حضور فلسطيني بارز وعمق عربي ومتوسطي وأفريقي

حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: بعد مهرجان سينما الهواة في مدينة قليبية التونسية، أختتمت فعاليات ملتقى هرقلة السينمائي في تونس الذي احتضنته احدى مدن ولاية سوسة الساحلية، وقد اختار مدير المهرجان محمد شلوف إحياء الذكرى العاشرة لإنطلاق الملتقى بتحية الى فلسطين من خلال عرض فيلم المخرج الفلسطيني عبد السلام أبو عسكر «غزة غير صالح للعرض» وهو شريط وثائقي يسرد على مدى 26 دقيقة نضال أهل غزة ضد الصهيونية ومعركتهم في سبيل الحرية والكرامة.. كما افتتحت الدورة العاشرة – بحضور وزير الثّقافة التونسي مراد الصّكلي- بعرض فيلم» القوسطو» للمخرجة الجزائرية صافيناز بوصبيعة
يشار إلى أن الملتقى تأسس عام 2005 بمبادرة من جمعية أفريقيا والمتوسط للثقافة التي يرأسها الطاهر شريعة مؤسس مهرجان قرطاج السينمائي كمساحة لتبادل الرؤى بين ثقافات متعددة ولإلقاء الضوء على الإبداع السينمائي الشبابي .
وكان لافتا حضور أحد أبرز الوجوه السينمائية الأفريقية، بسليمان سيسي مخرج أفلام Baara وFinyé و Yeelen ، حيث التقى على مدى ثلاثة أيام بالشبان من هواة الأفلام الوثائقية وكانت مناسبة لتقديم أحدث أفلامه التسجيلية ״O Sembéne״.
الألم الفلسطيني حاضر
أحداث غزة ومعاناة أهلها كانت حاضرة بقوة في فعاليات هذه التظاهرة السينمائية الأفريقية والمتوسطية من خلال الشريط الوثائقي الذي يقدم لأول مرة «غزة غير صالح للعرض» للصحافي والمنتج التلفزيوني الفلسطيني الشاب عبد السلام أبو عسكر.
عن فكرة العمل، يقول المخرج أنه تم بناء على طلب من المخرج الفلسطيني العالمي رشيد مشهراوي الذي اتصل به قبل أسبوعين فقط وطلب منه إنجاز فيلم عن فلسطين خاص بالمهرجان. ويتابع: «الفيلم هو تجربتي الأولى في الإخراج السينمائي ويتحدث عن مواطن من غزة تضطره ظروف عمله إلى ترك مدينته والذهاب إلى رام الله أربعين سنة تاركا وراءه عائلة كبيرة .. ينقل العمل هذا السيل من المشاعر الذاتية والتصرف البشري والإنساني أثناء القصف، ثم لحظة الإتصال بالأقارب للإطمئنان بعد إنتهاء الغارات وسط خوف من سماع خبر سيئ..هو شعور بالعجز على مدى خمسين يوما من الحرب «.
«غزة غير صالح للعرض»هو سرد لوقائع وحكايا الناس الذين استشهدوا في حرب غزة. يقول المخرج: «الإعلام يتعامل مع هؤلاء الضحايا كأرقام وأخبار لا أكثر أما العمل فيغوص بعيدا في أعماقهم، في تجلياتهم وفي ظروف حياتهم وذلك من خلال علاقتي الشخصية مع البعض ممن قتل في الحرب الأخيرة. فأنا كإعلامي أحاول أن أنقل الواقع الفلسطيني بعيدا عما تستخدمه وسائل الإعلام لأن التقرير التلفزيوني يتحدث فقط عن أرقام الشهداء والجرحى «.
أما عن سبب تسمية الفيلم بـ»غير صالح للعرض» فيوضح المخرج أن الأمر يعود إلى أن الشريط يضم صورا مرعبة وصادمة ومشاهد قاسية تعمدت وسائل الإعلام ألاتعرضها حفاظا على مشاعر المشاهدين. وفي ختام العرض اعتذرت عن هذه المشاهد ثم تراجعت لأني لست المسؤول عن هذه المأساة ومن يجب أن يعتذر هو الاحتلال الصهيوني». ويضيف «هذا العمل يوثق مجريات الحرب في غزة أو بعض زواياها لأن توثيق حرب غزة يتطلب عشرات الأعمال الوثائقية وليس عملا يتيما».
حكايا الشتات والصمود
المشاهد الصادمة أثرت كثيرا في الجمهور التونسي الذي كان حاضرا فخلف الأرقام ومشاهد الدمار هناك ألف حكاية وحكاية ومن ذلك قصة الذين شردوا من بيوتهم ونشدوا الأمان في ظل علم الأمم المتحدة عسى أن يحميهم من غدر القصف الصهيوني، لكن هذا العلم الأممي لم يستطع حتى حماية نفسه، فقد قُصفت مدارس تابعة للأمم المتحدة خلال عملية الجرف الصامد.
من بين الحكايات التي يرويها الفيلم أيضا، قصة استشهاد أربعة أطفال من عائلة بكر خرجوا إلى شاطئ البحر ليلعبوا فإذا بالعدو لهم بالمرصاد .. أريقت دماء هؤلاء الأطفال الأبرياء على شاطئ غزة ..كانت رائحة البحر ترافقهم في صعودهم إلى السماء ..أين تنتظرهم مساحات أخرى .. بعد أن أغلقت أمامهم كل نوافذ الحياة وكان الموت في انتظارهم عند آخر الطريق ..وحده البحر كان شاهدا على استشهاد الأبرياء ، في لحظة الغدر الصهيوني الذي لا يعرف حدودا ..
إنها الحرب على الأطفال، لان تدمير فلسطين يبدأ بالقضاء على هذا الجيل الواعد الذي خسر من بقي منه على قيد الحياة عامه الدراسي بعد أن تحولت المدارس إلى ملاجئ للهاربين من القصف والموت. فكم أنت بشع وقذر أيها الموت القادم في حلة الحرب؟.
على مدى 26 دقيقة تنبعث مشاهد مؤلمة من العمل لتوثق 50 يوما من أعنف حرب اسرائيلية على قطاع غزة، وتضمنت هذه المشاهد قصة «أبو العبد» من مخيم الشاطئ الذي اعتاد نصب الأراجيح للأطفال في أيام العيد ليدخل إلى قلوبهم بعضا من البهجة المفقودة، لكن غارات العدو كانت لهم بالمرصاد لتصطاد أرواحهم ومعها آخر بسمة رسمت على شفاههم.
يركز الفيلم أيضا على أوجاع حوالي نصف مليون هجروا من بيوتهم. ففي أحد المشاهد تسرد مواطنة فلسطينية حلمها الوحيد المتمثل في الحصول على خيمة. هنا تختزل كل التراجيديا الفلسطينية، فالقصة هي أكثر من خيمة، هي الوطن السليب وفقدان الأمان والمأوى بعيدا عن يد الصهاينة. تتحدث مواطنة أخرى عن بيتها الذي استغرق بناؤه 20 عاما ليقصفه الاحتلال في 20 ثانية فقط، كما يلقي الضوء على المأساة الإنسانية ومصير آلاف المهجرين وأيضا عن تعطل الفصل الدراسي الذي يهدد ببقاء 600 ألف تلميذ في فلسطين بلا تعليم.
يقول المخرج:» حاولت أن أوصل للعالم حكاية كل شهيد وهي الحكايا التي لا يمكن أن تتطرق إليها وسائل الأعلام ضمن مشروع قمنا بإعداده خلال 20 يوما فقط وبعد عودتي إلى فلسطين أفكر في إضافة قصص أخرى.»
احتفاء بالموسيقى الشعبية الجزائرية
واحتفى الملتقى أيضا بالموسيقى الشعبية الجزائرية من خلال عرض شريط «القوسطو» الوثائقي للمخرجة الشابة صافيناز بوصبيعة بدعم من الوكالة الجزائرية للإشعاع الثقافي التي رعت حفل فرقة الموسيقى الشعبية للموسيقي الجزائري نسيم بور. يقول مدير المهرجان محمد شلوف «ان الموسيقى الشعبية الجزائرية تمثل جزءا من تاريخ ونضال الشعب الجزائري وهي ولدت لدى العاملين في الموانئ الذين شاركوا في معركة تحرير الجزائر من خلال مساعدتهم للافلان (حزب جبهة التحرير) وهي موسيقى نابعة من أعماق الأحياء المهمشة في بلد المليون شهيد» ويضيف: «إن فيلم المخرجة الجزائرية صافيناز بوصبيعة هو تجسيد لذاكرة الجزائر وتاريخها النضالي من خلال استعراض موسيقاها التراثية».
لقد مثل مهرجان هرقلة السينمائي فرصة للقاء روحي بين تونس وعمقها العربي والأفريقي والمتوسطي، حيث شهد البرنامج تكريما للسينما الرواندية بحضور المخرجة الرواندية الشابة كليمونتين دوسابيجمبو، وذلك بمناسبلة مرور 20 عاما على جريمة الإبادة الجماعية التي شهدتها رواندا سنة 1994 في إطار الصراع بين قوميتي الهوتو والتوتسي. كما عُرض للمرة الأولى الشريط السينمائي «مر الكلام» للمخرج التونسي الأسعد الجموسي وذلك بعد مرور عشر سنوات على إنتاجه، وهو فيلم يصور طموح جيل من المناضلين ضد ديكتاتورية بن علي وأعوانه.
كما تعرض الملتقى لموضوع التنوع البيولوجي وأهميته في الحفاظ على كوكب الأرض وتم بالمناسبة تقديم وجبات تونسية خاصة من «الكسكسي» المعد من القمح البيولوجي التونسي المعروف بالشيلي والمحمودي، وذلك بالتعاون مع مؤسسة «الغذاء البطيء» الايطالية، في إطار حملة للتوعية بأهمية الحفاظ على البيئة واللجوء إلى التغذية الصحية التي هي الأساس لحياة نظيفة خالية من الأمراض والشوائب.

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية