كتب الاخ حسن، رغم أنهم جعلونا مضغة في أفواه الخلق من دون ذنب اجترحناه سوي كثرة الساكتين علي الباطل.