مع بدء الزحف الايطالي لاحتلال ليبيا في العام 1911 قاتل الليبيون بوسائل تقليدية، لكن بروح عالية، جحافل الغزو المدججة بأحدث الأسلحة. وبالرغم من ذلك التحدي الكبير اندلعت خلافات وصراعات بين الليبيين أنفسهم جعلتهم يتقاتلون ويُقاتلون الطليان في آن معا. ويقول مؤرخون إن ما يقرب من نصف الشعب الليبي أبيد في تلك الحروب الداخلية. واليوم تستمر الحرب الأهلية منذ أكثر من ثماني سنوات، موقعة خسائر بشرية من الطرفين، يعسُر حصرها بدقة، فالحرب الأخيرة، التي فتحها اللواء المتقاعد خليفة حفتر، في أبريل/ نيسان الماضي، للاستيلاء على طرابلس، أسفرت عن مقتل 739 شخصاً، بينهم 41 مدنياً و4407 جريحا، بينهم 137 مدنياً، بحسب منظمة الصحة العالمية.
على عكس الحروب الأهلية التي تقصف أعمار الشباب الليبي، تمنحهم الأعراف الاجتماعية فسحة لحقن الدماء وتطويق أسباب الخلاف، لكنها لا تُفلح دائما في امتصاص النزاعات القبلية والمناطقية. وفي هذا الصدد تُلفت الباحثة الليبية الدكتورة آمال العبيدي الانتباه، إلى أن معظم النزاعات تم إحياؤها وتسييسُها بعد عام 2011، نتيجة الانقسامات السياسية التي برزت من خلال تصنيف المدن والقبائل، إلى قبائل ومدن مؤيدة لنظام القذافي وأخرى داعمة لثورة 17 فبراير/ شباط. واتخذ بعض تلك النزاعات طابعاً مسلحاً، ما أدى إلى حدوث شرخ اجتماعي، إضافة إلى التهجير والنزوح اللذين طالا العديد من المناطق، ومن بينها مدينة تاورغاء، التي كان عدد سكانها يتجاوز 40 ألف ساكن، وصارت في أعقاب الانتفاضة خاوية على عروشها، إذ أن 35 ألفا من سكانها تم تهجيرهم إلى أماكن مختلفة في جميع أنحاء ليبيا، عدا عن أعمال العنف التي رافقت طردهم من مدينتهم.
دراسة شاملة
ثمة شروخ أخرى لم تُعالج إلى اليوم، ويمكن الإشارة هنا إلى وثيقة قبيلة العبيدات بشأن مقتل رئيس أركان الجيش الليبي اللواء عبد الفتاح يونس العبيدي ابن القبيلة، واثنين من رفاقه، أثناء انتفاضة فبراير، على إثر استدعاء المدعي العام للعبيدي من أجل التحقيق معه، بناء على أمر من المستشار مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الوطني الانتقالي آنذاك. ومن أبرز الاتفاقات التي استعرضتها الدكتورة آمال العبيدي في دراسة شاملة عن “اتفاقات المصالحات المحلية منذ عام 2011” اتفاقية المجلس الوطني الانتقالي مع قبائل الطوارق (2011) واتفاق التبو والطوارق (2014) واتفاق التبو والطوارق للسلم والمصالحة (2015) واتفاق التعاون والتعايش السلمي بين قبيلتي القذاذفة وأولاد سليمان (2016) واتفاق المصالحة بين قبيلتي التبو وأولاد سليمان (2017) ومحضر اتفاق مصراتة – تاورغاء بشأن عودة النازحين وتعويض المتضررين (2016) وميثاق الصلح بين مصراتة وتاورغاء(2018).
من هنا يُطرح السؤال اليوم عن مدى قدرة النسيج الاجتماعي الحالي على إجراء مصالحات تكون أرضية لتفكيك الصراع المركزي بين قوات شرق ليبيا وقوات حكومة الوفاق الوطني؟
مصالحات قابلة للإنجاز
ما من شك بأن قسما من المصالحات قابلٌ للإنجاز، بجهد مُضن وفي إطار شروط محددة من المصداقية والجدية. غير أن هذا الامكان لا ينسحب على جميع النزاعات المحلية بين الفرقاء الليبيين، وإن كانت الدكتورة العبيدي تعتبر قضية مصراتة – تاورغاء من أهم ملفات المصالحة في ليبيا، إذ تعتبر حلها دعماً لعملية المصالحة المجتمعية، والوطنية بشكل عام. ومن المهم الاشارة هنا إلى أن منظمات وجمعيات غير حكومية أجنبية، أساسا من سويسرا وإيطاليا، انغمست، في السنوات الأخيرة، في جهود الوساطة، بُغية الدفع في اتجاه مصالحات محلية. وفي معظم الحالات اقتصر الإطار الذي توضع فيه تلك الوساطات على مسألة “جبر الضرر” وصرف تعويضات للمتضررين، إذ أوكلت الاتفاقات للوسيط الخارجي دفع قيمة التعويض إلى الأطراف المتضررة. أما في الاتفاقات التي رعتها ليبيا، فلم يُذكر جبر الضرر والتعويضات، إلا في اتفاق مصراتة-تاورغاء، وكذلك ميثاق الصلح بين المدينتين في حزيران/يونيو 2018 اللذين أكد أن الجهات التنفيذية المسؤولة في الدولة الليبية، تتعهد بالإيفاء بما رتبه عليها الاتفاق الموقع بين الطرفين.
ويمكن القول إن انهيار المؤسسات السابقة في 2011 وتكريس قانون العزل السياسي، وما نتج عنهما من فراغ مؤسسي وأمني، أعاد البلد إلى أحضان الهياكل التقليدية، إذ استطاعت القبيلة وقياداتها المحافظة، أن تكون هي البديل عن تلك المؤسسات، بحكم الفراغ. أكثر من ذلك، تم إحباط الجهود المضنية التي بذلتها الأمم المتحدة لمحاولة وقف الهجوم على طرابلس، وترطيب الأجواء تمهيدا لاستئناف الحوار السياسي.
صحيح أن المواجهة العسكرية بين الطرفين كانت خطرا قائما باستمرار، بسبب التوزيع الواسع للسلاح، بين أيدي الناس، من جميع الفئات، وعلى التشكيلات المسلحة على اختلافها. لكن لا يُنكر أحدٌ أن الطرفين الأساسيين اقتربا من مخرج سياسي، قبل اندلاع القتال في العاصمة، والذي ردت عليه التشكيلات المسلحة من طرابلس وخارجها، لإحباط الهجوم. وأقرَ رئيس بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة في حوارات صحفية، أن مبادرات التقارب التي أطلقها خلال الفترة الماضية، بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي، واللواء خليفة حفتر، والتشكيلات المسلحة، إضافة إلى تعزيز دور وزارة الداخلية في طرابلس، والدعوة لعقد ملتقى وطني شامل في غدامس، كانت تهدف جميعُها إلى تفادي المواجهة العسكرية.
حزمتان من القرارات
في هذا السياق أتى اتفاق أبو ظبي بين السراج وحفتر، الذي كان خطوة حاسمة في الإعداد لملتقى غدامس، فقد كان مبنيا على حزمتين من القرارات، تخص الأولى تقليص عدد أعضاء المجلس الرئاسي من تسعة إلى ثلاثة فقط (السراج من الغرب وسيف النصر من الجنوب والعبَار من الشرق) تنبثق منه حكومة، يقتصر دورها على تسيير الأعمال، بحيث أنها لا تتخذ قرارات استراتيجية، بل تتركز مهمتها على تنظيم انتخابات حرة وشفافة. وتضمَن الاتفاق أيضا ما يُفيد بأن شخصين فقط مُخوَلٌ لهما وضع فيتو على القرارات، وهما السراج وحفتر. أما الحزمة الثانية فتعلقت بتشكيل مجلس الدفاع والأمن القومي المؤلف من أربعة أعضاء هم السراج والقائد العام (حفتر) ووزيرا الداخلية والخارجية. تلك كانت الأرضية السياسية لملتقى غدامس، الذي كان مقررا عقده مع أواسط أبريل/ نيسان الماضي. وأتى قرار إجهاض الملتقى من خارج ليبيا، وهو ما يُلقي الضوء على دور الأيادي الخارجية في تقويض الجهود التي تُبذل، هنا وهناك، لجمع الليبيين حول مائدة الحوار ووقف الصراعات العسكرية حقنا للدماء.
لم يكن ملتقى غدامس فكرة عابرة ولا مشروعا نظريا، فقد تم الاعداد له بعقد 77 اجتماعا شارك فيها 6000 ليبي وأنتجت 80 ألف ورقة، لُخصت في 22 ورقة، وشملت الأوراق كل المجالات. وأتى إجهاض الملتقى لتغليب الحل العسكري (الوهمي) من خلال عملية “طوفان الكرامة”، وقطع الطريق أمام مصالحة تاريخية تُنهي ثماني سنوات من الحروب الأهلية.
ما زالت اليد الخارجية تعبث بمصير ليبيا، ويتفاقم دورها يوما بعد آخر، ومن أحدث المؤشرات على ذلك إقبال مزيد من الضباع على البحث عن جثث في الغابة الليبية، ولعل آخر هؤلاء الفريق الروسي الذي أتى إلى ليبيا بُغية التأثير في الانتخابات المقبلة (إن أجريت فعلا) وقد تجول أعضاؤه تحت غطاء كونهم باحثين اجتماعيين.
الروس والانتخابات
وكان مكتب النائب العام الليبي أعلن يوم 5 تموز/يوليو الجاري، أن الجهات الأمنية في طرابلس ألقت القبض على روسيين اثنين متهمين بـ”محاولة التأثير في الانتخابات المقبلة في ليبيا” مشيرا إلى أنهما شاركا في تأمين لقاء مع المرشح الرئاسي المحتمل، سيف الإسلام القذافي، بدعم من بعض المسؤولين في موسكو، وفق وكالة “بلومبيرغ” الأمريكية.
أكيد أن الروس وصلوا متأخرين إلى ليبيا، لأنهم كانوا مشغولين بترتيب البيت الداخلي، وأيضا لأن تدخل حلف شمال الأطلسي في 2011 أربكهم، وهم يسعون الآن إلى التعويض عما فات. لكن الأكيد أيضا أن الأمريكيين والأوروبيين والخليجيين سبقوهم إليها، وأن لدى الأخيرين حلفاء يعتمدون عليهم في إطار حرب بالوكالة، الخاسر الأول فيها هم الليبيون أنفسهم. ولخص غسان سلامة هذا الوضع بقوله “جوهر الأزمة في ليبيا هو صراع على الثروة، يتخذ شكل الصراع على السلطة”. على أن هذا الصراع، خاصة في بُعده الليبي-الليبي، لا يخضع إلى ضوابط ولا يحتكم إلى قوانين، ما يستدعي أولا وقبل كل شيء تخليص القرار الليبي من الولاءات الخارجية، وتحصين البلد والمجتمع من الصراعات العنيفة، بعد سنوات من تصفية الحسابات القديمة والعقيمة. وإذا كانت ليبيا خسرت نصف سكانها في حروب أهلية مطلع القرن الماضي، فليس جائزا اليوم أن يُقتل رُبع الليبيين أو عُشرهم، أو حتى ليبيٌ واحدٌ، في صراع أهلي، أيا كانت مُبرراته وعناوينه.