من مَظَاهِر مُجَابَهة الاستبدَاد وَتَجليات الحُرية عند طه حسين: أبعد من قناة “تنتهي عندها الدنيا”

محمد محمد الخطابي
حجم الخط
0

كثيرون هم الكتاب الذين واجهوا وجابهوا أقسى مظاهر الاستبداد والعَنَت في بلدانهم، وفي عالمنا العربي نجد العديد من هؤلاء. في هذه العجالة سنسلط الضوء على أديبٍ فذ واجه المصير نفسه منذ طفولته البعيدة، ونعني به عميد الأدب العربي طه حسين، فعلى الرغم من آفة العَمىَ التي أصابته منذ نعومة أظفاره فإنه لم يتوانَ في تحدي واقعه المرير، ومواجهة الاستبداد ونبذ المظالم التي كانت سائدةً في عصره، والتي كانت تُفرض عليه وعلى ساكنة مصر في مختلف نواحيها، والتطلع نحو معانقة الحرية والانعتاق، سواء في محيط العائلة أو في مجتمعه في القرية أو في المدينة، بتمردِه المُبكر على نوائب الدهر، وصُرُوف الزمن في بيئةٍ تسودها تقاليد بالية، وعادات سقيمة تقمع الحريات الشخصية وتكبحها.

مجابهة الاستبداد

غيرُ خافٍ على أحدٍ أن مراحل كفاح طه حسين، وحياته الصاخبة الحافلة بشتى ضروب التحدي والصمود، لمواجهة ديكتاتورية البيت أولاً، ثم قهر المجتمع، وأخيراً جبرُوت الدولة، حيث كان كل مُبتغىَ والده منه يتمثل في قوله له في يومٍ من أيام خريف 1902: “أما في هذه المرة، فعليك أن تذهب إلى القاهرة مع أخيك، وستُصبح مجاوراً في الأزهر، وستجتهد في طلب العلم وأنا أرجو أن أعيش حتى أرى أخاك قاضياً، وأراك من علماء الأزهر”. غير أن هذا الصبي تخطى هذا الاختيار القهري والقسري الذي فرضه عليه والدُه فرضاً، فما هي أهم مظاهر التمرد في شخصيته منذ صباه لمواجهة هذه العقبات.

يحدثنا طه حسين في “الأيأم” عن: “القناة التي تنتهي عندها الدنيا” وكم كان يتمنى، أن لو استطاع أن يتخطاها ليرىَ ما وراءها، التي كانت بالنسبة له بمثابة عالَم جديد مسحور، وفعلاً تحققت أمنيته، فإذا به: “يذهب غير ما مرة إلى حيث كانت تقوم وراء القناة شجرات من التوت فيأكل منها ثمراتٍ لذيذة”. إن أكبر ما كان يظفر به المرء في قريته هو لقب الشيخ، وها هو ذا سرعان ما أصبح شيخاً، وهو لما يتجاوزْ التاسعة من عمره! غير أنه لم يقنع ولم يقتنع بهذا اللقب، إذ ما هي إلا أيام حتى سئم لقبَ الشيخ، وكره أن يُدعىَ به، كما أنه: “لم يلبث شعورُه أن استحال إلى ازدراء للقب الشيخ”، كانت حاجته شديدة “لتغيير واقعه الكئيب”. كانت أمنيته الانسلاخ من قريته، والبحث عن بيئة جديدة، ويعترف لنا طه حسين أنه لم يكن حزيناً قط لفراق الأهل والقرية في الطريق إلى القاهرة، التي ما أن يصلها حتى بدأ يختلف إلى الأزهر حيث وجد كل شيء على ما كان عليه الأمر في قريته، ولما سَمِع العَالِمَ الأزهري يقول له بعد الدرس: فَاهِمْ يا أدع؟” حتى إذا انصرف سأل أخاه ما الأدع؟ فقهقه أخوه وقال له: “الأدع الجَدَع في لغة الشيخ”. وأقسَم طه حسين أنه احتقر العِلمَ منذ ذلك اليوم.

اقرأْ يا أعمىَ!

ويتمثل مظهر آخر من مظاهر هذا التمرد المبكر في حديث الفتى إلى أخوَاته البنات، حيث كان يقول لهن: “بأنه سوف يذهب إلى أوروبا، وينعم فيها بالحياة الهادئة الهانئة هناك، وأنه سوف يصطحب معه زوجةً مثقفة ليست غافلة مثلهن، ولا جاهلة مثلهن”. كان الجميع يضحك ويسخر منه، كيف السبيل إلى تحقيق آماله وهذا أستاذه يصيح فيه في ازدراء وسخرية مريريْن: – اِقْرَأْ يا أعمىَ! غير أن طه حسين لم يثنه شيء عن مواصلة الطريق، إن الظلام الذي أطبق عليه لم يزده إلا عزماً وثباتاً لمضاعفة تطلعاته بصبرٍ حثيثٍ نحو سبر كل مجهول.

ومن مظاهر الثورة التي كانت تعتمل في نفسية الفتى سعيُه للتمرد على محيطه الاستبدادي الفكري والتعليمي، والتحاقُه بالمدرسة الليلية التي أنشأها الشيخ عبد العزيز جاويش لتعليم اللغة الفرنسية، إذ لم يتوانَ طه حسين لحظةً في الانضمام إلى هذه المدرسة، طمعاً في اكتساب عِلْمٍ أفضل، حيث هيأت له الظروف بعد ذلك التعرف إلى رجالات مصر الكبار أمثال أستاذ الجيل لطفي السيد، الذي كان يشجعه، ويرسم له خطط المستقبل ليكون أديباً كبيراً، ومما كان يقول له: “أنتَ فولتيرُ مصر، وأنتَ أبو العلائنا”.

يُطلعنا طه حسين عما يدور في الأزهر، وكيف تركه غاضباً، ويعلن ثورته عليه “إذن فأي فرقٍ بيني وبين هذا الشيخ العتيق الذي كان يعرّض بالأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، فيتغنىَ في بعض دروسه بهذه الجملة التي شاعت والتي كنا نتندر بها ونضحك منها، وكنت أنا أشد الناس تندراً بها: “وَمَنْ ذهب إلى فرنسا فهو كافر، أو على الأقل زنديق، من ذلك كنا نضحك في أنديتنا الحرة التي كان الأزهريون يرونها أندية ابتداع وضلال”.

يُخبرنا طه حسين في كتابه “أديب” أنه كان متزوجاً، إلا أن واقع الأمر يتعارض وهذا القول، ذلك أنه ليس هناك ما يثبت تاريخياً أنه كان متزوجاً قبل سفره إلى فرنسا، وما إشارته إلى تطليق زوجته “حميدة” سوىَ رمز عميق للتعبير عن رفضه وجفوته لصور الرجعية والتأخر والجهل والاستبداد في المجتمع الذي كان يعيش في كنفه، ويتأكد لنا هذا الرمز في إقباله على الحياة العصرية الجديدة في فرنسا، حيث أقبل على احتساء الخمر بشراهة، فضلاً عن إقامته لعلاقة حب محمومة مع فتاة الفندق “فرنند” هذا الإقبال، وهذا الشره، وهذا الانفتاح والانغماس في الوسط الجديد، إنْ هو في الواقع إلا تفسير، أو كناية عن الشوق الذي كان يعتمل في نفسه وتعطشه لحياة راقية، ففي شربه للخمر، وإقباله عليها بذلك النهم كأنما كان “يشرب” الحياة الجديدة التي طالما تاقت نفسُه إليها وتعطّشها، كما أن في طلاقه من زوجته بهذا المعنى ليس سوى “تطليق” وفراق لحياة التعاسة والبؤس، التي كان يحياها على مَضض في مصر. هذا التطور المفاجئ الذي طرأ عليه إثر وصوله إلى مرسيليا ينبغي لنا عدم إغفاله، بل لابد من الوقوف عنده لنتعرف على دلالاته وأبعاده، ويُؤكد أديبنا ذلك بنفسه فيقول: “كيف انتقلتُ من طوْرٍ إلى طوْر، وكيف تغيرتُ من حالٍ إلى حال”!.

العِلمُ والعَمَل

لقد بنى طه حسين طموحَه وتمردَه على عاملين اثنين في حياته اولهما: العِلم، أو التعليم، فبالتعليم استطاع أن يشق لنفسه طريقاً أفضىَ به إلى الأزهر، ثم إلى الجامعة المصرية إلى أن نال المكانة المرموقة بين معاصريه، وبالتعليم انتقل من حياة الشظف والفقر، إلى حياة الرفاهية والنعيم، وبه انتقل من الغضارة إلى الوزارة، حيث كان مستشاراً، ثم وزيراً للمعارف والتعليم، وبالتعليم كذلك بلغ عمادةَ الجامعة ثم عمادة الأدب العربي. والعامل الثاني الذي يؤكد به هذا التمرد هو إيمانه بالعمل، فهو لم يعرف اللهو في حياته إلا لماماً، بل على العكس كان شغوفاً بالعمل، مهووساً به إلى أبعد مدىَ، لأنه كان يرى فيه الدافع الأساسي لتغيير مَجريات الأمور، يقول في كتابه “مرآة الضمير الحديث”: “إن تغيير الأشياء لا يكون بالكلام الذي يُقال عن إخلاص أو تكلف، أو عن تفكير أو اندفاع، وإنما يكون بالعمل الذي ينقل الأشياءَ من طور إلى طور”. كان طه حسين شاهداً على عصره، رائداً من رواده ومثالاً نادراً يُحتذىَ به في تخطي العقبات، ومواجهة الصعاب، وتحقيق الغايات لِمَا عًرف عنه من جرأةٍ، وشجاعةٍ نادرتين، وفهمٍ عميقٍ للحياة، واطلاعٍ واسعٍ على ثقافات الأمم قديمِها وحديثِها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية