الاشهار والثقافة.. الفياغرا النسوية أنموذجا سيميائيا

قد يبدو الإعلان عن عقار الفياغرا ذا أفق علاجي وكشفا عن مواجهة واحدة من أخطر تحديات الذكورة. فهذا الإعلان سيتحوّل إلى نوع من السسيولوجيا الفاضحة، حيث التورية عن مرض اجتماعي أكثر منه مرضا بيولوجياً، مثلما هي الاستعارة عن مقاربة واقع ثقافي عربي لا يؤمن بخطاب الاعتراف، ويضع الذكورة وكأنها صنوٌ للسلطة، أو للمقدس..
تنوع وتوسع الإعلانات عن الفياغرا أفقدها سحرها القديم، وصار الطلب على هذه السلعة/ الدواء جزءا من لعبة الذكورة ذاتها، في التعبير عن هدف الإعلان بوصفه نسقا تواصليا ودلاليا، وعن طبيعة مستهلكيه بوصفهم يعانون سرا أو علنا من عطب الخطاب الذكوري، وعن الواقع الثقافي بوصفه مجالا له أنساقه المُضمرة أيديولوجيا ودينيا واجتماعيا، وأنّ الإعلان عن عقار تأهيلي يدخل في سياق توسيع مديات خطاب الذكورة، والمناورة بها لدوافع سياسية وتجارية وحتى دينية، بوصف أن الجنس بمفهومه الفقهي يحتاج إلى قوة وفحولة لتطبيق فرضية المتعة، أو لطبيعة ما تستدعيه غواية الزيجات، التي فرضتها بعض الجماعات الدينية، كزواج المسيار وزواج المتعة والمؤقت، وغيرها من الأسماء التي تختصر الرغبة أو تؤدلجها، وحتى لبعض العلاقات السرية التي نجد سردياتها الواسعة والفاضحة في الأدب الروائي والأدب السيري..
قبل وقت قريب قامت إحدى الشركات المصرية بالدعوة لمؤتمر صحافي تُعلن فيه عن إنتاجها لعقار يعالج البرود الجنسي، وتحت يافطة التبشير بوجود إمكانية دوائية تجارية لإنتاج (الفياغرا النسائية) عربيا. المؤتمر لم يُعقد طبعا، والعقار تحوّل كما يبدو إلى تجارة سرية، والسبب ـ كما يبدو- كان بسبب الخشية من المواقف الرسمية والفقهية، التي تنظر إلى هذا الإعلان بأنه ترويج للفاحشة، و(تسويق تجاري مضلل) ومخادع، وموضوع فاقد للشرعية، لأنه سيعني تعريةً لوهمٍ روّجت له (الأيديولوجيا الذكورية) بأن النساء متوقدات دائما وجاهزات لرجال الفياغرا، وأن هذا العقار الذي كان موضوعا أثيرا لكثير من السرديات السحرية والتجارية، هو عقار خاص بمعالجة العنّة الرجالية، ولا علاقة له بصناعة سلطة للرجل، ولا بسيطرته الجنسانية الكاملة، لأنّ مهمة (الفياغرا) العلاجية تكمن في تحفيز الانتصاب، وهي قضية بيولوجية بحتة، لها علاقة بتوسيع الاوعية الدموية فقط، ولا يوجد أيّ ربط ما بينه وبين حديث الثورة الجنسية، ولا حتى بزيادة جرعات الذكورة، ولا بثقافوية الرغبة وغيرها من سرديات السرير.

الخطاب الإشهاري للدواء تحوّل إلى خطاب اجتماعي، وإلى إثارة ارتجاعية للمخيال الذي تركه العقار، ما يعني البحث عن تموضعات لفرضية تداوله، بدءا من صياغة (نسق بصري) له، عبر شيفرة اللون، وعبر صياغة خريطة دوائية مثيرة تدفع المستهلك لشرائه.

المخيال والفياغرا

عقار الفياغرا بنسخته الذكورية، وبلونها النمطي الأزرق، أو بنسخته الأنثوية المفترضة يتحولات داخل الخطاب الإعلاني إلى موضوع إشهاري قابل للاستهلاك، والتداول، رغم أنه في الجوهر تعبيرٌ عن وجود أزمة مرضية أو نفسية أو اجتماعية، إن كانت ضعفا جنسيا عند الرجل، أو برودا جنسيا عند المرأة، لكن الأخطر في هذا الموضوع هو (التضليل التسويقي) الذي سيرافق الإعلان، والذي سيتحوّل إلى مادة دسمة للصحف وللبرامج الإخبارية، ولوسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما حاولت من خلاله الشركة المصرية (صاحبة الإعلان) الإثارة، أو الدعوة للبحث عن عناوين دكاكينها السرية، أو لمعرفة الطرق الخاصة للحصول على هذا العقار السحري، الذي اهتم به الرجال أكثر من النساء، بحثا عن آليات فاعلة لتحسين الأداء الجنسي، ولتحويل (الخدعة التسويقية) إلى مجال عمومي تنتعش فيه أهداف تجارية وسياسية واجتماعية.
الحديث عن (الفياغرا) لم يعد حديثا في الفارموكولوجي، ولا حتى حديثا بالتواصل الدوائي، بل صار خطابا له علاقة استيهامية مع مشكلة اجتماعية، ومع سلعة تتعلق بالسيطرة على فقدان الشغف الجنسي، حتى صار الإشهار والإعلان عن هذا العقار، وعن مساحته هو تحفيز باتجاه نوايا تتجاوز كونها تخصّ التجارة الدوائية، إلى مقاربة لمشكلة نسقية لم تعد قرينة بأزمة الذكورة وضعفها، بل إنّ دخولها عالم (الحريم) يعني فضحا للمسكوت عنه، وتجاوزا على التاريخ التوصيفي لهذا العقار، ولتغيير طبيعته العلاجية، وحتى للونه، الذي سيكون ورديا كما تقول رواية الإعلان.
الخطاب الإشهاري للدواء تحوّل إلى خطاب اجتماعي، وإلى إثارة ارتجاعية للمخيال الذي تركه العقار، ما يعني البحث عن تموضعات لفرضية تداوله، بدءا من صياغة (نسق بصري) له، عبر شيفرة اللون، وعبر صياغة خريطة دوائية مثيرة تدفع المستهلك لشرائه، وعبر توظيف وسائط اجتماعية وإعلامية وصيدلانية ذات أبعاد تحفيزية لتضخيم دخوله (الثوري) في سياق التداول، وفي الدينامية التي تُعززها الصورة – ذاكرة اللون الأزرق في المخيال العلاجي- التي ستعززها اللغة في وظيفتها الانفعالية. النسق الأيقوني لأفلام البورنو- مثلا- يقترن بما هو نمطي في إيجاد أجواء للإثارة، وللتعبير عن الأفكار المكبوتة التي تتعلق بتحسين الأداء الجنسي، لكن الحدث العلموي لعقار سحري ومثير مثل (الفياغرا) يصطنع له نسقا آخر، وبيئة أخرى، وعبر وسائل يقرّها العلم، بوصف أن الشركة المنتجة معروفة، وأنّ الاسمَ العلمي للعقار(فليبانورين) مشتقٌ من المادة الدوائية الفعّالة (فليبانسرين) التي حصلت على موافقة هيئة الغذاء والدواء الأمريكية لمعالجة بعض حالات الضعف الجنسي عند النساء.
هذه الصبغة العلموية أعطت للإشهار دافعية كبيرة، وأهدافا تخدم التسويق، فرغم عدم عقد المؤتمر الصحافي للإعلان عن العقار، إلّا أنّ موضوعه (غير المُعلن) هو ما اكتسب الإثارة، وهو ما حفّز على إثارة انتباه المستهلك العربي الباحث عن (علاج تاريخي) لوقائعه الجنسية، عبر توسيع مفعولاتها وإثاراتها، وحتى عاداتها التي ترفض الترويج – علنا- لسلع تخص جسد المرأة، أو تدخل إلى لعبة فضح ما يجري في (الحرملك) من أعطاب تتجاوز حدود احتكار الدلالة.
عدم الإعلان عن العقار ترك المجال مفتوحا للتخيّل، ولتحليل ما يفترضه من خطاب، له مُنتجه/ مرسله، وله وسيلته اللسانية، أو الإيحائية، وله أيضا موضوعه/ مضمونه العلاجي، وأخيرا له مُستقبِله/ مُستهلكه، والذي لم يربطه بموضوع جندري، بل بموضوع اجتماعي ونفسي تختصره وظيفة الجنس الذي تتجاوز بها المرأة برودها، وتُرضي غرور الذكورة الباحثة عن أوهام تتعلق باستيهامات الأنموذج الحكواتي اللاواعي عن المرأة الباذخة والمثيرة، وحتى الأنموذج (البورنوي) الجامح والمنحط، والذي تحولت صورته الإشهارية إلى علامة مرضية تحتاج هي الأخرى إلى مقاربات تدخل في مجال العلاج النفسي والاجتماعي…

٭ كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية