يكاد لا يتذكر كثيرون من أهل لبنان اليوم كيف كانت صورة «حزب الله» قبل أن يصير حزباً مقاتلاً في سوريا الى جانب نظام الأسد. عندما كانت الثورة السورية لا تزال سلمية، لم يكن جمهور الحزب الشيعي في لبنان يكتم نفوره من المحتجين المتظاهرين السوريين، مردداً استياءه منهم، ومتسائلاً عما يريدونه من نظام الأسد الذي «يؤمن لهم التعليم والطبابة مجاناً» إضافة الى السكن والسلع الاستهلاكية الأساسية بأسعار رخيصة، على ما أخذ يردد جمهور الحزب. الأرجح أن، مثالهم في ذلك هو «نظام الإعالة» الذي يتبعه حزبهم في إعالتهم وتكتيلهم جماعة – أمة، نقيضاً للدولة اللبنانية التي يعتبرون أنها تركتهم «محرومين» من خيراتها الوفيرة، فثار على «احتكارها» و»تميزها» إمامهم السيد موسى الصدر، قائلاً لهم في مطلع سبعينيات القرن العشرين إن «السلاح زينة الرجال».
فما الذي يدفع السوريين، إذاً، الى الثورة، ثم الى حمل السلاح، ما دام نظام حافظ وبشار الأسد يعيلهم ويطبّبهم ويسكنهم ويطعمهم بالمجان تقريباً؟! وهكذا لم يجدوا تفسيراً لثورة الثائرين السوريين، سوى أنها «مؤامرة» على سوريا الأسد، «المُمانِعة» والمقاوِمة، مثلهم، لإسرائيل وأمريكا.
بعدما توغل «حزب الله» بعيداً وعميقاً في الحرب السورية، وشارك بقوة في معارك القصير والقلمون، محرراً المدن والقرى الجبلية من الثائرين المسلحين ومن أهلها هناك، أخذ يردد بعض الصحافيين من بطانة الحزب قائلاً ما معناه: لا يحسبنّ أحدٌ أن ما حرّره الحزب من سوريا سوف يتخلى عنه، كأنه في قوله هذا يستعيد ما قاله ستالين في الحرب العالمية الثانية: «ما حرّره الجيش الأحمر سيبقى أحمر». وهذا تقريباً ما كتبه شبان من جمهور «حزب الله» على لافتات علّقوها في شوارع أحياء بيروتية مختلطة سكانياً: «رجال الله في يبرود»، بعدما حرّر مقاتلو الحزب مدينة يبرود السورية من مقاتليها وأهلها السوريين.
وُلد «حزب الله» من رحم الحروب الأهلية الإقليمية في لبنان، ما بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان صيف 1982، وسرعان ما صار «حزب المقاومة» للاحتلال الصهيوني.
وفي العام 2000 تحقق تحرير جنوب لبنان من ذلك الاحتلال، فأذهل التحريرُ الجماعات اللبنانية وشعوباً عربية كثيرة. هذا بعدما كانت الجماعات اللبنانية من غير جمهور «حزب الله» قد أجّلت اعتراضها على سلاحه وتفرّده في المقاومة. فأشادت تلك الجماعات بـ»المقاومة المقدسة» وسلاحها وغنتهما. بعض المشيدين المغنين فعل ذلك عن مكر وخداع، آخرون فعلوا عن خوف، وجماعات أخرى فعلت عن عداء لإسرائيل، مزمن وخائف أو مقموع، وعن حنين مقيم لمقاومتها، وعطش مستفحل للانتصار عليها. لكن هذه الجماعات كلها كانت تعلم أن المقاومة وحزبها صنيعا حلف سوريا الأسد وإيران الخمينية، وحصان طروادة لذلك الحلف في لبنان، فلم تصرخ معلنة ما تعلَمَه وسكتت عنه طويلا، إلا بعد اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط/فبراير 2005. رد «حزب الله» على ذلك الصراخ بحرب «وعده الصادق» على إسرائيل في صيف 2006، ليخرج من تلك الحرب بما قال إنه «نصره الإلهي» على الدولة العبرية، وضمناً على الحشود اللبنانية في ساحات 14 آذار 2005. لكن «حزب النصرين» هذين لم يكتف بهما، فقام مع أتباعه بحملة عسكرية تأديبية على بيروت وأهلها وبعض مناطق جبل لبنان الدرزية، في 7 أيار/مايو 2008. مذذاك ومن قبل، أخذ «حزب الله» يردد ويسلك وفقاً لشعار: «لا صوت يعلو في لبنان فوق صوت سلاحي»، «سلاح المقاومة والتحرير».
«حزب الله» اليوم تنظيم من المنظمات العسكرية والأهلية المنتشرة، المتقاتلة والمدمرة، في طول المشرق العربي وعرضه. لكنه يختلف عنها في أنه الذراع الإيرانية المباشرة، الأقدم والأقوى، والمنغرسة عميقا وحتى الجذور، في المجتمع الأهلي الشيعي في لبنان، حيث يشيّع الحزب منذ سنتين تقريباً شهداءه القتلى في الحرب السورية. صور بشار الأسد حاضرة في مواكب التشييع في القرى الشيعية وفي ضاحية بيروت الجنوبية، ومعها صور آية الله الخامنئي والسيد حسن نصرالله.
من يتابع اليوم أخبار الحملة الحوثية على صنعاء وصورها التلفزيونية، يجد شبهاً ما بينها وبين حملات «حزب الله» وعراضاته الجماهيرية والعسكرية في لبنان منذ العام 2005. وفي الانتخابات العراقية الأخيرة نصب الحزب صور نوري المالكي على طريق مطار بيروت. وقبل ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» في سوريا والعراق، كان الحزب، إعلامُه وجمهورُه، يبث الرعب الاحتفالي من التكفيريين وبالتكفيريين في سوريا الغارقة بالدم، وفي ولبنان الممزقة إرباً دولته وجماعاته.
جماعات لبنان غير الشيعية، لا تمتلك منظمات عسكرية، وتعيش حالاً من الإضطراب والتفكك والخوف المدني. الجماعات السنية محتقنة، ولا ينطوي احتقانها إلا على إقامتها في الانتظار والحيرة والقلق. المسيحيون صار لبنان في وعيهم مكاناً يعيشون فيه في مناطقهم، بعدما كانوا يعتبرونه كياناً سياسياً وطنياً لهم فيه موقع الصدارة، ولصيقة هويته التاريخية بهويتهم. الجيش اللبناني لا تختلف حاله عن حال جماعات لبنان التي لا تمتلك منظمات عسكرية خاصة بها. مؤسسات الدولة والحكم على هذه الحال أيضاً. القوة الشيعية الأهلية والعسكرية المقاتلة، تحاول السيطرة على التاريخ والهوية والرموز وما تبقى من رميم الدولة اللبنانية، والصاقها أو الحاقها بهوتها وقوتها الخاصتين.
لبنان اليوم على حافة الهوة المشرقية في سوريا والعراق واليمن. فيه، إضافة الى جماعاته الممزقة، ما يزيد عن المليون ونصف المليون من اللاجئين السوريين الذين شارك «حزب الله» في تهجيرهم وتشتيتهم في المعمعة اللبنانية، حيث يعيش الناس حياتهم يوماً بيوم، في انتظار المجهول المخيف. وحده «حزب الله» وجمهوره لا يعلنان، حتى الساعة، عن خوفهما من ذلك المجهول الآتي!
محمد أبي سمرا