تتنادى دول وتحالفات وتنظيمات متعددة الهوية والغرض والمصلحة الى مواجهة «الدولة الإسلامية ـ داعش». آخر الجهود اللافتة في هذا المجال قمة حلف شمال الاطلسي (الناتو) في نيوبورت بمقاطعة ويلز البريطانية. «داعش» لم يكن البند الوحيد في القمة الاطلسية. نافسته في الاهمية الازمةُ الاوكرانية التي استأثرت باهتمامات زعماء امريكا واوروبا بعد عودة مناخات الحرب الباردة مع الخصم القديم المتجدد: روسيا.
المشاورات والتحضيرات بشأن توسيع التحالف الدولي المعلن ضد «داعش» تتطلب وقتاً وجهداً اضافيين، ذلك ان تطورات وتحديات نشأت في السنوات الثلاث الاخيرة غيّرت المشهد الجيوسياسي في مشرق العرب، كما في شرق اوروبا، فما عاد في مقدور اللاعبين الكبار تجاهلها عند البحث في توسيع التحالف الدولي المؤلف من عشر دول اطلسية والحريص على استثناء روسيا وايران.
في هذا السياق، ثمة ملاحظات تتعلق بالدول الكبرى المشاركة والتحديات التي تدفعها الى التعاون مع غيرها في مواجهة «داعش» او ربما، في مهادنته عملاً بالقول المأثور «عدو عدوي صديقي».
الامين العام لـ»الناتو» اندرس فوغ راسموسن رأى ان «قمة الحلف هذه هي احد اكثر القمم اهمية في تاريخه»، مشيراً الى ازمة اوكرانيا وكذلك الى الملف الآخر الملتهب المتمثل بتنظيم «داعش». فهل الملفان في المرتبة نفسها من الخطورة والاهمية؟
لئن اوحى الرئيس الامريكي اوباما ورئيس الوزراء البريطاني كاميرون بأن «داعش» هو الخطر الاول بدليل نشرهما افتتاحية مشتركة في صحيفة «التايمز» اللندنية، اكدا فيها ان مقاتلي «الدولة الإسلامية» لن يُرهبوا دولتيهما، وناشدا الاطلسيين عدم التلكؤ في مواجهة هذا التهديد، إلاّ ان اوباما عاد واوحى بأن اتخاذ قرار في شأن توسيع محتمل للضربات العسكرية ضد مقاتلي «داعش» في سوريا ليس وشيكاً، بل هو لوّح بقائمة عقوبات اضافية ضد روسيا تقوم واشنطن بإعدادها.
فرنسا تشاطر الولايات المتحدة رأيها في ما هو الملف الاكثر خطورة، بدليل قيام حكومتها بالإعلان عن تعليق تسليم روسيا حاملة طائرات الهليكوبتر «ميسترال» عشيةَ انعقاد القمة الاطلسية، وسط تسريبات عن اعلان عقوبات اوروبية اخرى.
روسيا استشعرت حدّة ردود الفعل الامريكية، فردَّ وزير خارجيتها لافروف بقوة: «نشهد تنامياً للخطاب المعادي لروسيا. يمكننا القول إن من يقرع طبول الحرب في كييف يحظى بدعم في الخارج، وفي هذه الحال، في الولايات المتحدة». دمشق، الاكثر حساسية تجاه موقف الغرب الاطلسي من «داعش»، علّقت بلسان المستشارة السياسية في رئاسة الجمهورية بثينة شعبان على ما يعلنه الزعماء الاطلسيون بشأن الإرهاب بقولها: «لو كان الغرب صادقاً في محاربة الإرهاب الذي يمثله «داعش» لما وجد هذا الإرهاب مكاناً يقف عليه، وما كنا شهدنا ما يجري اليوم في سوريا والعراق من جرائم وافعال مشينة».
لا يخفى على دمشق مآل ما يقوله المسؤولون الإسرائيليون بشأن تنظيمي «داعش» و»النصرة». وزير الخارجية افيغدور ليبرمان اعلن بلا مواربة ان «داعش» لا يشكّل تهديداً فورياً لـِ»اسرائيل». لعله تبنّى في هذا المجال مقولة مدير شعبة المخابرات العسكرية السابق الجنرال عاموس يادلين بأن الخطر المباشر الذي يمثله «داعش» على «اسرائيل» هو في تحويل الانتباه داخلها وفي العالم عن المشروع النووي الإيراني، الذي هو الخطر الإستراتيجي الحقيقي على أمن العالم وعلى أمن «اسرائيل».
القيادة الإسرائيلية لا تكتفي بتبني مقولة يادلين، بل تذهب الى ابعد منها. فقد لاحظت الاجهزة الامنية المعنية في سوريا ولبنان تطورات لافتة تجري على السفح الشرقي لجبل الشيخ بين البلدين، بالتزامن مع محاولات حثيثة لجبهة «النصرة» للسيطرة على القطاعين الاوسط والجنوبي في محافظة القنيطرة. فالجيش الإسرائيلي لا يكتفي بمساعدة مقاتلي «النصرة» على طرد عناصر قوة المراقبة الدولية من منطقة وجودها لتسهيل سيطرتهم على معبر القنيطرة والقرى الحدودية المحاذية له فحسب، بل يقوم ايضاً بتنظيم حملة بين اهالي قرى حضر وحرفا والمقروصة للمطالبة بضمها الى الجولان المحتل بدعوى «إنقاذها» من إرهاب مقاتلي جبهة «النصرة»، الذين يحتشدون في بلدة بيت جن وجوارها، بقصد تحقيق هدفين عسكريين: الاول، إنشاء شريط حدودي او «جدار طيّب» كالذي كان انشأه العميد المرتد انطوان لحد على حدود لبنان مع فلسطين المحتلة قبل حـرب 2006. الثاني، فصل القرى المار ذكرها عن محافظة دمشق بتطويقها ومحاولة السيطرة على الاوتوستراد الدولي المؤدي الى دمشق قرب بلدة سعسع.
في شرق لبنان وعلى جرود بلدة عرسال، يحشد «داعش» مقاتليه فيما تشاغل جبهة «النصرة» الحكومة اللبنانية بمفاوضات وضغوط لمقايضة العسكريين المحتجزين لديها بعناصر لهما محكومة ومعتقلة في سجن رومية. كل ذلك بقصد تحقيق احد مكسبين او كليهما معاً: «تحرير» السجناء واستردادهم، ومهاجمة عرسال مجدداً لاتخاذها مأوى قبل حلول موسم الشتاء بعد اقل من شهرين. الى ذلك، ثمة من يشير الى تطور بدا محدوداً في مبدئه، لكن احتمال تطوره الى ما هو اخطر وارد. ذلك ان انصار الحركات الإسلامية السلفية الكردية في ايران رفعوا، بعد بيعة «داعش»، رايات «الدولة الإسلامية» في المدن الايرانية ذات الغالبية الكردية، وفي اذربيجان الغربية على نحوٍ يحاكي مشهداً مماثلاً صنعه انصار «داعش» في محافظات العراق الغربية (نينوى وصلاح الدين والانبار) ذات الغالبية السنّية.
كل هذه الملاحظات المستمدة من الحال الميدانية في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين، تؤشر الى حقيقة بازغة هي ان الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا تتحدث بطلاقة عن ضرورة مواجهة «داعش»، لكنها تعالج المسألة ببطء في اطار حربها الباردة المتصاعدة مع روسيا، حيث تتحكم بها اولويات ومصالح لا تستجيب بالضرورة لمصالحَ العراق وسوريا ولبنان وفلسطين، بل تصبّ في مصلحة «اسرائيل» او في مصلحة الولايات المتحدة ومفاوضاتها النووية الإستراتيجية مع ايران.
٭ كاتب لبناني
د. عصام نعمان