لإعادة مستقبل اليسار في إسرائيل: ليذهب باراك إلى كفر قاسم.. أولاً

حجم الخط
0

هناك شيء ما متناقض في وضع إيهود باراك. هذا صحيح حتى الآن في حملة الانتخابات هذه. من جهة، باراك -بصورة واضحة- المرشح الحاد، القاتل، الحيوي، الذكي والأكثر التزاماً بمعسكر الوسط – يسار الذي يسعى إلى إسقاط حكم نتنياهو. والآخرون أقزام إلى جانبه: بني غانتس شخص محبوب، لكن ليس لديه أي خطة. يئير لبيد ينبح لكنه لا يعض. عمير بيرتس أكل الدهر عليه وشرب وتنقصه الجرأة.

 باراك، لو أنه نجح في وضع نفسه على رأس جبهة يسار موحد، لاستطاع أن يحول الحملة الانتخابية إلى معركة يائسة من أجل حياة الديمقراطية الإسرائيلية. لا لأنه يستطيع أن يجر بنيامين نتنياهو إلى معركة حياته، بل لأنه – وهو الأمر الذي لا يقل أهمية –سيكون قادراً على منح الأمل الجديد لليسار الصهيوني. ربما لم يكن بمقدور باراك أن يجلب مقاعد من اليمين، لكنه بلا شك سيعيد لليسار الصهيوني عدداً كبيراً من المصوتين الذين أخذهم “أزرق أبيض” منه، عندما اعتبر القوة الوحيدة التي تستطيع إسقاط بيبي. ولكن ليس “أزرق أبيض” هو الذي فشل في مهمة إسقاط نتنياهو، بل ظل يحتفظ بالغنيمة. على الأقل 15 – 17 مقعداً من بين الـ 25 مقعداً التي فاز بها كان أخذها من الـ 24 مقعداً للمعسكر الصهيوني في انتخابات 2015. يمكن لباراك إعادتهم إلى البيت.

ولكن باراك يجد صعوبة في الانطلاق. وتفسير هذا التناقض بسيط: باراك نفسه، رغم مؤهلاته المميزة، إلا أنه يحمل على ظهره حملاً ثقيلاً يصعب على الجمهور، الذي هو بحاجة كبيرة إليه، أن يتقبله كزعيم موثوق. مؤهلاته الكبيرة تُرفض؛ لأن كثيرين جداً لن يغفروا له أخطاء الماضي. وهو في نظرهم يعتبر سجاداً أحمر. إذا لا يوجد أي خيار. إذا أراد باراك يريد، في الأيام التي بقيت حتى تقديم القوائم، أن يُقبل في اليسار الإسرائيلي من جديد (حتى تعلق الأمر بالتنافس معاً مع ميرتس). وكزعيم موثوق وموحد، يجب عليه أن يعالج بصورة جماهيرية ماضيه الإشكالي. وإذا كان يريد الحياة كزعيم سياسي، فعليه الندم على أخطائه وطلب العفو من الجمهور الواسع الذي يريد أن يقوده. في خطاب حملته الانتخابية ذكر “إصلاحاً بمعناه اليهودي”. ذكر ذلك لكنه لم يفسر. الآن عليه أن يفسر تجنده لهذه الحملة الانتخابية، التي يبدو الأخيرة في حياته، كخطوة حقيقية وشخصية – عامة، للندم.

الوسط العربي هو الجمهور المتنكر لباراك. أحداث تشرين الأول 2000 التي قتل فيها 12 مواطناً عربياً ومواطناً من غزة، لم تكن لتنسى أو تغتفر. لجنة التحقيق الرسمية (التي شكلها باراك بعد ضغط كبير) برئاسة القاضي ثيودور اور، انتقدت بشدة الحكومة، بما في ذلك باراك نفسه، وضباط الشرطة وزعماء من الجمهور العربي، الذي انتقد بشدة استنتاجات اللجنة. ولم تشف الجروح. في انتخابات 2001 أبدى باراك أسفه، لكن الجمهور العربي لم يقبل ذلك. ففي نظره كان باراك وما زال المسؤول الرئيسي عن أحداث تشرين الأول.

ليس حكم الاعتذار، سواء أحادي الجانب أو إظهاراً الندم، مثل حكم خطوة ثنائية تتمثل في المصالحة والتسليم من خلال طلب العفو. يبدو أن ليس هناك خطوة إنسانية مرغوب فيها وأصيلة وشجاعة وذات قدرات شفاء أكثر من طلب العفو الحقيقي وقبوله. فالطرفان، الطالب والمجيب، شركاء في هذه الخطوة. من ناحية الجانب المتسبب بالضرر، يدور الحديث عن الندم على الخطأ، وتحمل المسؤولية وإظهار الأسف الذي في نهايته طلب العفو. ومن ناحية المتضرر، يدور الحديث عن القبول والاستعداد للصفح والثقة والتعهد بأن لا يتكرر ذلك، والأهم هو الاستعداد للتعاون من جديد. الطرفان يعترفان بإنسانيتهما وقدرتهما على ارتكاب الخطأ والتسبب بالأضرار، وقدرتهما على أن يضعا خلفهما الغضب والعداء.

في هذه الأثناء يفحص إيهود باراك ورؤساء ميرتس إمكانية تشكيل جهاز موحد للانتخابات. الحزبان بحاجة إلى ذلك مثل الهواء للتنفس. لا لأن هذا الجهاز سينقذهما من خطر الفناء، بل إن تشكيل هذا الجهاز سيوفر الفرصة لتشكيل جسم يساري أكبر. الإمكانية الكامنة كبيرة. ولكن الصعوبات كثيرة، والرئيسي أكثر منها هو الشرخ الذي يفصل بين باراك والوسط العربي. يجب على باراك إظهار الزعامة إذا أراد قيادة معسكر اليسار الصهيوني. وعلى أي حال، محظور عليه بأي شكل من الأشكال أن يبدي اعتذاراً آخر أو يظهر الندم. عليه القيام بخطوة طلب العفو، وإلى جانبها خطة ملموسة – جوهرهاً يناقض قانون القومية.

مؤخراً، اقترح المؤرخ يحعام فايس تفسير حملة باراك الانتخابية كمحاولة شخصية للاعتذار والتقويم. لا أعرف ماذا يفكر باراك بهذا التفسير النفسي. ولكن مهم جداً أن يتناول خطأه وأن يتطرق لأخطائه ومستوى إسهامها في تأسيس دولة نتنياهو.

لا يوجد أي موقع إسرائيلي رمزي أكثر، لطلب عفو كهذا، من قرية كفر قاسم. موقع المذبحة الفظيعة التي حدثت في 29 تشرين الأول 1956 التي قتل فيها بدم بارد 47 شخصاً من سكان القرية. لقد أراد القدر واحداً من زعماء ميرتس، الذي ينوي باراك الآن الاندماج معه، هو عضو الكنيست عيساوي فريج ابن القرية.

إيهود باراك وعيساوي فريج يجب أن يكونا عرابي المصالحة التي ستربط باراك وميرتس. لا يمكن تجاهل الماضي، لكن يجب النظر إلى المستقبل، والاتحاد بين باراك وميرتس ضروري من أجل تحقيق هذا المستقبل.

بقلم: أفنر كوهين

هآرتس 23/7/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية