في الوقت الذي بلغ فيه الفلاسفة في الغرب العقول وثبتوا فكرة التسامح والمحبة بين أفراد شعوبهم، ظلّت شعوب العالم الثالث، خاصة الافريقية منها والعربية تتخبط في براثن العنف بكل أشكاله، وقد شهد هذا العالم الخاوي من فكر واضح بدعائم قائمة على الحرية والتسامح والمحبة والحق في العيش، الكثير من العنف والظلم، حتى بدا أن لا صوت للعقل بين تلك الأمم، أمّا القلة القليلة من العقول الحكيمة وأصحاب الأفكار النيّرة، فقد تعرّضوا لمضايقات بلغ بعضها التصفية الجسدية، ودفع بالأكثرية للمغادرة إلى النصف الآخر من الكرة الأرضية، حيث يسود القانون المتأثر بفلسفة أخلاقية تحترم الإنسان.
على المدى الطويل وأمام انفلات الأمور من أيدي السلطات الحاكمة، وتفشي الأحقاد والكراهية بين أبناء الوطن الواحد، والطائفة الواحدة، وتحول هذه البلدان إلى أقاليم منكوبة، برزت بعض المؤسسات الفكرية وبدأت تنشط بدعم كامل من أنظمة راعية لها، لطرح أفكار بديلة مستنجدة بفلاسفة ومفكرين، أو ما تبقى منهم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، هكذا وصلتنا «موضة» التسامح، وخطاب المحبة، واحترام الحريات، أمام بعض العجز لتنفيذ هذه الأفكار على أرض الواقع، كون «فاقد الشيء لا يعطيه «.
ما وصلنا متأخرا، أصبح مثار أسئلة لدى العقل الغربي الخارج من تلك التجارب «الانبطاحية في التسامح» بصدمات جديدة، بعد أن فتح البحار والأمصار لاستقبال ملايين الهاربين من أوطانهم، لإغاثتهم وإدماجهم في مجتمعاتهم، ومنحهم حقوقا لم يحصلوا عليها في أوطانهم الأصلية. الخلل التوازني الذي نتج عن تصادم الأفكار بين الدخيل والمواطن، فتح مجددا حوارا حول المفاهيم التي أُعتُبِرت لفترة طويلة نهائية وثابتة. وإن أردنا أن نوضح هذه النقطة بالذات، علينا أن نعود لهيغل مثلا الذي يعتبر السجال الدائم والمتجدد هو الفلسفة في حد ذاتها، كون الفلسفة ليست كيانا واحدا، بل متعددا، وهذا المتعدد يستمد استمراريته من الاختلاف، بمعنى آخر هو يقصد الحوار بمفهومه البسيط والمجدي. إن المشكلة التي نواجهها اليوم مأزق تاريخي قمة في التعقيد، أمّا عبور الأفكار بين الشرق والغرب فمصيره غير واضح، ما يجعل مصير الفلسفة كلها على المحك أمام تصادم متناقضات هذا القرن واحتمال انتصار «لغة السيف» بسبب الخوف من الآخر، بدل محاولة فهمه. فإن كانت التأويلات الخاطئة قد طالت قراءة أهم فلاسفة القرن الماضي في عقر دارهم، فكيف ستكون عندنا قراءات إيجابية منتجة لتخطي الأزمة التي شددت الخناق على الفرد العربي بأغلب جنسياته، بدون ذكر الاستثناءات التي تفرضها الأموال وأعمدة المصالح الاقتصادية؟ ولنذهب بعيدا في عمق بعض المعطيات القديمة لنفهم ما هو مطروح اليوم، هل يمكننا الحديث عن تيار ماركسي في العالم العربي مثلا؟ وإن كانت الإجابة بنعم، فأين تأثيراته؟
الأسئلة نفسها تطرح بشأن نيتشه، أو جورج لوكاتش وغيرهما. نتحدث هنا عن نظريات انتشرت بين الجامعات وتخطّت حدود الدول، وغيرت أفكار أجيال بأكملها، ونقلت الوعي نقلة نوعية ارتقت بالإنسان من مكانة وضيعة إلى مكانة أكثر احتراما، ورسمت معالم الحرية بخطوط واضحة في البيانات العمالية والتعليمية، و(الاقتصادية ـ السياسية) بدون فصلهما عن بعضهما بعضا. لا تنفصل الفلسفة في انتعاشها عن كل تفصيلات الحياة، فقد توغلت في الأدب والفنون والاقتصاد والسياسة، وكان الفيلسوف مُعلما ومنظرا وخلاقا، يزرع في تلاميذه عصارة أفكاره، قبل أن تنضج في أدمغتهم وتخرج كمنتج فكري أكثر إبهارا، نتذكر على سبيل المثال هيدغر المتأثر بلوكاتش، ولوكاتش المتأثر بماركس، وماركس المتأثر بهيغل، بحيث لا تنتهي سلسلة الأفكار عند فيلسوف واحد، بل تتوالد وتتكاثر وتنتشر، وتحدث التغييرات التي تحمل الحلول.
أما محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي وعلي حرب فقد كونوا بسجالهم حقلا كبيرا لفهم حلقات الفكر العربي، بمعزل عن تفاصيله الهوياتية، أقول ذلك من منظور قارئة عادية، متابعة لبعض ذلك السجال.
تتولّد أسئلتي انطلاقا من الفراغات التي يفترض أن تملأها الفلسفة في مشهدنا الفكري العربي، فلا فيلسوف تمتد أفكاره، لا إقناع إلى درجة التأثير في أنماط التفكير الجماعية، على الرغم من أن العرب يحبون كثيرا نعوم شومسكي، ويحبون بشكل أقل سارتر، وهذه التصنيفات بين ما نحب وما نكره كثيرة، لكن أين الجناح العربي من هذه الفلسفة؟ أين أطراف الحوار، ونتائجه وتأثيراته الجدية في الجامعات والمدارس والفئات المشغولة بطرح الأسئلة والمشتغلة على إيجاد أجوبة شافية؟
أيننا من كل تلك الترسانة الفكرية التي لا تتوقف عند اسم إلا وانبثقت منه مجموعة أسماء جديدة؟ فمصائر فلاسفتنا مفجعة منذ مطلع أزمنة العقل، أما المعاصرون منهم فنعرف على الأقل ما تهددهم، ونغص حيواتهم، وقلل من نتاجهم، فأهدروا وقتا لا بأس به في التفكير بخلاصهم على الصعيد الشخصي، قبل إنقاذ أفكارهم، مثلما فعل محمد أركون، ونصر حامد أبوزيد، وصادق جلال العظم، بدون ترك امتداد لهم، سوى تركتهم الفكرية الممنوعة في أغلب بلداننا. أما محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي وعلي حرب فقد كونوا بسجالهم حقلا كبيرا لفهم حلقات الفكر العربي، بمعزل عن تفاصيله الهوياتية، أقول ذلك من منظور قارئة عادية، متابعة لبعض ذلك السجال، خاصة ما توصّل إليه علي حرب تحديدا من نقد ذاتي للمثقف العربي والأيديولوجيات العروبية (صناعة الأنظمة السياسية وليس العقل) وهو ما وجدته تحديدا في كتابه الشيق «أوهام النخبة أو نقد المثقف»، وأيضا في مقالات دأب على نشرها في الصحافة العربية، بلغة مفهومة، لا تعقيد فيها كما عند البعض، حيث أضيع بحكم اعتيادي على لغة الأدب. أقول إن حرب توقف مرارا عند موضوع الفلسفة ومصيرها في عالمنا العربي، وأشار كثيرا إلى أن هذا العربي العاجز عن تطوير حياته، ينام ويصحو على كنوزه المدفونة، لأنه يفتقر لأفكار خلاّقة، ما يجعل أزمته تزداد يوما بعد يوم، بل إنها امتدت إلى العالم الغربي بامتداد هذا العربي المتأزم، المرعوب من كل أشكال التغيير، الفاقد لقدرته على التأقلم والتعلم، وهنا نعود للنقطة التي انطلقنا منها في بداية المقال، إذ يبدو أن هذا العالم «شراكة وطيدة» بيننا نحن أقطابه، وأقصد القطب العارف بأموره وأهدافه، والقطب المتشبث بخشبة خلاص والسلام، الذي يمثلنا نحن طبعا، فهل سيبقى الغرب متسامحا، و«غبيا» ـ بشكل ما ـ تجاه الجهل الجارف الذي تمكن من إيجاد مكان له في قلب خريطته؟
نحن أمام فزع حقيقي يشهده العالم على عدة أصعدة، ويحتاج لتهدئة عقلانية يذكرها حرب في عدة نقاط في مقالة جادة بعنوان «رهان الفيلسوف العربي» أهمها توضيح المهمة الأصلية للفيلسوف، وهي «إخضاع الواقع للدرس والتحليل، وعدم الثبوت عند مقولات سابقة وكأنها مقولات نهائية/ إضافة إلى التحرر من المُسَبّقات الأيديولوجية المعيقة، لكي يتقن لعبة الإبداع والخلق» وأعتقد حسب هذه الخلاصة المهمة، أنه حان الوقت لكسر عائق اللغة للتواصل مع فلاسفة العالم، بعد أن أصبح (هذا العالم) قرية صغيرة تجمعنا معا، والخوض مجددا في مفاهيم ظن فلاسفة الغرب أنهم حسموها انطلاقا من معرفتهم لمجتمعاتهم التي تخطت بمئات السنين ما علقنا فيه اليوم بشكل مضاعف، ولم تعرنا اهتماما، نحن شركاءهم، في هذه الحياة بكل أثقالنا وعقدنا ومخاوفنا ومعارفنا أيضا.
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين