صناعة البطل بين البطولات الحقيقية والوهمية

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابي

فتاتان امريكيتان عاشتا تجربتين مختلفتين وجسدتا وجهين للازمة الاخلاقية العميقة التي تعاني منها المؤسسة الامريكية الحديثة. احدي هاتين الفتاتين بطلة حقيقية وفقا لمقاييس البطولة والفداء والتضحية من اجل المبدأ، جسدت بنهايتها المأساوية الفصل الاخير من هذه البطولة، ورفض ساسة بلادها الاعتراف ببطولتها.

والاخري حاول الساسة الامريكيون تلبيسها ثياب البطولة، ولكنها رفضتها وكذبتهم، وسجلت بذلك جانبا بطوليا يندر حدوثه. فما معني البطولة؟ وكيف تتجسد علي ارض الواقع؟ وهل هي هدف يعمل الافراد لتحقيقه، كشهادة الدكتوراه مثلا؟ ام انها تجسيد لمواقف ومبادئ أسمي قد تتحقق او لا تتحقق ولكن السعي لتحقيقها يدفع الافراد لأدوار يتفق الذوق العام علي اعتبارها ضربا من البطولة؟ الشعوب تبحث عن ابطال عادة من اجل تقديم مثل عليا للاجيال لتحتذي بها. فالبطولة تعني، في ما تعنيه، حالة حركية في المجتمعات تهدف للتطوير ومحاربة الشر وصناعة المستقبل. والامم الحرة تعترف لأبطالها بادوارهم وتخلد ذكراهم، بأساليب متعددة. وبرغم اهمية الاوسمة التي تمنح للافراد الا ان البطولة تتجاوز تلك الاوسمة، وتتصل بمدي تغلغل التجربة الفردية في الوجدان الشعبي. وما التماثيل التي تحفل بها الساحات والميادين العامة في العواصم الا تعبير عن محاولات اهلها ابراز من تعتقد باستحقاقهم للتخليد، سواء كانوا أبطالا ام عظماء بمساهماتهم العلمية او الفكرية او السياسية. وكثيرا ما تعود الشعوب لتاريخها تستلهم منه روح الاقدام والعطاء من خلال ما قدمه اسلافها في مجال البناء الذاتي ومكافحة الظلم والتخلف والجهل. ويشمخ العمالقة من بين سطور ذلك التاريخ، مهما كانت محاولات التعتيم والاقصاء. واذا كان عالمنا العربي والاسلامي مغرما بالابطال الذين خصص لهم ملاحم شعرية وقصصية خلال العصور، فان الغرب يبحث ايضا عن بطولات تستنهض همم مواطنيه. وثمة فرق كبير بين البطولات التي يسجلها الافراد عندما يهبون لنصرة الجانب المظلوم، ومن يمارس الحرب كوظيفة خصوصا عندما يكون في الجانب المعتدي. ومن العمليات البطولية التي سجلت في الذاكرة العربية ما قام به المواطن السوري، المسيحي، جول جمال خلال العدوان الثلاثي علي مصر في 1956. فقد ملأ زورقه بالمتفجرات وساقه مسرعا نحو المدمرة الفرنسية جان بار التي كانت تقترب من بور سعيد، وفجر نفسه مع الزورق بقلب المدمرة. كان ذلك عملا بطوليا متميزا بقي محل اعتزاز في الذاكرة العربية حتي الآن. في الاسبوع الماضي شهد الكونغرس الامريكي فورة من الغضب عندما ادلي مواطنان بشهادتيهما واتهما المؤسسة العسكرية بـ نشر الاكاذيب واستغلال قصتيهما في اطر من البطولة لشعب يبحث عن مصاديق لها. اول الشاهدين كان كيفين تيلمان، شقيق نجم الكرة، بات تيلمان، الذي قتل قبل ثلاثة اعوام في افغانستان، خطأ برصاص الجيش الامريكي. وبدلا من الاعتراف بالخطأ، عمد الجنرالات للكذب وادعوا انه قتل بينما كان يطارد مقاتلي طالبان. وقال الشقيق ان المؤسسة العسكرية مارست الكذب حول وفاة بات الذي ترك كرة القدم والتحق بالجيش في افغانستان، لمنع حدوث كارثة في مجال العلاقات العامة في فترة كانت القوات الامريكية تعاني من انتكاسات عسكرية. الشاهد الثاني، جيسيكا لينتش، كانت لا تقل غضبا وهي تقدم شهادتها، مستنكرة محاولات المؤسسة العسكرية اضفاء صفات البطولة حولها. فقد اخذت اسيرة من قبل مقاتلين عراقيين في 2003 وتم انقاذها بعد تسعة ايام. ولم تكن عندما وقعت في الأسر تطلق الرصاص علي المقاتلين، بل كانت جالسة في سيارة نقل عسكرية، وتم أسرها بدون مقاومة. وعبرت لينتش عن استغرابها من محاولة اضفاء صفة البطولة عليها ووصفها رامبو الفتاة الصغيرة التي ظلت تطلق الرصاص حتي آخر طلقة قبل أسرها بعد نفاذ الذخيرة: وقالت في شهادتها امام لجنة اصلاح ادارة الكونغرس: انه غير صحيح، وما زلت اجهل لماذا اختاروا ان يكذبوا ويحاولوا تحويلي الي اسطورة. كان عمرها 19 عاما عندما اصيب الرتل الذي كانت فيه بقذيفة من نوع (آر بي جي) بالقرب من مدينة الناصرية، ادت الي قتل احد عشر آخرين. وتحدثت في شهادتها عن توجه الصحافيين الي منزل عائلتها بحثا عن تفصيلات العملية البطولية مؤكدة ان الشعب الامريكي قادر علي تحديد ابطاله وانه لا يحتاج لأكاذيب ملفقة. السلطات العسكرية وجهت العتاب الي الاعلام وانه هو المسؤول عن المبالغة في وصف بطولة الفتاة. وقد يكون في ذلك شيء من الواقعية. فوسائل الاعلام التي تعتمد اساليب الاثارة مستعدة لدفع اموال طائلة لنشر بعض القصص الشخصية لجذب القراء. وهنا يمكن الاشارة الي ما حدث في بريطانيا خلال ازمة البحارة والمارينز الذين احتجزتهم ايران 12 يوما في بداية هذا الشهر. فبعد ان سمح وزير الدفاع لهم ببيع قصصهم لوسائل الاعلام، حصلت المرأة الوحيدة بينهم، في تيرنر، علي عقد تجاوزت قيمته 200 الف دولار لكتابة قصتها لصحيفة ديلي ميل. وحظيت تيرنر بشهرة غير متوقعة كونها المرأة الوحيدة بينهم، فبرزت كوجه متميز للأزمة التي انتهت بسلام. وسعت وسائل الاعلام البريطانية لاضفاء صفة البطولة عليها وعلي بقية المجموعة، ولكن المسألة تحولت لاحقا الي سجال سياسي محدود، ثم توارت تماما عن الانظار. وحتي هذه اللحظة ما تزال القصة غامضة لأسباب غير معروفة، ربما تعود الي ما يتردد لاحقا من ان المجموعة كانت فعلا في المياه الاقليمية الايرانية، برغم النفي الاولي من السلطات العسكرية البريطانية. ان من المؤكد ان ايا من افراد المجموعة لم يقم بدور بطولي، ومع ذلك حظيت قصصهم باهتمام اجهزة الاعلام التي كانت مستعدة لدفع مبالغ طائلة لنشرها. وهذا يؤكد وجود حالة من النهم الشعبي للبطولات الفردية التي قلما تحدث خصوصا عندما تهيمن حالة من اللغط والتشوش الفكري والاخلاقي والسياسي علي الوضع العسكري. فحرب العراق تحولت الي مستنقع يستنزف الطاقات ويتعب من يشارك فيه من اي من الاطراف، وبالتالي فليس هناك مجال لصنع البطولات. والامر هنا يختلف عن حرب الفوكلاند قبل 25 عاما، التي حظيت بقبول شعبي عام. تلك الحرب أبرزت السيدة مارغريت ثاتشر، رئيسة الوزراء آنذاك، قائدة قوية بدون منازع، بسبب سياستها التي لم تساوم فيها مع الارجنتين، والتي ادت في النهاية لاستعادة السيطرة البريطانية علي جزر الفوكلاند. اما حرب العراق، فقد ادت الي عكس ذلك تماما، واجبرت توني بلير علي قرار التنازل عن المنصب بعد تكثف الضغوط عليه لأسباب عديدة من بينها توريط بريطانيا في مستنقع الحرب العراقية. ومن الضروري الاشارة الي ان صناعة الابطال لا تنفك عن القناعات الفكرية والسياسية للمؤسسة الحاكمة، والمؤسسة هنا لا تعني الحكومة فحسب، بل تشمل البرلمان ووسائل الاعلام ايضا. فالاعلام الامريكي ساهم في صناعة الابطال الوهميين لأسباب ايديولوجية ونفسية. هذا الاعلام هو نفسه الذي قرر تجاهل بطولات حقيقية اخري لأسباب سياسية وايديولوجية. وهنا تبرز قضية الفتاة الامريكية ريتشيل كوري التي استقبلت بصدرها آلة التدمير الاسرائيلية دفاعا عن الفلسطينيين. ذلك موقف قلما يحدث. فها هي الفتاة البالغة من العمر 24 عاما تلملم متاعها وتشد الرحال الي قطاع غزة ضمن وفد من حركة التضامن العالمية لتصنع موقفا تاريخيا ضد سياسات الاستيطان الصهيونية. لقد اتخذت قرارها بوعي عندما وقفت في 16 آذار (مارس) 2003 معترضة طريق جرافة اسرائيلية من نوع كاتربيللر دي 9 وهي تشق طريقها لهدم منزل الصيدلاني الفلسطيني، سمير نصر الله في حي السلام. في تلك اللحظة فقد سائق الجرافة ما تبقي من انسانيته ووجه الجرافة لتسحق الفتاة بدون رحمة. توفيت ريتشيل كوري علي الفور برغم محاولة بعض زملائها تقديم الاسعافات الاولية لها. وسواء اتفق الانسان مع موقفها ام اختلف، فان احدا لا يمكن ان يعترض علي انه كان موقفا بطوليا متميزا. هذه البطولة لم تحظ باهتمام رسمي او اعلامي، لسبب واحد، وهو انه جري علي ارض فلسطين، وان القاتل هنا ينتمي لجهة مدعومة بشكل كامل من حكام امريكا. والامر نفسه ينطبق علي الشاب البريطاني، توم هاندال البالغ من العمر 22 عاما، الذي استهدفه الاسرائيليون بعد اقل من اربعة اسابيع علي قتل ريتشيل كوري، برصاصة في رأسه ادخلته في غيبوبة استمرت تسعة شهور حتي وفاته في 13 كانون الثاني (يناير) 2004. وقبل عام واحد أصدرت هيئة محلفين بمحكمة بريطانية حكما بان الشاب قتل بطريقة غير مشروعة علي ايدي الاسرائيليين. كان الشاب يأخذ بايدي الاطفال الفلسطينيين بعيدا عن القناصة الاسرائيليين عندما اصيب بطلقة في رأسه. ولم يحظ هذا الشاب باهتمام اعلامي لدوره البطولي المتميز. وقد كان ينتمي للمجموعة نفسها التي انتمت لها ريتشيل كوري. ويضاف الي قائمة القتلي علي ايدي القوات الاسرائيلية من غير الفلسطينيين، المخرج التلفزيوني، جيمس ميللور، الذي قتل في الثاني من ايار (مايو) 2003. كان الرجل البالغ من العمر 34 عاما يقوم بتصوير فيلم توثيقي في مدينة رفح، تم بثه لاحقا تحت اسم حادثة قتل في غزة. ولم يحظ هو الآخر ياهتمام اعلامي او سياسي للاسباب نفسها. من خلال سياق حوادث القتل التي استهدفت المتعاطفين مع القضايا العربية والاسلامية، يتضح ان صنع البطولات امر ضروري لتحريك الهمم في اوساط المقاتلين لتشجيعهم علي البلاء الحسن والتضحية من اجل الهدف العام. والملاحظ ايضا ان روح القتال تتعمق وتزداد اتقادا عندما تعم روح الشجاعة والاستبسال والاقدام، وعندما يتحول القتال من كونه مهنة يمارسها الجنود الموظفون لدي الدولة الي قناعة ذاتية بعدالة القضية. وقد سعي الساسة الامريكيون والبريطانيون لاضفاء الصفة الشرعية علي الحرب الاخيرة ضد العراق، وحاولوا مناقشتها في البداية في اطار السجال التقليدي حول مفهوم الحرب العادلة، ولكنهم لم يفلحوا في ذلك. وفي الاسبوع الماضي قال أسقف كانتربري: لو ان توني بلير صلي مع جورج بوش قبل الحرب، فلربما حصل علي اجابات مختلفة حول قرار الحرب. كان واضحا ان قرار الحرب لم يحظ بدعم ديني من الكنيسة التي اعتبرتها حربا غير عادلة.

تلك التصريحات كشفت عن مشكلة نفسية يعاني منها السياسيون، تدفعهم للذهاب بعيدا في اختلاق الاساطير غير الواقعية. ويبدو ان عمق تورطهم في البعد العسكري ربما أقنعهم بان المبالغة في اداء بعض الاشخاص، واضفاء سمة البطولة علي تصرفاتهم سوف تخفف عليهم وعلي ذويهم أثر المعاناة التي يواجهونها. غير ان انسانية البعض تمنعه من استمراء الكذب وتلفيق الحقائق، فذلك هو اقصر الطرق الي الكارثة. انه كالتخدير الذي ينسي الجسد متاعبه وآلامه فترة قصيرة، وما ان ينتهي حتي تظهر الحقيقة في شكل آلام مبرحة نتيجة الجراحة وتداعي صحة الجسد. ان المؤسستين السياسية والعسكرية في الولايات المتحدة وبريطانيا، تسعيان لصنع بطولات وهمية بهدف رفع معنويات الجنود الذين يتساقط العديد منهم يوميا في اتون حرب طاحنة لا تبدو لها نهاية في الافق، ومع ذلك فهم متهمون بالاحتلال والتعذيب والنهب والقتل العشوائي. فما جدوي تلك الحرب اذن. لماذا تجاهل البطولات الحقيقية التي يقدمها الاشخاص ذوو المبادئ الرفيعة، واصطناع بطولات وهمية لا وجود لها في الواقع ولا يستمزجها من تنسب اليهم؟ ألم يحن الوقت لاستعادة التوازن والاشادة بالبطولات الحقيقية والترفع عن الكذب والتزوير والتضليل؟ 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية