«بدل أن نمتلك التراث ونحمله معنا وفينا إلى عالمنا حتى يظل متجدّدا، أصبح التراث هو الذي يمتلكنا ويشدّنا إلى عالمه المنقضي ويحكم علينا بأن نظل كائنات تراثية»
كان حقل تأويل النص الديني حكراً لفئة معينة وجاءت عملية استنباط الأحكام التي تُعتبرُ قوام المنظومة الفقهية مطبوعة بمؤثرات أنساق ثقافية، بعضها يعودُ إلى ما قبل لحظة انطلاق الرسالة الإسلامية، ناهيك من دور السلطة الحاكمة في تحديد اتجاهات التأويل، كما أنَّ صوت المرأة ظل غائباً في هذا المضمار، وقد يكون ذلك أحد الأسباب الرئيسة وراء إخفاقات الخطاب التنويري، وسيادة العقلية السكونية، وأخيراً أدركت أسماء نسائية بارزة ضرورة الحضور في هذا المجال والمُشاركة بالجهود التأويلية في قراءة النص المؤسس على ضوء المناهج والمفاهيم المعرفية الجديدة وفي هذا الإطار صدر مؤخراً كتاب «الوأد الجديد» بطبعة مشتركة من مسيكلياني والرافدين، للباحثة التونسية زهية جويرو، حيثُ تُقدمُ قراءة جديدة لمفهوم القوامة ومسألة الفرائض، موضحة أنَّ أسلم طريق يسمح للنساء بأن يدركن حقهنَّ في العدالة والمساواة، هو داخل النصوص التأسيسية. وكان لـ»القدس العربي» حوار مع جويرو حول مضامين إصدارها الجديد ورؤيتها لمؤسسة الإفتاء وآلية التأويل والعلاقة مع التراث
■ ما قدمته في كتابك «الوأد الجديد» عبارة عن عملية تفكيكية لبعض الأحكام التي هي وليدة لمرحلة تاريخية معينة، ولكن تخرق أزمنة الحداثة هل تعتقدين أنَّ المشكلة الأساسية في المعطي الديني هي الاكتفاء بالشروح بدون الاهتمام بجوهر النص؟
□ منذ لحظة اكتمال الرسالة انتقل المسلمون إلى ما يعرف بالوضع التأويلي، بمعنى أنهم شرعوا يبحثون في النص – قرآنا أولا ثم قرآنا وحديثا بعد فترة-عن المعاني التي يحتاجون إليها، سواء في تجربتهم الإيمانية أو في إدارة حياتهم ووجودهم الاجتماعي، وبمرور الزمن وبفعل عوامل أخرى مركّبة، نسي كثيرون، أو تناسوا، أنّ هذا الكم الهائل من التراث التأويلي المتراكم عبر العصور، والمتشكل خاصّة في التفسير وفي الفقه، إنما هو إنتاج بشري وتاريخي، معنى ذلك أنه موسوم بالضرورة بالنسبية، ومن ثمة بقابلية التغيّر وحتى الاضمحلال باضمحلال العوامل التي أوجدته والظروف التي اقتضته. وبدل ذلك حصل التباس بين النص وما تشكّل حوله من دوائر تأويلية فقُدِّس هذا الإنتاج البشري واعتبر صالحا لكل زمان ومكان، ومعنى ذلك أنه عومل بما يفترض أنه مخصوص بالنص الإلهي وحده من جهة، وأنه أريد له أن يستمرّ وأن يظلّ المرجع الوحيد في إدارة حياة المسلم ووجوده الاجتماعي، بينما الله سبحانه وتعالى اكتفى في وحيه بأن دلّ المسلم بواسطة عدد من العلامات المجملة والقابلة لتعدد التأويلات والاجتهادات إلى الطريق التي إذا سلكها وصل إلى ما يطلب من فوز في الدنيا وخلاص في الآخرة، وهذا هو مدلول قوله تعالى «ولكلّ جعلنا شرعة ومنهاجا»، جوهر النص إذن هو هذه العلامات أو المعالم العامة من قيم وأخلاقيات ومعان كبرى، تسمح للعقل البشري بأن يستنبط منها ما يتلاءم مع ظروفه المتسمة ضرورة بالتغير والتحول والنسبية.
المشكلة بالنسبة إلينا اليوم أننا بدل أن نمتلك التراث ونحمله معنا وفينا إلى عالمنا، حتى يظل متجدّدا، أصبح التراث هو الذي يمتلكنا ويشدّنا إلى عالمه المنقضي ويحكم علينا بأن نظل كائنات تراثية.
أحد أهمّ وجوه الأزمة التي يعيشها المسلمون إلى اليوم أنهم أهملوا النص وتغافلوا عنه، بل استبدلوه بما قاله هذا أو ذاك من أعلام المذاهب الفقهية وأعيان المفسرين، بل الأدهى بما قاله مقلّدون من درجات دنيا، غالبا لم يكونوا يتمتّعون بمستوى من المعرفة يؤهلهم ليضيفوا أي شيء لما قاله غيرهم، واعتقد المسلمون أنهم بما أخذوا يستطيعون أن يدخلوا عالما تتغير أوضاعه بنسق ما كان ليخطر على بال أولئك الأعلام والمقلدين، وتتطور معارفه تطورا مذهلا قطع صلتها بالمعارف القديمة، فإذا هم كمحارب يرفع بكل اعتداد وعنجهية سيفا في وجه قنبلة نووية وهو يعتقد أنه قادر على الانتصار!
■ جانب آخر من المشكلة حسبما أشرتِ إليه هو التمزق بين الإدراك لحقائق الواقع الجديد وما يفرضه على المرء، والانتماء إلى الموروث الديني، أليس هذا ما وسم خطاب الحداثة العربية منذ انطلاقتها بحيثُ أصبح أزمةً مزمنةً؟
□ أحد أهم مشاكل الفكر العربي المعاصر أنه لم يقدر بعد على تصفية حسابه بشكل علمي مع التراث، خاصة التراث الديني، لم يدرك أن التراث ليس معطى مفصولا عنا انفصالا يتيح لنا أن «نأخذ» أو أن «نصفّيَ» أو أن «ننتقي» أو أن «نرد» أو أن «نقطع»، التراث موجود فينا، مكوّن بنيوي من مكونات شخصيتنا الثقافية، منظور يوجه رؤيتنا إلى العالم وإلى الوجود وإلى ذواتنا والآخرين، ويكون هذا المكون عنصر انسجام وتوازن وثراء، طالما أنه لم يتحول إلى عائق يمنع المكونات المستجدّة والمكتسبة من أداء دورها في تشكيل شخصيتنا ومنظوراتنا، وفي إكسابنا القدرة على التجدد ومجاراة نسق التطور الذي هو قانون الوجود، أو «سنّة الله في الكون» كما يقال. المشكلة بالنسبة إلينا اليوم أننا بدل أن نمتلك التراث ونحمله معنا وفينا إلى عالمنا، حتى يظل متجدّدا، أصبح التراث هو الذي يمتلكنا ويشدّنا إلى عالمه المنقضي ويحكم علينا بأن نظل كائنات تراثية.
■ مقاربتك للنص المؤسس وبالأخص في ما تستمدُ منه الأحكام مسوغاتها تعتمدُ على إيجاد الرابط بين سياق الواقع ومستوى التأويل أولاً والتواصل بين أجزاء النص، ثانياً هل يمكن اعتبار هذه القراءة التكاملية بديلاً للقراءة الانتقائية؟
□ من الصعب أن أختزل في مثل هذا المقام منهجية مقاربة النص الديني التي أرى أنها يمكن أن تمثل اليوم بديلا تتيحه لنا معارفنا الحديثة لمناهج سادت سابقا، وأتاحتها لأصحابها معارف عصورهم، ولكن أقول هي مقاربة مفتوحة على كل ما تتيحه المفاهيم المنهجية، والأدوات الإجرائية التي أتاحتها المعارف الحديثة، والتي أثبتت فعاليتها في قراءة النصوص الدينية، وأنتجت فهما متجدّدا لها، مقاربة تأخذ بعين الاعتبار على سبيل المثال ألا وجود لخطاب قابل للفصل عن سياقاته النصية وغير النصية، وأن الخطاب وحدات متراكبة تبدأ بالمعجم وتنتهي بالبنية العامة وأنه لا يبوح بما يمكن استخلاصه من دلالاته إلا عبر إدراك العلاقات الظاهرة والخفية بين كل تلك الوحدات والبنى، وهذه القاعدة تبين لنا على سبيل المثال أن الاقتصار على آية واحدة أو حتى على جزء منها أحيانا- وهو النهج الذي سار عليه المفسرون والفقهاء في تعاملهم مع القرآن الكريم – لا يمكن أن يكون ضامنا للاهتداء إلى المقصد الإلهي، وأن الأضمن هو تفسير الآية في علاقاتها المركبة مع كل سياقاتها النصية – السورة، القرآن كاملا، ولم لا غير القرآن من نصوص الوحي الإلهي – وسياقاتها غير النصية التي قد نجد لها دليلا في زمن النزول أو في سببه أو في الأخبار، مع المنطوق ومع الضمني من مكونات الخطاب، وبهذا المنهج قرأت، على سبيل المثال، موضوع المواريث وتوزيع الأموال في القرآن.
■ تعتبرين مؤسسة الإفتاء والقائمين عليها من الفُقَهاءِ عاملاً وراء وجود انقسام المُجتمع بين صاحب المعرفة الدينية والعامة، فالفئة الأولى تستأثر بحق البت في المسائل الخلافية، ما المشكلة في وجود السلم التراتبي في مجال معرفة الشؤون الدينية؟
من بين الإشكاليات التي على المسلمين اليوم أن يكونوا على وعي بها وعلى المختصين أن يخضعوها للدرس إشكالية ضبط الحدود المفهومية والإجرائية، بين ما هو من الدين والديني.
□ فكرتي في هذا الشأن وردت في سياق النظر في عوامل نشأة المؤسسة الإفتائية وتتلخص هذه الفكرة، في أن نظرية التكليف الإسلامية هي أحد عوامل مأسسة الفتيا، فهذه النظرية قسمت المسلمين إلى «عالم» مكلّف بمعرفة الأحكام، وبتعريف العامّة بها، و»عامّيّ» مكلّف بالعمل بمقتضى تلك الأحكام، وهو تقسيم يبرّره في عصر النشأة ذاك – بداية من القرن الثاني- عامل موضوعي هو نخبوية المعرفة وانحسار العلم في فئة محدودة ممن ينقطعون إلى طلبه، أما في العصر الحديث ومع التغيرات الهيكلية التي سمحت بتعميم التعليم فالمفترض أن تضمحلّ هذه المؤسسة بعد أن أصبحت المعرفة متاحة للجميع، وبعد أن أصبح بإمكان المسلم أن يبحث بنفسه عن أجوبة لأسئلته بالعودة مباشرة إلى مصادر دينه، فضلا عن عوامل أخرى عديدة كان يفترض نظريا كذلك أن تؤدّي إلى هذا الاضمحلال، من بينها أن الدولة اليوم وبواسطة مؤسساتها التشريعية وأطرها التقنينية يفترض أن تكون قد انفردت بسلطة التشريع، وحلّت بذلك محلّ المفتي، ومنها أيضا أن المعارف اليوم تخصصت واستقلّ أحدها عن الآخر فلم يعد من المعقول أن يُسأل المفتي مثلا في مسائل تعود إلى اختصاص الطبيب، لكن هذا يحصل لأسباب عديدة لا يسمح لي المجال بالتوسع فيها.
■ يُفهمُ من الإشارات الواردة في أقسام «الوأد الجديد» أن الأعراف والتقاليد المُتراكمة هي مكمنُ الأزمة والعنوان، يوحي بذلك أيضاً الأ تفرضُ هذه الحالةُ الجمعَ بين نقد العقل الفقهي ونقد النسق الثقافي في السياق نفسه؟
□ من بين الإشكاليات التي على المسلمين اليوم أن يكونوا على وعي بها وعلى المختصين أن يخضعوها للدرس إشكالية ضبط الحدود المفهومية والإجرائية، بين ما هو من الدين والديني، وما هو من العادات والتقاليد ذات الأصول الدنيوية، التي قد تلتبس بالديني، بين ما هو من القيم العامة التي يمكن أن تكون ذات مرجعية دينية إنسانية، وما هو من الأعراف الاجتماعية المحلية والمخصوصة كما هو الشأن مع مفهوم الشرف مثلا، ذلك أن مثل هذا التمييز يسمح لنا بأن نفصل مرة أخرى بين ما هو إلهي يستحق التبجيل أو التقديس، وما هو ليس كذلك ولا مبرّر من ثمة لتبجيله أو للتمسك به.
■ برأيك هل تساهمُ اشتغالات المرأة في حقل نقد الفكر الديني في بلورة أفق تأويلي فعال للنص المؤسس، وبالتالي يمكن الحديث عن صيغة المؤنث للتأويل بناء على محاولات عدد من الأسماء مثل ألفة يوسف، آمال القرامي، ناجية الوريمي إلى جانب ما تقومين به؟
□ اعتمادا على اطلاع أزعم أنه واسع على ما تنشره النساء من أعمال في هذا التخصص، سواء باللغة العربية أو بلغات أخرى كالإنكليزية – يبدو ما ينشر بها أكثر كميا على الأقل مما ينشر بالعربية – أعتبر أن الجهد التأويلي الجديد الذي تنجزه النساء في أفق قضايا على صلة بالنساء أو قضايا اجتماعية عامة ومعرفية وغيرها، وبمناظير متنوعة سواء أكانت نسوية أو لم تكن كذلك، يشكّل إضافة نوعية لما يمكن أن أسميه تيارا تنويريّا، يساهم في تركيز أسسه وقواعده المنهجية وبلورة أدواته ونشر تصوراته ورؤاه نساء ورجال على السواء، كل من موقعه وكلّ في مجال اختصاصه.