فنسنت فان غوخ: تعاسة روح الفنان وأفراح بورصة الفنّ

حجم الخط
0

آرل – جنوب فرنسا «القدس العربي»: في شباط/ فبراير 1890 كان من المحال على السيدة ماري جينو، صاحبة «مقهى المحطة» المطلّ على ساحة لامارتين في بلدة آرل الفرنسية الجنوبية، أنّ تتخيّل أنّ نهاراً سوف يحلّ ذات ساعة ـ بعد 116 سنة، في الواقع! ـ فيشهد بيع صورة لها مرسومة بالزيت على القماش، بمبالغ طائلة هائلة، تُعدّ خرافية تماماً في مقاييس ذلك الزمان، وهذا الزمان أيضاً. والأرجح أنّ مدام جينو كانت تتسلى مع هذا الرسّام الطيّب، العصبيّ والحساس والرقيق، الموشك على الإنهيار العصبي أو ربما الجنون؛ حين جلست ذلك اليوم أمام فرشاته وقماشه ونظراته الثاقبة، واضعة يدها على خدّها، مبتسمة قليلاً، وأمامها كتابان: «أقاصيص عيد الميلاد» للروائي البريطاني تشارلز ديكنز، و(كما يرجّح الكثيرون) «كوخ العم توم» للأمريكية هارييت بيشر ستو.
كانت اللوحة تلك خامس ـ ويُتفق، عموماً، أنها أجمل ـ عمل في سلسلة بعنوان «الآرليات» نفّذه الفنّان الهولندي الكبير فنسنت فان غوخ (1853 ـ 1890)، على سبيل التحيّة والتقدير لصديقه الفنّان الفرنسي الكبير بول غوخان (1848 ـ 1903) بعد فترة خصام شخصي بينهما، وخلاف أسلوبي، وتباعد في المزاج الجمالي. وفي سنة 2006، كما هو معروف، بيعت هذه اللوحة بمبلغ يقارب 40 مليون دولار أمريكي، في مزاد علني لم يخل من الطقوس المعتادة في التكتّم والتنافس والتصارع والتجارة الصرفة.
وذلك العمل بالذات كان تتويجاً لطور من الحنين الجارف إلى زمن التعاون المشترك والصداقة الجميلة بين غوخان وفان غوخ، قبيل إحالة الأخير إلى مصحّ عقلي؛ وكانت سلسلة «الآرليات» ذروة صراع الفنّان العبقري من أجل استرداد وجوده الآخذ في الاهتزاز والتلاشي. ولقد كتب إلى غوخان يصف لوحة «مدام جينو» كما يلي، بتواضع مذهل: «لقد حاولت من خلالها أن أحترم رسمك، وأكون مخلصاً له (…) ولك أن تعتبر العمل منتمياً إليك، بمثابة تلخيص لأشهرٍ من تعاوننا المشترك».
وقبل 11 سنة شهدنا حكاية بهيجة أخرى تخصّ أعمال فان غوخ، حين شاءت الصدفة أن تكتشف إحدى دور المزاد اليابانية لوحة له كانت ضائعة، أو بالأصحّ غير معروفة أساساً. اللوحة زيت على قماش، غير موقّعة، صغيرة الحجم (41 x 21 بوصة)، تصوّر فلاحة فرنسية عابسة، متوسطة العمر، ترتدي قلنسوة بيضاء؛ وكانت ملك الرسام الياباني كازوماسا ناكاغاوا، الذي توفي سنة 1991. وحين تقرر بيع مقتنيات الأخير، قُدّرت هذه اللوحة الغامضة بمبلغ يقلّ عن 90 دولاراً، وكادت أن تُباع بأقلّ من هذا السعر لولا أنّ أحد العاملين في المزاد راوده الشكّ في أن تكون اللوحة أصلية، وأن يكون صاحبها فان غوخ دون سواه. وهكذا، أُرسلت اللوحة إلى متحف فان غوخ في العاصمة الهولندية أمستردام، لتُعرض على الخبراء هناك. وبعد فحص وتدقيق أرسل المتحف فاكساً يقول إنّ العمل أصلي بالفعل، وهو بريشة فان غوخ، ويعود إلى العام 1885.
وبالطبع، قفز سعر اللوحة من 83 دولاراً إلى 550 ألف دولار. الأكثر إثارة أنّ فان غوخ، وجرياً على عادته، كان مستعداً لبيع هذه اللوحة لقاء قبلة واحدة من الفلاّحة صاحبة الصورة، أو من أيّ أنثى، ولم يفلح! وذاك البائس التعس الجائع، انقلب دفعة واحدة إلى ميدان تنافس مالي محموم: في عام 1990 بيعت لوحته «صورة الدكتور غاشيه» بمبلغ 82.5 مليون دولار، فانفردت بالرقم القياسي لأعلى مبلغ دُفع في أي لوحة؛ بعدها، باع مزاد بريطاني عملاً مائياً له (مرسوماً على الورق!) بمبلغ 14.7 مليون دولار.
حكاية ثالثة: جامع اللوحات الهولندي ديرك هانيما فارق الحياة وهو يؤكد أنّ في عداد مجموعته الشخصية بعض الأعمال الأصلية لفنانين كبار من أمثال فيرمير ورمبرانت وفان غوخ، فاستحقّ من غالبية المختصين صفة الجهل والخبل أو الخرف في أفضل توصيف. بعد 16 سنة على رحيله، تأكد أنه بالفعل كان يمتلك لوحة من أعمال فان غوخ، مجهولة حتى اليوم، وذات دلالة خاصة في تحديد أسلوبية الفنان الهولندي الكبير خلال طور أواخر الثمانينيات من القرن التاسع عشر. اللوحة آسرة، لا ريب، ولكن لأسباب أخرى تتجاوز عبقرية فان غوخ القياسية، لأنها تؤشر بوضوح صارخ على ميوله الانطباعية، واختيار مجاميع بشرية عريضة، على درج مطحنة هوائية في ضاحية مونمارتر، التي ستصبح فيما بعد أحد أحياء العاصمة باريس. ومن المدهش، حقاً، ان يظلّ هذا العمل/ المفتاح بعيداً عن الأنظار طيلة عقود وعقود، وهو أمر يعيد طرح إشكالية الأعمال الفنية بوصفها بضاعة سوق، تخضع استطراداً لقوانين تسويق عشوائية يمكن أن تُلحق الأذى بقِيَمها الفنية.
حكايات مفرحة، ومزادات مثيرة، في سجلّ فنّان عاش فقيراً ومات خالي الوفاض، وظلّ على الدوام أسير تجربة ممضة معقدة بدأت بطفولة مضطربة، وتتابعت فصولها سنة إثر أخرى من اضطرام الوجدان وتفتُّق الموهبة وغربة الروح، حتى لكأنّ هذه النفس ناءت بثقل ما تزاحم في داخلها وحولها من عذابات، فتوقفت عند سنّ السابعة والثلاثين. عمر قصير صاعق، صاخب، مفعم بالألم والطموح والتحرّش بالحياة وعشق الطبيعة، وإعادة إنتاج ذلك كله في الذهن كما على القماش.
أكثر من 2500 عمل على مدار تسع سنوات، ومقالة نقدية واحدة أظهر فيها ألبير آمييه حماسه لهذا «الفنان التعس في روحه، المتفائل في أعماله». لوحتان مباعتان لا ثالثة لهما. رؤية للكون طافحة بضياء الشمس، ودفء الحقول، وحرارة الألوان الصفراء. محاولة متواصلة للخروج من «القفص المرعب، المرعب» كما سيكتب. وبحث جارح دائم عن الحب، في مناشدة أشبه بالتضرّع المرير النبيل الذي أطلقه بدر شاكر السياب ذات يوم: «أحبّيني!/ فإني كلّ من أحببت قبلك ما أحبّوني»!.
مدينته المفضّلة، آرل، جنوب فرنسا ـ والتي شكّلت مشهداً لعشرات من أعماله، كما احتضنته في المصحّ العقلي، الذي رسمه أيضاً ـ لا تكفّ عن تكريمه؛ بمعارض دائمة، ومنشآت سياحية، وتخليد للمقاهي والساحات والجسور التي كانت موضوعات لوحاته.
ومعرض «فان غوخ حيّاً» الذي اختُتم قبل أيام واستضافته المؤسسة التي تحمل اسم الفنان الكبير الراحل، أمِل المنظمون في استقبال عدد من الزائرين لا يقلّ عن 80 ألفاً، فحصلوا على 103 آلاف زائر! وهذا، بالطبع، شجّع المؤسسة على تنظيم معرضين مقبلين: الأوّل يجمع عدداً من الأعمال التي تكرّم فان غوخ، للصيني المقيم في فرنسا يان بي منغ، والفرنسي برتراند لافييه (الذي صمم مدخل المؤسسة، على هيئة توقيع «فنسنت»)؛ والمعرض الثاني يضم 40 من رسومات فان غوخ، فضلاً عن أعمال للفنانة البصرية الأمريكية روني هورن.
«من أنا في أعين الناس؟ نكرة، أم معتوه منفّر»؟ هكذا تساءل ذات نهار حين تفاقمت وطأة اكتشافه لتلك الحلقات الجهنمية التي تجعله مغترباً عن مواصفات شرط بشري عسير، في عالم يراه رغم ذلك جميلاً ورحباً وجديراً بالعيش.
وأما آخر كلماته التي عُثر عليها في قصاصة صغيرة دسّها في جيبه قبل أن يطلق على أحشائه الرصاصة الرخيصة اللازمة، فقد كانت: «وماذا في وسعنا أن نفعل، سوى أن نجعل لوحاتنا تنطق؟».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية