أنطاكيا – «القدس العربي»: تنامت التوترات الشعبية في الأسابيع الأخيرة ضد السوريين، بحسب سوريين تحدثت إليهم «القدس العربي» في ولاية غازي عنتاب، بعد عدة حملات عنصرية، إحداها في جنوب البلاد، عقب تصوير أتراك لبعض السوريين داخل حديقة عامة في غازي عنتاب، حيث تلا تلك الصور بأيام قرار من البلدية، ينص على تغريم أي شخص يشرب «النرجيلة» في ساحة عامة، بمبلغ مالي قدره 280 ليرة تركية مع مصادرة «النرجيلة» (في حال كانت في ساحة عامة فقط)، والذي شكل بدوره شرارة (حملة شعواء) طالت السوريين في الولايات التركية وسط تحريض من قبل فئات من الأتراك على السوريين بعبارات ساخرة أحياناً، ومسيئة أحياناً أخرى، ليتلو ذلك قرارات أخرى تتعلق بمنع السوريين من دخول الشواطئ التركية في بعض الولايات تحت عبارة (من لم يدافعوا عن بلادهم لا يستحقون دخول شواطئنا).
وبعدها بأيام، ظهر الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ليعلن عن سلسلة قرارات جديدة تتعلق بوجود السوريين في تركيا، وكان أولها إلزام السوريين بدفع الضريبة على القطاع الصحي والمستشفيات، وإبعاد من لا يحملون رخصة عمل أو أذونات سفر وإقامة في إسطنبول ولتبدأ بعدها حملة الترحيلات .
سوريون مكبلو الأيدي إلى سوريا
موضوع الترحيل لم يكن بحد ذاته الموضوع الأبرز الذي استثار الناشطين السوريين ودفعهم لكشف ما يجري، بل الطريقة المهينة التي تعامل بها الأمن التركي مع بعض اللاجئين السوريين، حيث أظهر شريط مصور عشرات اللاجئين ممن تم ترحيلهم داخل حافلة أمنية وهم (مكبلو الأيدي) بواسطة قيد بلاستيكي شديد الصلابة (حزامة)، في مشهد يعيد للأذهان عمليات الاعتقال التي كانت تشنها قوات النظام السوري.
فيما أظهر شريط مصور، التقطته عدسة أحد المحلات في إسطنبول، قيام أحد عناصر الشرطة باعتقال السوريين عشوائياً، ومن ثم اقتيادهم إلى مديريات الأمن وإجبارهم على توقيع استمارة العودة الطوعية، وهي الوسيلة الوحيدة التي تمكن السلطات من ترحيل السوريين، ومن دونها لا يمكن ترحيل أي شخص، حيث يتم إجبار السوري على التوقيع أو البصم عليها مقابل إطلاق سراحه من السجن، ولكن إلى أين… إطلاق سراحه إلى الأراضي السورية.
شهادات بعض أهالي المرحّلين
وتقول عائلة الشاب سامر بودقة، 20 عاماً، وهو أحد الشبان السوريين الذين تم ترحيلهم إلى سوريا خلال الحملة الأمنية في إسطنبول، لـ «القدس العربي»، إن سامر تم ترحيله خلال ذهابه للسوبرماركت المجاور للمبنى الذي لا يبعد عنه أكثر من 200 متر فقط في منطقة إسنيورت بولاية إسطنبول، حيث في أثناء خروجه صادف دورية أمنية طالبته بابراز وثيقة إقامة (الكملك) فأخبرهم بأن الكملك في المنزل وأنه عادة لا يحمل (جزدان) خلال توجهه للسوق لقربه منه، فقام أحد عناصر البوليس التركي باعتقاله، ورغم كل محاولاته إقناعهم التأني ريثما يقوم شقيقه بجلب الوثيقة خلال بضع دقائق، رفض الأخيرون ذلك وأجبروا سامر على دخول الحافلة (مكبل الأيدي) وتم نقله بداية إلى مركز للأمنيات على مقربة من إسطنبول، ثم واصلت الحافلة مسيرها باتجاه ولاية هاتاي الحدودية بعد مصادرة الهواتف النقالة لمنعهم من التواصل مع أي أحد.
تضيف عائلة سامر: «في هاتاي جرى إجبار سامر على البصم والتوقيع على أوراق العودة الطوعية، وبالتالي أصبحت عملية ترحيله شرعية لدى السلطات ويستطيعون إبراز وثائق رسمية لدى المنظمات الدولية في حال جرت مساءلتهم تثبت أن عمليات الترحيل تمت بطلب من السوريين أنفسهم بموجب الاستمارة».
فيما تحدث الشاب «جلال الإسماعيل»، وهو أحد الشبان المرحلين إلى إدلب مؤخراً، لـ «القدس العربي»، عن حجم الإهانات والإذلال التي تعرضوا لها خلال طريقهم من ولاية إسطنبول إلى هاتاي، قائلاً: «تم تكبيلنا بالحزامات وتوجيه شتائم لنا من قبل عناصر البوليس التركي، وتخلل تلك الشتائم ضرب على رؤوسنا ووجوهنا، كان هناك نمط ليس بغريب على السوريين، تم نقلنا إلى أمنيات تسمى (نارليجا) قرب أنطاكيا، وهي مركز الهجرة والترحيل إلى سوريا، هناك كان موظفون متشددون، تمت معاملتنا وكأننا إرهابيون، تعرضت لخلع في المفصل أثناء محاولة تبصيمي على (السستم) وتوقيع استمارة العودة الطوعية، جميعنا وقع على الاستمارة وتحت التهديد وانتهى الأمر، وجرى حجزنا في منطقة تشبه (الخرابة) تابعة لمديرية هجرة نارليجا، إلا أننا اكتشفنا أنها تستخدم لوضع الحواجز الحديدية التي تستخدمها الشرطة في المظاهرات عادة».
لا ماء ولا طعام وشتائم نابية
ووفقاً للإسماعيل فإنه، وطوال الطريق «كنا نصرخ أننا نريد الماء، وبعد مضي نحو سبع ساعات من خروجنا من إسطنبول توقف الباص ودخل علينا عنصران من الشرطة يحملان الهراوات ليبدأ مسلسل شتائم بالتركية بكلمات نابية وتعني بالعربية (أبناء العاهرة ماذا تريدون؟) ثم جرى ضرب بعضنا بالهراوات ومن ثم جلبوا لكل اثنين منا قارورة مياه بلاستيكية (نصف لتر) وبالكاد استطعنا تبليل أفواهنا التي جفت منذ خروجنا من إسطنبول، أما الطعام فكان غير متاح وليس بممكن. بعد وصولنا إلى أمنيات هاتاي وإجبارنا على التوقيع على استمارات العودة الطوعية، جاءت حافلة أخرى غير التي أتت بنا، وجرى نقلنا إلى معبر باب الهوى التركي، ومنه إلى باب الهوى السوري، حيث انتهت دروس تعذيبنا وإذلالنا هناك، وننتظر الآن طريقة للعودة مرة أخرى».
العمل (خلسة)… سوريون ملاحقون فقط لأنهم يعملون..
حملة الملاحقات لم تقتصر على من لا يحمل وثيقة الإقامة فحسب، بل تعدت لملاحقات أخرى طالت العمال السوريين في المعامل والورشات التركية، لاسيما في إسطنبول الآسيوية، حيث أظهر شريط مصور اختباء عمال سوريين في أحد معامل إسطنبول بعد دخول البوليس التركي إلى المعمل بحثاً عن أي سوري لا يحمل وثيقة إقامة أو ليس لديه تصريح بالبقاء في إسطنبول.
فيما لم تكن مدينة أنطاكيا أوفر حظاً من غيرها، حيث غصت المنطقة الصناعية بدوريات (المالية) بحثاً عن عمال سوريين يعملون دون تصاريح عمل، وهو ما جعل غالبية أرباب العمل يخبئون عمالهم خوفاً من تغريمهم أو إجبارهم على دفع ضرائب وتأمينات شهرية لهم.
عامل سوري: طالبت رب عملي بإذن عمل فطردني
يقول محمد قصاب، وهو أحد السوريين في ولاية أنطاكيا التركية، لـ «القدس العربي»، إنه طالب رب عمله الأسبوع الماضي باستخراج إذن عمل له من أجل أن يكون عمله شرعياً لديه، إلا أن رب العمل غضب عند سماعه هذا الطلب وبدأ مسلسل الصراخ عليه، واصفاً إياه بـ (الطماع)، وأن رسوم التأمين المفروضة على تسجيله شهرياً تبلغ 560 ليرة تركية ستدفع إضافة لراتبه، وعندما أخبره أن الشرطة تلاحق السوريين الذين يعملون دون تصاريح عمل، قال له (إذاً، إذهب واختبئ في منزلك ولا تعد أبداً).
ورغم إصدار الهلال الأحمر جداول تتضمن أماكن استخراج أذونات عمل مجاناً للسوريين، إلا أن ذلك يتطلب وجود أوراق يجب أن يستخرجها رب العمل للعامل السوري ولا يتم استخراج إذن العمل دونها، وهي (كشف عن المالية) وورقة التأمين الصحي، وبالتالي لم يستفد السوريون من هذا العرض الذي قدمه الهلال الأحمر التركي لهم.
والجدير بالذكر أن والي إسطنبول أعلن أمس عن إصداره قراراً ينص على وقف ملاحقة السوريين وإمهالهم حتى 20 آب/أغسطس المقبل لتسوية أوضاعهم، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى رصد استمرار الحملة وإن بوتيرة أقل، وقد أظهر شريط مصور تم التقاطه بعد قرار الوالي بساعات، سيارة للبوليس التركي في حي إسنيورت تعتقل بعض السوريين، لكن لم يتم التأكد إن كان هذا في إطار الحملة الخاصة بالسوريين أم أنها ضمن إجراءات أمنية روتينية .