بيروت – «القدس العربي»: كل المعطيات في لبنان تؤشر الى أن اللبنانيين على مفترق خطير بين أحد خيارين: إما التمسك بنعمة الأمن الشرعي من خلال الجيش وقوى الأمن الداخلي وتسليمهما زمام الأمن والدفاع في الداخل وإما العودة الى نقمة الأمن الذاتي وما يعنيه من عودة الى زمن الميليشيات المسلحة والقفز فوق الدولة.
فلم يعد خافياً على أحد أنه بعد التطورات التي حصلت في الموصل في العراق وما أسفر عنه من تهجير للمسيحيين وللايزيديين بفعل انسحاب الجيش العراقي تولّد شعور بالخوف في عدد من المناطق اللبنانية ولدى بعض الطوائف اللبنانية من تكرار السيناريو في لبنان في حال حصول هجوم مماثل لتنظيم «داعش» وخصوصاً مع تزايد الدعوات لاقامة إمارة إسلامية في البقاع ووصلها بعكار. وقد يكون حزب الله عزّز هذه المخاوف وعرض على بعض الأطراف تزويدها بالسلاح لإقامة أمنها الذاتي، وسُمع أحد نواب حزب الله في جلسة خاصة مع عدد من المطارنة يقول إن الحزب مستعد للدفاع عن المسيحيين إذا تعرّضوا لأي خطر، معتبراً أن الذين وجّهوا انتقادات الى الحزب بسبب ذهابه للقتال في سوريا ضد التكفيريين باتوا مقتنعين اليوم بصوابية هذا الخيار.
وفي استعراض لواقع الطوائف في لبنان حالياً يمكن استخلاص ما يلي: 1- الطائفة الشيعية تُعتبر من أكثر الطوائف تسلحاً سواء حزب الله أو حركة أمل اللذين استفادا من دعم النظام السوري ومن السلاح الايراني. ويحظى حزب الله بترسانة صاروخية وبأسلحة نوعية ورشاشات ثقيلة وقاذفات آر بي جي تحت شعار مقاومة الاحتلال الاسرائيلي قبل أن تتغيّر بوصلة هذا السلاح بعد التحرير في العام 2000 الى الداخل اللبناني لتقلب التوازنات السياسية وتبدّل موازين القوى تحت وهج السلاح.
2- الطائفة السنية باتت تملك بدورها السلاح على مستوى مجموعات معينة في طرابلس وعكار والبقاع الأوسط والطريق الجديدة وصيدا وعرسال. لكن هذا السلاح يبقى غير منظّم ومن دون تغطية سياسية ولاسيما من قبل التيار الأبرز في الطائفة السنية تيار المستقبل الذي تصرّ قيادته على أنه تيار مدني.وقد لجأت بعض المجموعات السنية ولاسيما السلفية منها ومن بينها الشيخ أحمد الأسير الى التسلح رداً على ممارسات حزب الله ورداً على استفزازات جلفاء النظام السوري في جبل محسن.
3- الطائفة الدرزية تملك سلاحاً فردياً على مستوى أحزابها الثلاثة في عدد من القرى والبلدات وهي الحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة النائب وليد جنبلاط والحزب الديمقراطي اللبناني برئاسة النائب طلال ارسلان وحزب التوحيد برئاسة الوزير السابق وئام وهاب، والحزبان الأخيران حليفان لحزب الله. ولكن الدروز على اختلاف انتماءاتهم السياسية يتميّزون بالحكمة وبالوحدة ونبذ الانقسامات في مواجهة الأخطار ولاسيما أن شعور القلق يساورهم بشكل دائم بسبب وضعهم الديموغرافي كأقلية مهددة بالإنقراض على حد تعبير النائب جنبلاط.
4- الطائفة المسيحية كانت تملك سلاحاً نوعياً قبل قرار حل الميليشيات في العام 1990 وكانت القوات اللبنانية التي خرجت من رحم الكتائب الذراع العسكري للمسيحيين وقد خاضت حروباً عديدة أبرزها في مواجهة الجيش السوري في الأشرفية وزحلة والشمال والجبل. غير أن حرب الالغاء التي كان من نتيجتها الاصطدام بالجيش اللبناني بقيادة العماد ميشال عون أفقد المسيحيين قوتهم وتسبب بدخول القوات السورية الى مناطقهم ولاسيما الى قصر بعبدا وتسليم السلاح الثقيل والمتوسط الى الدولة. ويملك عناصر سابقون من القوات اللبنانية سلاحاً فردياً في بعض القرى والبلدات وكذلك أنصار رئيس تيار المردة سليمان فرنجية في زغرتا فيما تسلّمت مجموعات من التيار الوطني الحر الذي يرأسه العماد ميشال عون أسلحة فردية من قبل حزب الله.
وفي ضوء هذا الواقع ، فإن الميزان العسكري للطوائف في لبنان يميل بقوة لمصلحة الشيعة ولاسيما في الجنوب والقاع والضاحية الجنوبية ومعظم بيروت، يليهم السنّة الذين يتمتعون بعمق استراتيجي في طرابلس وعكار وبحضور ملحوظ في البقاع الأوسط والطريق الجديدة وإقليم الخروب وصيدا التي يحيط بها مخيم عين الحلوة. أما الدروز فحضورهم في جبل لبنان بدءاً من الشويفات امتداداً الى عاليه والشوف وصولاً الى حاصبيا وراشيا، فيما المسيحيون يتركّز ثقلهم في أقضية جبل لبنان الشمالي بدءاً من بعبدا والأشرفية وعين الرمانة وصولاً الى المتن وكسروان والبترون وبشري وزغرتا حيث عمقهم الاستراتيجي والديموغرافي. وبات الحضور المسيحي خجولاً في الجنوب والأطراف كرأس بعلبك والبقاع والقبيات في وقت تحافظ زحلة على بعض عناصر القوة.
أما الحديث عن الأمن الذاتي حالياً فهو تحديداً يتناول الحراسات الليلية التي تتم في غالب الأحيان في القرى المسيحية بالتنسيق مع القوى الأمنية ولاسيما في القرى الحدودية كرأس بعلبك والقاع في البقاع الشمالي المحاذي للحدود السورية والقبيات في عكار وزحلة. كذلك فإن الدروز رفعوا مستوى جهوزيتهم تحسباً لأسوأ الإحتمالات وخصوصاً في قرى حاصبيا وعين عطا المحاذية للحدود السورية وجبل الشيخ. فيما القرى والبلدات الشيعية في البقاع مثل اللبوة والهرمل وشمسطار فتتمتع بحضور شعبي معزز بسلاح حزب الله وبأعداد كبيرة من المقاتلين.
سعد الياس