■ عقدة القضية الفلسطينية على مدار عشرات السنين، هي واحدة، تمثلت في ادخال الفلسطينيين وقضيتهم حمى الصراعات الجانبية أو الصراعات الداخلية العربية، وهو ما يجعلنا كفلسطينيين ندفع حتى اللحظة ثمناً باهظاً، على الصعيدين السياسي والانساني، فالتجاذبات العربية أدخلتنا في متاهات يمكن تسميتها افتراضاً حالة من الانقسامات السياسية، انعكست هذه بمجملها على الانسان الفلسطيني، خصوصاً في الشتات، الذي ومنذ سنوات، ظلت قضيته الاولى الحصول على جواز سفر اجنبي، حتى يحظى بمعاملة انسانية لائقة بالحدود الدنيا في مطارات وحدود بلاد العرب أوطاني.
بالمقابل لا يريد أن يدرك العديد من القادة الفلسطينيين، أن لعبة المصالح الحزبية الضيقة، والعلاقات الحزبية التي تطفو على موقع فلسطين في الجغرافيا السياسية، هي مجرد نكبات اضافية تقع على كاهل الفلسطينيين، الذين هم اليوم أكثر معاناتهم تتجلى في المواقف السياسية الحالية والسابقة لقادة فلسطينيين، افترضوا في حينها ويفترضون أن تلبية المواقف السياسية العربية تساهم في تعزيز موقع القضية الفلسطينية.
ولعل النقطة الأبرز تكمن في توصيف الفلسطينيين في الداخل والشتات، فهم بالنسبة للعديد من الساسة الفلسطينيين مجرد مستودع اضافي يدعم سياسة هذا الفصيل أو ذاك، وبالتالي نحن افترضنا جدلاً أننا كيانية تملك توصيف المشهد الفلسطيني بحسب الرؤية الفصائلية، ونملك أن نجعله ملحقاً بنا كما نريد، وهو توصيف يشبه رؤية اي نظام عربي لشعبه، الذي عليه أن يكون ملحقاً به، مملوكا بالطاعة وحدها فحسب.
في المشهد الفلسطيني هناك ميزة مهمة، أن الداخل الفلسطيني تحت احتلال من نوع خاص، تملك الفصائل الفلسطينية وحدها، ان ارادت، استخدام اساليب وانماط لمواجهة هذه المحتل وفق المتاح والممكن، ولا تفرض على الناس المدنيين ممارسة هذا الفعل لعدم قدرتهم عليه. اما الشتات الفلسطيني، فهو مختلف تماماً، فهو مجتمع من المدنيين المشردين الذين يجمعهم اللجوء، وكامل ملحقات اللجوء التي يراها ويعرفها البشر.
هذه الفئة المنكوبة في الشتات هي اليوم تعيش تجارب جديدة مكررة على مدار اكثر من اربعين عاماً، تكمن في أن أطرافاً سياسية على مدار كل تلك السنوات، كانت تطلب من الفلسطيني المدني المسالم، أن يتحول الى جزء من معركة سياسية داخلية او بينية، ويتم الترويـــج اعلامياً، أن الدفاع عن القضية الفلسطينية يتطلب وجود السلاح الفلسطيني، وهذا العمل أوصل المجتمع المدني الفلسطيني في الشتات في معظم البلدان إلى حالة من الانهاك، نشاهد أثرها اليوم في رغبة الفلسطينيين للخلاص من الوطن العربي كله، والرحيل بأي طريقة وأسلوب.
الفلسطينيون في الشتات مجموعة من المدنيين المنكوبين، ومسألة استخدامهم في الصراعات الداخلية لا تخدم فلسطين، ولا تخدمهم، فالسلاح الذي حمله الفلسطينيون في الشتات، بقصد أن يعيدهم الى فلسطين، كان وفق رؤية عربية آنذاك، منحت هذا السلاح شرعية الوصول الى الحدود الفلسطينية والاشتـــباك مع العدو، ومع اغلاق العرب حدودهم مع فلسطين، لم تعــــد هناك قيمة لهذا السلاح لخدمة فلسطين، وبالتالي وجود هذا السلاح في أيدي بعض الفلسطينيين في لبنان أو سوريا هو مجرد اعباء اضافية لشعبنا الذي يذوق مرارة القهر والتشريد، لأنه سلاح لا يرضي كامل الاطراف الموجودة، ووجوده لا يحقق الغاية منه، وهو حماية الفلسطينيين او العمل على تحرير فلسطين.
لا أظن بتاتاً أن حمل السلاح في دول الشتات يحمي الفلسطينيين، فالسلاح الفلسطيني في مخيم اليرموك تسبب بتشريد مئتي الف فلسطيني، ومليون سوري كانوا يعيشون في المخيم، بالمقابل هناك بضع مئات يجلسون فيه يحمون ما تبقى من ركامه، ولا أظن أن المواقف السياسية الفلسطينية في البلدان العربية المنكوبة ضرورية. فالحياد الفلسطيني ضروري في الازمة السورية والمصرية وبقية بلدان الامة، وإذا كان هنالك من يرى أن الامانة تقتضي أن يصدر صوت فلسطيني، تجاه النظم العربية، فنحن كفلسطينيين عندنا مشكلة مع النظام الرسمي العربي من المحيط الى الخليج، وهذه المشكلة كانت ولا تزال تتفاقم، فنحن نريد كل العرب لأجل فلسطين، ونحن نعلم أن تحرير فلسطين في ظل الصراع العربي أمر مستحيل، ونحن نعلم أيضاً أن مشاركة الفلسطينيين في الصراعات العربية الحالية – والقادمة ـ تعمل على تعقيد المشهد ولا تصل بنا الى أفق.
هناك لوم كبير من أطراف عربية على حالة صمت بعض الفصائل الفلسطينية من الخوض في الصراعات العربـــية، والحقيقة أن الصوم عن الكلام، إن لم يفعل شيئا، فهو يحقن بعض الدماء، وما لا يريد أن يعيه كثير من العرب، أن الفلسطينيين في الشتات، مجرد خيمة ومخيم وفقر وجوع وشهداء، فالذي يطلب من المخيمات الفلسطينية أن تصدر موقفاً يعمل على رحيل هذه المخيمات الى البحر.
٭ كاتب فلسطيني مقيم في تركيا
أيمن خالد