في مدينة الدار البيضاء الشهيرة، أقيمت أعمال الدورة 31 من المهرجان الدولي للمسرح الجامعي، تحت شعار «المسرح والتغيير»، في الفترة من 2 إلى 7 يوليو/تموز. المسرحيات المقبلة من جميع أنحاء العالم جاءت لتعكس هذه المشاركة الواسعة والمتنوعة انفتاح المغرب وجامعته على جميع التجارب وعلى كل الثقافات والتغيرات والتحديات التي يعرفها العالم الحديث. ومن خلال المهرجان تم تكريم أربعة أسماء مسرحية بارزة في الساحة المغربية، الممثلة زهيرة صديق، المخرج بوسرحان الزيتوني، المسرحي رشيد فكاك والمسرحي والإعلامي إدريس الإدريسي. كما شهدت المنافسة من أجل الجوائز مشاركة مغربية وصلت إلى ستة عروض مسرحية من كليات وجامعات الدار البيضاء وفاس إلى جانب سبعة أعمال أجنبية.
ضيف الشرف
كانت فرنسا ضيف شرف هذه السنة، إلا أنها لم تساهم إلا في افتتاح الدورة بمسرحية «جريمة أم حادثة»، مسرحية ذات أسلوب كلاسيكي في بنائها الدرامي وفي تركيبتها الفنية، تتناول حادثة موت وإحراق كاتدرائية فيزيلاي في القرن الثاني عشر. عمل تم إنجازه قبل وقوع حادثة احتراق كنيسة نوتردام، ما منحه أهمية خاصة على الساحة المسرحية الفرنسية. العمل الفرنسي الثاني «الاجتياح» لم يكتب له أن يقدم في المهرجان لأن مخرجه لاجئ إيراني في فرنسا، وصل إلى مطار الدارالبيضاء ومكث فيه ثلاثة أيام بدون أن يمنح تأشيرة الالتحاق بمجموعته في فندق الدارالبيضاء، رغم كل الجهود التي بذلتها رئاسة المهرجان.

الجسد وتجلياته
حصل المخرج رضى التسولي على جائزة أفضل إخراج عن عمله «تيرا» من جامعة فاس. عمل يدخل في خانة المسرح التدريبي الحديث، الذي يجمع بين التوفيق بين حركة الجسد وتحولات الصور، كمجال فني حيوي. فمن خلال لغة الجسد بما في ذلك من رقص تعبيري ونصوص كلاسيكية مثل الكوميديا الإلهية لدانتي، يقدم العمل مسألة تصادم الدوافع والغرائز الإنسانية مع مستقبلها، الذي تحيطه طبقة سميكة من المجهول. في الوقت الذي ذهب فيه رضى التسولي إلى مساءلة المستقبل بقيت المشاركة الصينية وفية لأسلوبها الجمالي، الذي يعتمد بالدرجة الأولى على الطاقة البشرية كبديل عن الأدوات التقنية، التي تدفع المتلقي إلى المشاركة في التصورات والإيحاءات، من خلال مسرحية «أسطورة الأفعى البيضاء» أسطورة الحب والطبيعة البشرية، قصة صينية قديمة تتحدث عن الأفعى البيضاء، التي تتحول بعد قرون من الرياضة الروحية والتأمل والتناسخ إلى سيدة شابة جميلة تقع في حب الشاب شيو شيان، لكن بعد اكتشاف حقيقتها الحيوانية يسجنها ولعدة سنوات الرهبان في معبد ليفنغ باغودا، لم تعد السيدة الأفعى البيضاء بعد إطلاق سراحها قادرة على التعرف على زوجها الذي أصبح عجوزا، فتبدا قصة حب جديدة مع شاب آخر. لقد استطاعت المخرجة كسيو يين أن تحول بمجموعتها الشابة، فضاء ركح استديو الفنون الحية الفارغ تماما، إلى عالم خرافي تتحرك فيه أجسام بشرية في ملابسها الحريرية البيضاء كأنها قناديل البحر السابحة في فضاء يم ليلكي. هذه الخاصية الفنية التعبيرية المعتمدة على الطاقة البشرية الجماعية ومنحها الصدارة في الفعل المسرحي، هي سمة المشاركة الآسيوية الصينية والكورية الجنوبية على حد سواء، وهو ما ميزها عن غيرها من الأعمال المشاركة. فرغم التوافق الفني الذي وحد التجربتين، إلا أن التجربة الكورية الجنوبية اختلفت عن الصينية اختلافا كليا في ما يتعلق بالمضمون. فمسرحية «تذكر»، التي أخرجتها المخرجة هاكيونك تحمل رسالة تذكر بماضي حرب مأساوي عاشت ويلاته كوريا الجنوبية، قصص نساء وطفلات اختطفن أثناء الحرب العالمية الثانية من طرف القوات اليابانية المستعمرة، ثم اغتصبن، مات بعضهن بسبب العنف، وبعد نهاية الحرب أطلق على هؤلاء النسوة اسم «نساء المتعة» وحتى اليوم لا تزال عشرات الآلاف منهن في عداد المفقودات. كل هذه المآسي الدرامية، التي ثم التعبيرعنها بواسطة الحركة والصوت وإيحاء الجسد، لم يتم عرضها بتلك الصورة القاتمة السوداء، بل كانت تعكس الفرح والأمل والتشبت بالحياة، أداتها الغناء الرقص الطفولي البريء والتعلق بالبقاء. فالعرض كان صرخة بصوت نسائي عالمي واحد: نتمنى ألا يتكرر ما حدث مرة أخرى.
بعيدا عن كل هواجس المستقبل يأتي العمل الكرواتي Cloudy وهو مزيج يجمع بين تفنيات مسرح خيال الظل ومسرح العرائس. يحكي قصة عناصرها الحب، الفرح، الصداقة، العزلة، الشعور بالوحدة، مسرحية أحداثها سطح وأعماق البحر.
نهاية الإنسان
على عكس العرضين الآسيويين، المعتمدين فنيا على أداء الطاقة البشرية يقدم المخرجون الألمان الشباب الثلاثة رين وايت، البا شامهارت وسلينا كلوكنا عملا مسرحيا يزخر بعوالم تقنية والات تتحكم في مسار وفكر الإنسان اسمه In Fluence عمل يحمل تنبؤات مستقبلية حول عزلة الذات داخل منظومة المجتمع الإنساني الحديث. ففي هذا العمل نبوءة بنهاية وظيفة الإنسان، الذي سيصبح وجوده ثانويا وجسده مجرد جسر تسيطرعليه وتحركه آلات ذكية. فالشاشات التلفزيونية، الكاميرات، المتحكمات عن بعد والمساعدات إلكترونية تصبح هي الأدوار الرئيسية، وتحل محل الشخوص التي من خلالها تنبعث صور تتقزم، تكبر، تتشوه وتتداخل في ما بينها توجه تحركات الممثلة الواحدة وأحد المخرجين الثلاثة سيلنا كلوكنا كأداة تحمل كاميرات فوق رأسها وساعدها، مجسدة ضياع الإنسان في متاهات المستقبل وسيطرة الآلة على فكر الإنسان.
درس جمالي
بعيدا عن كل هواجس المستقبل يأتي العمل الكرواتي Cloudy وهو مزيج يجمع بين تفنيات مسرح خيال الظل ومسرح العرائس. يحكي قصة عناصرها الحب، الفرح، الصداقة، العزلة، الشعور بالوحدة، مسرحية أحداثها سطح وأعماق البحر. «كلودي» يحمل متعة لا يحصرها زمان أو مكان أو سن محدد فهو لكل الأعمار. فبساطة الطرح وبساطة اللغة الفنية تمنحه جاذبية مؤثرة من بداية العرض حتى آخره. كل هذا يتم تقديمة بتقنيات غاية في البساطة. إيزار بلاستيكي أزرق أدوات ورقية ودمية من قماش وأضواء مصابيح يدوية، كلها تتحرك بدقة متناهية وحب وتجاوب متبادل بين الممثلين والجمهور. العمل الكرواتي ليس عرضا مسرحيا وحسب، بل هو درس مسرحي عميق الدلالة، يعلمنا بشكل واضح لا التباس فيه، أن العمل الجيد ليس من الضروري أن يكون ضخما، بل قد يتم خلقه بابسط الأدوات.
السيناريو الأفريقي
ومن الأعمال الافريقية المقدمة في هذه الدورة، عرض «السيناريو» من ساحل العاج للمخرجة بير موري كوديا. كاتب سيناريو يبدأ بكتابة سيناريو تحت الطلب، غير أن إلهامه ينضب فيخلد إلى النوم. في المنام يأتيه منتحل شخصية تقني يحل مشكلته الإبداعية والتقنية. عمل سيناريو هو أقرب إلى السكيتش منه إلى العمل المسرحي. طاولة عليها حاسوب وهاتف وكل الحركة هي عبارة عن وقوف وجلوس ونوم وتثاؤب صورة ثابثة رتيبة لا تنتمي إلى أي اتجاه مسرحي منحته لجنة التحكيم جائزة أفضل ممثل.
«الوهم» والجائزة الكبرى
في ختام أعمال المهرجان أسدل ستار الدورة العمل الإيطالي «الوهم» للمخرج فابيو أومودي، الذي فاز بجائزة المهرجان الكبرى. إنه سرد أحداث قصة حب وموت وكفاح من أجل البقاء. رجل وامرأة يقومان برحلة استجمام على متن قارب في بحيرة. ينقلب القارب فيغرق ويدخلهما في عالم خيالي سيريالي، حيث تضيع من الرجل حبيبته لتتحول إلى تسع نساء مستنسخات في الصورة والهيئة نفسها، يعدن المشهد نفسه بالرقص والغناء من أجل تذكر الحادثة بتفاصيلها. مسرحية هي مزيج من المسرح الاستعراضي الراقص وتقنية خيال الظل والضوء.