دمشق- «القدس العربي»: علّقت هيئة التفاوض السورية مشاركتها في المباحثات السياسية المقبلة مع الجانب الروسي وإيقاف العملية السياسية بناء على فشل التوصل إلى حل سياسي يحيّد منطقة إدلب التي تؤوي أكثر من ثلاثة ونصف مليون مدني الهجمات العسكرية المتواصلة.
وأعلن رئيس هيئة التفاوض السوري، نصر الحريري، أمس، في تغريدة له عبر موقع «تويتر»، إيقاف العملية السياسية وكل أشكال التواصل مع الروس «طالما بقي التصعيد العسكري مستمراً، مع استمرار عدم جديتهم في الحل السياسي»، معرباً عن أمله بأن يتخذ وفد الفصائل إلى مباحثات أستانا، المتوقع انعقادها في مطلع شهر آب القادم، الموقف ذاته.
وقال عبر حسابه إن «العملية السياسية متوقفة، وأوقفنا كذلك كل أشكال التواصل مع الروس طالما ظل التصعيد العسكري مستمراً، واستمرار عدم جديتهم بالحل السياسي، وأعتقد أن مشاركة وفد الفصائل في أستانا ينبغي أن يكون في الاتجاه نفسه».
ويبدو تعليق العملية السياسية أحد مخرجات اجتماع هيئة التفاوض السورية، الذي عقد قبل نحو أربعة أيام في مقر الهيئة بالرياض، بعدما أوضحت مصادر مسؤولة لـ«القدس العربي» أن هدف الاجتماع «بحث التطورات السياسية والميدانية»، وذلك في ظل اقتراب الأمم المتحدة من إعلان تشكيل اللجنة الدستورية، المكلفة بكتابة دستور جديد للبلاد.
توسع دائرة القصف
وتزامن الحراك السياسي السوري مع توسيع سلاح الجو الروسي والسوري دائرة القصف، حيث طالت العمليات أطراف مدينة إدلب التي تعتبر من المناطق الآمنة نسبياً.
الدفاع المدني السوري أحصى أكثر من 20 قتيلاً خلال الأربع وعشرين ساعة الفائتة، في إحصائية غير نهائية، وأكثر من 70 جريحاً، جراء القصف والغارات المستمرة على ريف إدلب.
وقال المرصد السوري لحقوق الانسان إن عدد الضربات الصاروخية والمدفعية ارتفع إلى أكثر من 90 ضربة، ما بين صواريخ وبراميل متفجرة، 33 غارة منها شنتها طائرات حربية روسية على كل من تل ملح والجبين ولطمين وكفرزيتا واللطامنة ومحيطها بريفي حماة الشمالي والشمالي الغربي، وأطراف إدلب الغربية ومحيط التح معرة النعمان وأطرافها وكفروما وخان شيخون ومحيطها في ريف إدلب الجنوبي، ومحور كبانة في جبل الأكراد. و30 غارة نفذتها طائرات النظام الحربية صباح أمس الخميس مستهدفة مناطق في الأتارب وأورم والفوج 46 وريف المهندسين بريف حلب الغربي، والايكاردا والبوابية ومحيط البرقوم والكماري ومزارع النخيل بريف حلب الجنوبي، وبلدة مورك شمال حماة، بالإضافة إلى أطراف مدينة إدلب ومحيط باتنتة وكفرجالس غرب إدلب، إضافة إلى 28 عدد البراميل المتفجرة التي ألقتها الطائرات المروحية.
وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان عن مقتل 12 مدنياً على الأقل بينهم ثلاثة أطفال، الخميس، جراء الغارات، ومقتل سبعة مدنيين بينهم طفلة، معظمهم في معرة النعمان وريفها في ريف إدلب الجنوبي، جراء غارات روسية. كما قتل خمسة آخرون بغارات وقصف لقوات النظام على مدينة الأتارب غرب مدينة حلب، وقرية البوابية جنوبها، بحسب المرصد. وأصيب 25 مدنياً آخرين بجروح بينهم أطفال، وإصابات عدد منهم خطرة، وفق المرصد.
وحسب مصادر ميدانية لشبكة «بلدي نيوز» المحلية، فإنّ القصف الجوي تزامن مع تحليق لطائرات التجسس والاستطلاع في أجواء مدينة إدلب ومناطق أخرى من ريفيها الجنوبي والشرقي، ما دفع بالمراصد وفرق الدفاع المدني لتشغيل صافرات الإنذار، وتوجيه رسائل للحد من التجمعات وفض الأسواق، خشية وقوع مجزرة جديدة كالتي ارتكبتها الطائرات الروسية في السوق الشعبي في مدينة معرة النعمان يوم الإثنين 22 تموز/يوليو الجاري.
ويأمل معارضون سوريون مقاطعة الهيئات السياسية العملية الدستورية وتجربة أستانا، التي آتت أكلها على حساب الثورة السورية، بعد أن وظفتها روسيا لخدمة النظام السوري، في مناطق رئيسية عدة مثلت أهم معاقل المعارضة المسلحة، بدءاً من درعا جنوبي سوريا مروراً ببلدات جنوب دمشق وريف دمشق الشرقي «الغوطة الشرقية»، وصولاً إلى ريف حمص الشمالي وإدلب. وأثمر المسار في قلب موازين القوى على الأرض بعد الاتفاق على تجميد الجبهات، الأمر الذي أفسح الطريق أمام النظام السوري لاستعادة السيطرة على مساحات شاسعة مثلت ثقلاً رئيسياً لمناوئي النظام السوري.
وتعتبر إدلب آخر منطقة منخفضة التصعيد نتجت عن مسار أستانة، ويقول الباحث السياسي طلال عبد الله جاسم لـ«القدس العربي»، إن هذا المسار قد أحدث بناء على توافق دولي من أجل إدارة الصراع السوري وضبطه من قبل الدول المتدخلة عسكرياً في هذا الصراع، حيث تم تكليف موسكو بهذه المهمة. وبالرغم من التناقضات بين الدول الراعية لمسار أستانا، إلا أنها حققت الكثير من أهدافها، وشارك فيه قسم كبير من المعارضة وحكومة النظام والفصائل المسلحة والأمم المتحدة وكذا ممثلون لكل الدول المنخرطة في الصراع السوري بشكل رسمي أو بصفة مراقب.
معركة وجود
وأضاف أنه «من خلال مسار أستانة تم وقف القتال في مناطق عديدة وإجراء ما سموه بالمصالحات أو التسويات، حيث الكثير منها وبضمانات روسية أو إيرانية. ومن لم يوافق على هكذا تسويات ومصالحات تم تهجيره قسراً من منطقته إلى إدلب ،ولكن هذه المرة باتت المعركة معركة وجود، فليس أمام المعارضة السورية، عسكرية أو سياسية، إلا المواجهة أياً كان الثمن.
ورغم التقارب الروسي – التركي بعد وصول منظومة الدفاع الجوي اس 400 إلى أراضي الأخيرة، إلا أن المؤشرات تدل على عكس ذلك في سوريا، واتباع سياسية منفصلة، حيث أعرب المتحدث عن اعتقاده بأن «لا تقارب في إدلب وريف حماه بين الروس والأتراك، بل هناك تصادم ومعركة بينهم عبر حلفائهم السوريين، ولا يوجد لدى روسيا أي مجال للتنازل في إدلب، فيما تحارب تركيا في إدلب وعينها على تل رفعت ومنبج وشرق الفرات.
وتل رفعت لروسيا النفوذ الكبير، بينما منبج وشرق الفرات النفوذ للأمريكان، حيث تبذل تركيا الجهد الكبير لتحقيق اتفاق ما مع الأمريكان، ولكن يبدو الأمر أصعب مع دخول الفرنسيين والإنكليز على الخط وليست السعودية والإمارات ببعيدة عن هذا الملف الذي يعتبر الأهم بالنسبة لتركيا».
واعتبر أن لتركيا مصالح ومصادر قلق في سوريا، طالما هي أكثر الدول تأثراً بما يحصل، بسبب الحدود المشتركة التي هي أطول من 900 كم، كما أنها تعتبر سوريا محيطاً حيوياً لها، والاستقرار فيها له علاقة بأمنها القومي.
ولتركيا مصالح مستدامة وآنية ذات بُعد داخلي ودولي، وهي العملية الأكثر نفوذاً على الفصائل المسلحة السورية، ولها جمهور سوري كبير يعول عليها في أي حل قادم، من الواضح أن مسار أستانا أمام تحد هو الأكبر منذ تأسيسه، إذ إن الكل يريد ضمان مصالحه الاستراتيجية وينتظر عائداً للتضحيات التي بذلها.