في وادي الحمص إبادة للمنازل الفلسطينية ورقص إسرائيلي جديد على دمار فلسطين

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

كالعادة حضرت الجرافات والمعدات الإسرائيلية قبل انبلاج الفجر، وهي عادة لا تتخلى عنها إسرائيل عندما تعتقل الفلسطينيين أو تريد تدمير بيوتهم، يعرفها سكان المناطق منذ بداية الاحتلال، لكن هدم البيوت الأخيرة في حي وادي الحمص بقرية صور باهر لم يكن مبرره إلا أنها بنيت قريبا من الجدار العنصري الذي تعتبره محكمة العدل الدولية خرقا للقانون الدولي عام 2004 لأنه بني على أراضي الفلسطينيين.

وطالت عملية الهدم 10 بيوت من أصل 16 بيتا مهددة بالهدم وتركت 350 شخصا مشردا. وترى صحيفة “نيويورك تايمز” (23/7/2019) أن قرار المضي بعمليات الهدم بعد رفض المحكمة العليا الإسرائيلية طلبات الاستئناف التي قدمها أصحاب البيوت يعكس المصاعب الناجمة عن غياب الحدود الدولية المعترف بها والتداخل في السلطات، فمعظم العمارات التي هدمت واقعة في وادي الحمص، جنوب – شرق القدس وصادقت على بنائها السلطة الوطنية التي تتبع المنطقة لها، من الناحية الفنية. إلا أن مبرر إسرائيل لهدمها هي قربها من الجدار العنصري. وهذه أكبر عملية “تطهير” للبيوت الفلسطينية تقوم بها إسرائيل بعد عملية مماثلة منذ ثلاثة أعوام في بلدة قلنديا، شمالي المدينة المقدسة.

 ويأتي ما حدث وسط تجاهل عربي ودولي للقضية للفلسطينية بل وتصاعد الأصوات التي تعلي من شأن المواجهة مع إيران وتبرر التعاون مع إسرائيل والتطبيع عبر وسائل التواصل الاجتماعي معها والسماح لـ “نجوم” تويتر وفيسبوك بزيارة إسرائيل والتعبير عن حبهم لها ولمغنيها وحاخاماتها. بالإضافة إلى أن “العراب” الأمريكي منح إسرائيل على ما يبدو ورقة على بياض للتصرف كما تشاء من خلال اعترافه بسيادتها على القدس ونقل إليها سفارته من تل أبيب إلى القدس. بالإضافة لما يطلق عليها “صفقة القرن” التي تخدم المصالح الإسرائيلية وأعلنت عن بعض ملامحها الاقتصادية في ورشة البحرين الشهر الماضي. ولم تحضر القيادة الفلسطينية الورشة وحدت من اتصالاتها مع واشنطن بعد سلسلة من الضغوط التي شملت إغلاق مكتب البعثة الفلسطينية في واشنطن والقنصلية الأمريكية في القدس الشرقية وقطع الدعم للمشاريع في مناطق السلطة وكذا عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” التابعة للأمم المتحدة. وتؤكد عملية يوم الإثنين الموقف الفلسطيني الشاك من العملية السلمية، وعلق المسؤول الفلسطيني البارز صائب عريقات على عملية الهدم قائلا “هذا هو الفهم الإسرائيلي للسلام”. وطالب في تغريدة محكمة الجنايات الدولية للتحقيق “تم ارتكاب جريمة حرب” ووصف مكتب الرئيس الفلسطيني محمود عباس الهدم بـ “المذبحة الإسرائيلية”. وتقول “إر أميم” المنظمة غير الربحية والداعية لحل عادل في القدس كعاصمة للدولة الفلسطينية في المستقبل، إن عملية الهدم التي تمت في 22 تموز (يوليو) هي مقدمة لما سيأتي وتضع 100 بيت فلسطيني آخر تحت الخطر، مشيرة إلى أن سكان صور باهر بدأوا في السنوات القليلة الماضية بالحصول على رخص بناء من السلطة الوطنية التي تتبع المنطقة لها، ولأن الحصول على رخص من إسرائيل التي ضمت القدس الشرقية والأحياء القريبة منها إليها، بات أمرا مستحيلا.

هدية انتخابات

وحظيت عملية الهدم الأخيرة والطريقة التي أخرجت بها والصور التي نشرت على منابر التواصل الاجتماعي ورقصات الفرح للقوات التي نفذت عملية التفجير باهتمام واسع، مع أن إسرائيل تنفذ عمليات هدم بشكل يومي سواء في القدس أو مناطق الضفة الأخرى مثل قرية الخان الأحمر والقرى البدوية التي تقول إسرائيل إنها مقامة في مناطق “جيم” الخاضعة إداريا وعسكريا لها. والسبب في التركيز الإعلامي على هدم بيوت وادي الحمص نابع من علاقته بالانتخابات الإسرائيلية التي ستعقد بعد أقل من شهرين في أيلول (سبتمبر). وتأتي على خلفية الحملة الانتخابية القبيحة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي وإن تجاوز الرقم القياسي الذي وضعه ديفيد بن غوريون كأطول زعيم حكم إسرائيل منذ إنشائها، إلا أنه يكافح للحفاظ على منصبه وتجنب توجيه اتهامات ضده. وجاء في تقرير نشره موقع “ديلي بيست” (24/7/2019) أن معظم البيوت المدمرة موزعة بين بيوت أخرى بنيت قبل عام 2008 وتقع على نفس المسافة من الجدار الأمني، أي قبل صدور أمر إسرائيلي عام 2011 بمنع البناء عليها بحجة المخاطر الأمنية. وجاء فيه إن الفلسطينيين يعيشون على جانب الجدار والخطر الأمني الذي تتحدث عنه إسرائيل هو زعم لا أساس له، وحتى لو كان هناك خطر فنظام الرقابة والكاميرات الذي ركبته القوات الإسرائيلية على الجدار كاف لكشف أي تحرك مشبوه. والحقيقة أن إسرائيل تجنبت ذكر أن البيوت مقامة على منطقة “ألف” التي تخضع إداريا إلى السلطة الوطنية. وتجنبت الحديث عن غياب الخطر الأمني من وادي الحمص، الذي لم ينبع منه أي هجوم. ولو كانت العملية أمنية وليست سياسية فلماذا عانق ضابط من حرس الحدود جنديا وهو يقول “مازلتوف” وخلفهما سحابة من الدخان النابعة من بيت من عدة طوابق كان ينهار طابقا بعد طابق بفعل المتفجرات؟

يفرحون دائما

 وفي مقال نشره الموقع المتخصص بشؤون الشرق الأوسط والذي يقدم نفسه بأنه معاد للصهيونية “موندوويس” قال فيه جوناثان أوفير، إن احتفال الإسرائيليين بهدم بيوت الفلسطينيين ليس جديدا. وأرفق المقال برسم يصور ضابطا مقنعا بزي كاكي مكتوب عليه “شركة التطهير العرقي” يضع قدمه على زر “تي أن تي” ويربت على كتف جندي بزي أزرق بعلامة داوود فيما ابتسم آخر وخلفهم امرأة فلسطينية باكية وعلى البعد البيوت المدمرة وقد تردد منها صدى سخرية الجنود “ها ها ها” وكأن العملية مجرد نكتة.

وقال أوفير إن تدمير عدد من بيوت الفلسطينيين أمر مدمر ومثير لغضب الفلسطينيين، لكن ما زاد الطين بلة هو الفيديو الذي يصور ضابطا يحتفل بتدمير عمارة من عدة طوابق. وقال مالك أحد الشقق المدمرة جهاد الصوص “احتفلوا وبكينا”. فيما برر الجيش الإسرائيلي الفيديو بأنه مجرد تهنئة للجنود على نجاح عملية استمرت لساعات طويلة. وانتشار شريط الفيديو لا يخدم صورة إسرائيل إلا حال قرر الإعلام الغربي تجاهله وهو ما حصل فعلا. وكتب مؤسس الموقع فيلبب ويس “تخيل كيف سينتشر الفيديو لو كان عن الجنود الروس في شبه جزيرة القرم أو الإيرانيين في سوريا أو الفلسطينيين وهم يفجرون البنايات، فسيكون في كل أخبار الساعة وفي الإعلام الرسمي”.

وقدم أوفير تاريخ احتفال الإسرائيليين بتدمير فلسطين، مضيفا أن الاحتفال بولادة إسرائيل متداخل مع النكبة، أي تدمير فلسطين. فالمنطق واضح، إنشاء إسرائيل كان يعني تطهيرا عرقيا للفلسطينيين، أو كما كتب المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس: “التسفير كان حتميا ومترسخا في الصهيونية، لأنها أرادت نقل الأرض التي كانت للعرب إلى دولة يهودية، ولن تظهر هذه بدون عملية تشريد واسعة للسكان العرب”. ويقول أوفير “في كل مرة تحتفل فيها إسرائيل بيوم استقلالها، فإنها تحيي مناسبة تشريد وتدمير فلسطين والفلسطينيين المعروف بالنكبة” مشيرا إلى أن إسرائيل حاولت منع أي ربط ومررت قرارا عام 2011 يمنع إحياء ذكرى النكبة في يوم الاستقلال. ويذكر أوفير عدة أمثلة احتفل فيها جنود بقتل أو تدمير بيوت الفلسطينيين مثل الفيديو الذي صور فيه قناص عملية قتل محتج فلسطيني قرب الجدار العازل في غزة في كانون الأول (ديسمبر) 2017 ولكنه لم ينتشر إلا في نيسان (ابريل) 2018. ولم يشجب وزير الدفاع في حينه أفيغدور ليبرمان عملا استخدم فيه جندي الرصاص الحي لقتل فلسطيني أعزل من السلاح، بل قال إنه يستحق “ميدالية” ولكنه عاب على الجندي الذي التقط الفيديو.

واحتفل الإسرائيليون بتدمير غزة أثناء حرب الـ 51 يوما في عام 2014 والتي قتل فيها 2.200 فلسطيني معظمهم من المدنيين ومنهم 551 طفلا. ولكن الإسرائيليين راقبوا من على تلة في بلدة سديروت غزة تحترق. وفي كل عام تغلق المدينة القديمة في القدس أبوابها حيث يدخلها المتطرفون اليهود للاحتفال بيوم القدس ويهتفون “مات محمد وعاش كهانا” و”الموت للعرب”. وأمثلة الفرح بتدمير الفلسطينيين كثيرة لكن ما هو مهم في تبرير الجيش الذي طالما أكد على طهارة سلاحه هو أن الفرح لا علاقة له بالتدمير بل الرضى عن نجاح المهمة. ولكن المهام التي يتحدث عنها الجيش موجهة من القيادة العليا وهي التي تؤطر الاحتفال “في سياق نجاح المهمة” في محاولة للحفاظ على أخلاقية الجيش، لكن تدمير فلسطين ليس أخلاقيا في السياق التاريخي الأوسع.

عباس يرد

وسط هذه “المذبحة” في وادي الحمص، قررت السلطة الوطنية تعليق كل الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، لتسارع الصحافة العبرية للرد بأن الرئيس الفلسطيني محمود عباس علق في السابق الاتفاقيات ولم يحدث أي شيء، فيما نقل موقع “الجزيرة” الإنكليزية عن المحلل السياسي هاني المصري قوله إنه من العبث الحديث عن وقف الاتفاقيات مع إسرائيل بدون الحديث عن مصير السلطة الوطنية وتغيير شكلها ووظيفتها. مشيرا إلى أن قرار الرئيس محمود عباس هو تكرار لقرارات سابقة. وماذا عن التنسيق الأمني، هل سيتوقف؟ لا كما يقول شلومو إلدار في موقع “المونيتور” (25/7/2019) مشيرا إلى أن التنسيق الأمني هو واحد من عجائب العلاقة المعقدة بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ففي 24 تموز (يوليو) دعا عباس قيادة السلطة لاجتماع عاجل في رام الله من أجل بحث الخطوات الواجب اتخاذها ردا على التطورات في وادي الحمص وقضايا أخرى. ومع أن التنسيق الأمني لم يكن على الأجندة إلا أن حادثين اقترحا عدم تأثره واحد منها اعتقال القوات الإسرائيلية في 23 تموز (يوليو) مدرسة القرآن الكريم آلاء بشير، من بلدة جينصافوت، قرب قلقيلية والتي اعتقلها جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني الذي كان يواجه في كل مرة اعتقل فيها بشير ضغوطا شعبية وحملة ضده بأنه ينفذ أوامر الكيان الصهيوني. وعندما دخلت قوات الأمن الإسرائيلية قريتها واعتقلتها ركزت حركة حماس على استمرار التنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل كعامل في الاعتقال. أما الإشارة الثانية فهي إعادة أوراق “في أي بي” للجنرال عدنان الضميري، المتحدث الرسمي لقوات الأمن التابعة للسلطة الوطنية. وكانت قد سحبت منه في تشرين الأول (أكتوبر) 2014 بعد وصفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه مثل زعيم تنظيم “الدولة الإسلامية”. ويقول إلدار إن الضميري ممنوع رسميا من دخول إسرائيل لأنه لا يملك الأوراق، إلا ان صورة له في 23 تموز (يوليو) في مقهى تانغو في يافا تشير لغير ذلك وأن العلاقة بين الطرفين ليست كما تقدم في الظاهر. فرغم محاولة حكومة نتنياهو المتطرفة تصوير عباس كرافض للسلام وتهديده سرا وعلنا إلا أنها حاولت جهدها لمنع تدهور الوضع الأمني في المناطق الفلسطينية واندلاع انتفاضة جديدة. وبالنسبة لعباس الذي يواجه الهجوم من إسرائيل وخسر الدعم الشعبي من شعبه إلا أنه أكد عام 2015 أن التنسيق الأمني مقدس. ومع أن الكثير قد تغير خلال العامين الماضيين بسبب سياسات دونالد ترامب وحجز حكومة نتنياهو لأموال الضريبة التي تجمعها نيابة عن السلطة، فلم يعد عباس قادرا على دعم التنسيق الأمني بقوة ولكنه حاول الحفاظ عليه. فبعد أزمة تركيب البوابات على مداخل الحرم الشريف في القدس عام 2017 هدد عباس بتجميد العلاقات مع إسرائيل بما في ذلك التنسيق الأمني ولكنه لم ينفذ وعده في ذلك وفي مناسبات أخرى عام 2018. بل على العكس قال مسؤول أمني إسرائيلي إن التنسيق الأمني لم يكن في وضع أحسن منه اليوم “تقوم الجهود الإسرائيلية على دعم استقرار السلطة الوطنية ومساعدتها على تجاوز التهديدات الداخلية والخارجية من حماس والخلايا المرتبطة بالجهاد الإسلامي” و “في المقابل يعملون جهدهم لمنع الهجمات التي قد ينفذها أفراد أو مجموعات وتسبب مشاكل للسلطة مع إسرائيل”. وفي 25 تموز (يوليو) أعلن عباس عن تعليق العلاقات مع إسرائيل، وكما تشير التجربة فالكلام شيء والفعل مختلف. وستقوم إسرائيل بعمل ما تستطيع لسحب البساط من تحت قدمي رجل لم يعد يهتم بشعبيته ولا يزال يتعامل مع التنسيق الأمني كأمر مقدس.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية