بيروت – «القدس العربي»: إجتاز لبنان لغاية الآن الامتحان الصعب ولم ينجرّ الى الفتنة البغيضة لا السنية الشيعية ولا المسيحية المسلمة. وإذا كان جرح 7 ايار الذي تمثّل بإجتياح حزب الله العاصمة بيروت ذات الأغلبية السنية مازال مغلقاً على زغل، فإن الجرح المسيحي المسلم الذي حاول البعض استدراج لبنان اليه من خلال إحراق علم «داعش» وردود الفعل التي حصلت في طرابلس لم يجد البيئة الحاضنة لا في الأشرفية ولا في طرابلس ولا في أي منطقة أخرى، بل جرى تطويق مثل هذه التصرفات وحصرها بالطابع الفردي بحـــيث تبيّن أن لا جهات سياسية منظّــــمة وراءه بل تصرفات غرائزيــــة انفعالية رداً على ذبح «داعش» أحد جنود الجيش اللبناني ومن ثــــم كتابات على جــدران عدد من الكنائس في طرابلس تهدّد بكسر الصليب وبقدوم الدولة الإسلامية.
غير أنه على الرغم من حصر تداعيات هذه التصرفات فإنها عبّرت عن حجم الإصطفاف الطائفي والمذهبي في لبنان وعن المحاولات التي يقف وراءها النظام السوري وحلفاؤه في لبنان لاقامة تحالف الأقليات في الشرق بإعتباره خشبة الخلاص وهو أمر يعارضه مسيحيو 14 آذار الذين التقوا في اطار «لقاء سيدة الجبل» في الأشرفية بمشاركة شخصيات مسلمة تقدمها رئيس كتلة المستقبل فؤاد السنيورة حيث شكِّل البيانُ الختاميّ للقاء محطةً في مسار الأحداث من حيث تحَول «لقاء سيدة الجبل» من لقاء مسيحي الى لقاء عابر للطوائف، وشكّل رداً على الدعوة الى تحالف الأقليات المشرقية، فأعاد تصويبَ البوصلة إذ لا يمكنُ لتحالف الأقليات الا ان يكون نهايةَ الأقليات وهو تحالف يضع المسيحيين في مواجهة عدائية بل في حالة حرب مع الأغلبية المسلمة إضافة الى أن ربط مصير المسيحيين في الشرق بأنظمة أقلوية مستبدّة، تحت شعار تحالف الأقليات، يشوّه طبيعة الوجود المسيحي كشريك للمسلمين في بناء أنظمة مدنية ديمقراطية، ويحوّله إلى شريك في التسلّط الذي يمارسه نظام متهاوٍ لن يطول به المقام، ويُلحق المسيحيين بمشروع هيمنة أقلية لا حظ له في النجاح وقد بدأ بالأفول. وأكد البيان «أن الإرهاب يطال الجميع، الأقليات كما الأكثرية». وقال «صحيح أن المسيحيين والأقليات يتعرضون للإرهاب والتهجير على يد «داعش»، إلا أن معظم ضحايا «داعش» هم من المسلمين «.
وفي إطار تطويق حادث حرق علم «داعش» تمّ التوضيح أن الفتيان الذين أحرقوا العلم لم يستهدفوا الإسلام بل قاموا برد فعل تعبيري ضد تنظيم يدّعي الإسلام الذي هو برّاء منه. وعلى خط مواز، إنعقد لقاء في دار مطرانية طرابلس للروم الاورثوذكس بمشاركة ممثلين عن دار الإفتاء ورؤساء اساقفة المدينة ومحافظ الشمال ووجوه عن المجتمع المدني.
وشدّد المجتمعون على ضرورة الحفاظ على وجه عاصمة الشمال الحضاري في ظل ما يشهده البلد وما وجد من كتابات على جدران بعض الكنائس .وأكد ممثل دار الإفتاء في طرابلس الشيخ محمد إمام أننا «كلنا يد واحدة ضد الإرهاب» الدخيل»في الممارسات والشكل». وتمّ التأكيد من فاعليات المدينة على أن العلاقة بين المسيحيين والمسلمين في طرابلس أرقى وأنبل وأقوى وأمتن من هذه الممارسات الصبيانية، كما أثبتت كل التجارب السابقة، كما أن هذه الممارسات لن تؤثر على صيغة التعايش التاريخية التي تتميز وتنعم بها طرابلس منذ زمن بعيد.
تزامناً، تمّ توجيه رسالة شبه رسمية الى تنظيم «داعش» و «جبهة النصرة « من أنهما إذا كانا يعتــــقدان أنهما بممــــارساتهما يمكن ان يقنــــعا «حزب الله» بالتراجع عن الحرب التي يخـــوضها الى جانب النظام في سوريا، فهما مخطئان، وأن إقدامهما على ذبح عسكريين مخطوفين يشعل الغضب على «داعش» و«النصرة» وقد يتسبّب بردود فعل على اللاجئين السوريين في لبنان وهذا ما حذّر منه وزير الداخلية نهاد المشنوق.