لندن – «القدس العربي»: «لا أريد إبنة تشبه شكل الملفوف». هذا ما قالته والدة الطفلة ايمي بعد أن اكتشفت أن ابنتها التي ولدت من خلال عملية تأجير الأرحام تعاني من مرض الحثل العضلي. الأم البيولوجية التي أنجبت ايمي وشقيقها التوأم، مقابل مبلغ 12000 جنيه إسترليني، قالت أن الزوجين البريطانيين أخذا الطفل السليم ورفضا شقيقته ايمي بسبب إعاقتها، تاركين طفلتهما في رعايتها ومدافعين عن تصرفهم بالقول: من الذي يريد تبني طفلة معوقة؟
هذه الحالة، التي خرجت إلى العلن الشهر الماضي، حملت معها شبهاً كبيراً لقصة باتارامون جوبوا، الأم التايلاندية التي وضعت توأمها في كانون أول/ديسمبر الماضي، بعد تأجير رحمها لزوجين استراليين، وإنتهى بها الأمر بأخذ الطفل غامي لرعايته بنفسها بعد أن رفض والداه أخذه لعلمهما بإصابته بمتلازمة داون، وعادا إلى بلادهما بالطفلة السليمة فقط. قصة ايمي وغامي التي أثارت جدلا كبيراً في الأشهر القليلة الماضية ليست من القصص النادرة من نوعها، هناك الكثير من القضايا المأساوية المماثلة التي تغذت وهُمشت في ظل غياب قوانين صارمة تضمن الحقوق والشروط المناسبة لممارسة تأجير الأرحام. ربما تكون الميزة الوحيدة لقصة ايمي وغامي أنها سلطت الضوء على عالم تجاري خطير يُصنع فيه الأطفال بدوافع إنسانية وتجارية، وتختلط فيه المسميات، بفعل عوامل عدة، أهمها: الدين، القانون، والتطور الطبي والعلمي.
تعريف تأجير الأرحام
تعتبر ممارسة تأجير الأرحام ظاهرة شبه حديثة ازدهرت ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻨﻭﺍﺕ ﺍﻷﺨﻴﺭﺓ الماضية. وتجري هذه الممارسة من خلال تلقيح ماء النطفة بماء البويضة تلقيحاً خارجيا ثم زرع هذه البويضة الملقحة في رحم إمرأة أخرى تتطوع بحملها حتى ولادة الجنين مقابل أجر معين (مجلة مجمع الفقه الإسلامي(.
الناحية الطبية
يجمع الكثير من الأطباء على أن تأجير الرحم عملية آمنة على صحة المرأة والجنين ولا توجد فيها أية مشكلة. إلا أن الهيئة المنظمة لهذا الشأن في المملكة المتحدة، وهي هيئة الخصوبة البشرية وعلم الأجنة، فترى إن الحمل المتعدد يمكن أن يزيد من مخاطر ولادة أجنة ميتة، ووفاة الأطفال حديثي الولادة، وحدوث إعاقة للأطفال، ومضاعفات أخرى للأم مثل الإجهاض، وإرتفاع ضغط الدم.
القانون لا يحمي المتعاقدين
كان رحم البريطانية ريتا باركر ﺃﻭل رحم مستعار ﻓﻲ لندن، إذ وافقت ﻋﻠﻰ حمل ﺍﻟﻠﻘﻴﺤﺔ من زوجين بريطانيين مقابل أجر معين. ولكن باركر رفضت تسليم الطفل لوالديه بعد انجابها له ولم يستطع القانون حماية حقوق الزوجين لغياب النصوص أو العقود القانونية التي تعنى بهذه الممارسة، بحكم أنه لا يمكن استخلاص هذا النوع من الإجراءات قبل ولادة الطفل . لذلك ليس هناك أي التزام للوالدين البيولوجيين بأخذ الطفل، كما لا تلتزم الأم البديلة بتسليمه. ويقتصر المبلغ المالي المتفق عليه بين الأم المالكة والأم المستأجرة، على نفقات يتفق عليها الطرفان. وتحقق السلطات في عيادات تأجير الأرحام والممارسات المتعلقة بها في بعض البلدان لكنها تشكو من ان القوانين يشوبها الكثير من الثغرات التي تجعل من الصعوبة بمكان التحقيق في القضايا المتعلقة بها. وتعتبر بانكوك واحدة من أبرز المدن التي يقصدها الأجانب من أجل معالجة مشاكل الإنجاب لديهم عن طريق تأجير الأرحام، ولكن ذلك في طريقه للتبدل، إذ بينما ينتظر 400 زوج ولادة أطفالهم، وافقت الحكومة التايلندية على قانون يجعل من هذه التجارة جريمة. ويعيش الآن عدد كبير من الأزواج في حالة من القلق تجاه إيقاف تأجير الأرحام بينما هم في انتظار مواليدهم، لكن سام إيفيرينغام، رئيس مؤسسة غير ربحية تهتم بتأجير الأرحام، يقول إن الحكومة التايلندية قالت إن هؤلاء الأزواج لن يعاقبوا لكنهم سيتبعون نظاما جديداً عند الخروج من تايلند مع مواليدهم الجديدة.
رأي الدين والعلماء:
اختلف العلماء ورجال الدين في حكم تأجير الأرحام. فقد قالت دار الإفتاء المصرية أن تأجير الأرحام من أجل الولادة حرام شرعا لما فيه من مفاسد تتلخص فى إفساد معنى الأمومة كما فطرها الله وعرفها الناس، وصَبغُها بالصبغة التجارية، مما يناقض معنى الأمومة التي عظمتها الشرائعُ وناطت بها أحكام وحقوق عديدة. كما حذرت الفتوى من أن هذا النوع من التلقيح يقود إلى شبهة اختلاط الأنساب؛ لاحتمال أن تفشل عملية التلقيح بعد وضع اللقيحة في الرحم المؤجر، ويحدث الحمل عن طريق مباشرة الزوج لزوجته، فيُظَنُّ أن الحمل والوليد للمستأجر، مع أنه في الواقع ليس له. وقد سبق وحرم مجلس مجمع البحوث الإسلامية في مصر «تأجير الرحم» في فتواه التي أصدرها في القاهرة بحضور شيخ الجامع الأزهر محمد سيد طنطاوي، للأسباب نفسها. من جهة أخرى، أصدر عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر الدكتور عبدالمعطي بيومي فتوى أجاز فيها تأجير الأرحام، وهي فتوى مخالفة لآراء أساتذة جامعة الأزهر وأعضاء مجمع البحوث الإسلامية الرافضة لها. وقال بيومي بأن تأجير الرحم مثل تأجير المرضعة حلال على ألا نضع في رحم المرأة بويضة ملقحة إلا بعد التأكد من خلو الرحم من أية بويضات، وأن ما ينشأ عن ذلك من مشكلة النسب مسألة قانونية يحددها العقد الذي يكتب بين المالك والمستأجر. وتحرم جميع الكنائس المسيحية تأجير الأرحام لتنافيه مع مبدأ الأمومة ورفضه الفاتيكان وقال أنه عمل غير أخلاقي.
سوق تأجير الأرحام:
بين الاستغلالات المادية
والدوافع الإنسانية
في حادثة تعتبر الاولى من نوعها، طالب مؤخراً مواطن ياباني السلطات التايلاندية السماح له بالحصول على أكثر من نصف دستة أطفال، يزعم أنهم أبناء ولدوا عبر تأجير الأرحام في تايلاند، وقال أنه يسعى لإثبات أبوته لـ15 طفلا على الأقل، تم إنجابهم عن طريق تخصيبه لبويضات نساء من إسبانيا والسويد والبرازيل وماليزيا، وتلقيح البويضات المخصبة في أرحام نساء تايلانديات مقابل 400 ألف بات، نحو( 12 ألف دولار) للرحم الواحد. وفي الشهر الماضي ذكرت صحيفة «جابان تايمز» ان رجلا يابانيا يسعى لإنجاب ألف طفل. طبقا للمؤسس المساعد لإحدى المنظمات التي تقدم خدمات تأجير الأرحام في تايلاند ودول أخرى.
ونقلت مريم كوكوناشفيلي من شبكة «نيو لايف غلوبال» عن الرجل قوله «أفضل ما يمكنني القيام به للعالم هو إنجاب الكثير من الأطفال». وأضافت انها ترفض عرضه على مزيد من الأمهات البديلات وأبلغت السفارة اليابانية والشرطة الدولية (الانتربول) بشأن شكوكها.
وتوجد في الولايات المتحدة وكالات متخصصة لتأمين الأرحام وتأجيرها، حيث تقوم بالتعامل مع زبائنها بسرية تامة، وتتقاضى مبالغ مالية تتراوح بين 80 ألف دولار و120 ألف دولار.
وبحسب تقرير «التايمز» فإن السيدات الأمريكيات اللواتي يقمن بتأجير أرحامهن غالباً ما يأتين من الولايات الجنوبية الأكثر فقراً، وينتمين إلى الطبقة الفقيرة والعاملة، فضلاً عن أنهن لم يسبق لهن السفر إلى الخارج، ولذلك فإن الوكالات التي تقوم بالوساطة غالباً ما تدفع للسيدة 25 ألف دولار فقط من أصل 120 ألفاً تتقاضاها من الزبون.
ويقول الوسطاء العاملون في هذا السوق، إن الجاذبية التي يتمتع بها النظام الأمريكي هي أن النظام يوفر الحماية القانونية لهذه العمليات في الوقت الذي تشهد فيه الصين رقابة مشددة وصارمة من أجل تطبيق الحظر على هذا الأمر.
إزدهار الظاهرة
في بريطانيا وأمريكا
أول تأجير الأرحام باستخدام التبرع بالبويضة في بريطانيا تم في عام 1985 ولكنه بقي شبه نادر حتى السنوات الأخيرة الماضية بسبب صعوبة تواجد أمهات بديلات في المملكة المتحدة.
وفي ظل فشل محاولات عديدة للخصوبة في المملكة المتحدة، يسعى عدد كبير من البريطانيين للحصول على طفل من خلال الأم البديلة. وقد أصبح زوجان بريطانيان أبوين لأربعة أطفال توائم حملهما امرأتان هنديتان من خلال نظام الأمهات البديلة في آذار/مارس 2014، علماً أنه لم يلتق الزوجان بهاتين المرأتين من قبل وليست هناك أرقام رسمية، لكن ناتاليا غامبل، وهي محامية متخصصة في القضايا الدولية المتعلقة بتأجير الأرحام، تقدر بأن هناك مئات الأزواج البريطانيين الذين يسافرون إلى الهند كل عام من أجل تأجير الأرحام . وسجلت أكثر من 200 حالة من الحمل البديل في بريطانيا هذا العام في حين تم تسجيل 83 ولادة فقط من هذا النوع في عام 2010 . وفي العام نفسه أصبح تأجير الأرحام للمثليين شرعيا. وسترى أمريكا حوالي 2.000 ولادة بديلة هذا العام، على الرغم من أن الممارسة ليست قانونية في جميع الولايات.
تأجير الأرحام في الهند:
دخل يقدر بمليار دولار سنويًا
يعتبر تأجير الأرحام في الهند سوقاً مزدهراً، وذلك بفضل انخفاض كلفة الإجراء، وتوفر الأرحام في ثاني أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان والتي تعتبر من البلدان القليلة في العالم التي تسمح بهذه الممارسة. وقالت هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» إن ما يعرف في الهند بعمليات تأجير الأرحام، يحقق دخلًا يُقدر بحوالي مليار دولار سنويًا. وقد تمكن عدد من الأطباء المهرة بجعل الهند المكان الأمثل للأزواج الذين يسعون إلى طلب مساعدة أمهات بديلات لحمل أطفالهم نيابة عنهم. وفي إحدى الفنادق في أناند، وهي مدينة صغيرة تعرف باسم «عاصمة الحليب» في الهند في ولاية غوجارات في أقصى غرب البلاد، تعيش 50 أم بديلة، إذ تحصل كل واحدة منهن على 8 آلاف دولار لحمل طفل في رحمها. تقدم الدكتورة نايانا باتيل العناية بالأمهات البديلات منذ العام 2003، وذلك في الوقت ذاته الذي قامت فيه جدة بحمل طفلين توأمين لإعطائهما لإبنتها. وقالت باتيل في تصريحات لـ «سي أن أن» «هكذا بدأت عملي بتأجير الأرحام، لأن ليس جميع الأشخاص محظوظين بأن يكون لديهم أم، أو أخت، أو صديق لحمل أطفالهم». وتمكنت باتيل من إنجاب حوالي 700 طفل، من خلال الأمهات البديلات لـ 580 ثنائيا، منذ العام 2004. ويذكر أن الهند أتخذت خطوات لتنظيم هذه الصناعة، والتي تعتبر محظورة على الزوجين من نفس الجنس، والأم الوحيدة. ويصف النقاد عيادات تأجير الأرحام في الهند بمراكز صناعة الأطفال. وقالت الناشطة في مجال حقوق المرأة ومدير مركز الأبحاث الاجتماعية في نيودلهي رانجانا كوماري إن الأمر «يعتبر بمثابة استغلال مادي للأمهات البديلات» .وتعتبر الهند من أكثر البلدان التي يتوجه إليها الذين يسعون لهذا النوع من الحمل، إلا أنها حظرته لغير المتزوجين، والمثليين.
ريما شري