■ بدأت الخرافة بعد عام 1948، وقتها لم يكن جيش الدفاع الاسرائيلي قد أنشئ بعد. كانت عصابات صهيونية مسلحة، الهاجاناه والارجون وشتيرن وغيرها، حاربت جيوش دول عربية هزيلة، ما زال بعضها تحت القيادة الانكليزية فهزمتها وأقامت دولة اسرائيل على تراب ثمانين بالمئة من فلسطين. في عام 1956 شاركت اسرائيل فرنسا وبريطانيا في العدوان الثلاثي على مصر.. وفي عام 1967 احتلت اسرائيل بقية فلسطين وغزة وسيناء وهضبة الجولان بعد حرب الايام الستة ـ وفي رواية أخرى، حرب الساعات الست ـ مع جيوش الاردن ومصر وسوريا، تعززت بعدها هذه الخرافة، وضّخمت بعدها قدرات هذا الجيش وامكاناته. في حرب عام 1973 تمكن الجيش المصري من اجتياح خط بارليف الشديد التحصين، ولكن عنجهية الرئيس السادات وامتناعه عن الاستماع لنصائح العسكريين الشرفاء أمثال الراحل سعد الدين الشاذلي، رئيس هيئة الاركان، حوّل ثغرة الدفرسوار الى هزيمة، اقيل الشاذلي وبعدها نشر الحقائق كاملة في كتابه حرب اكتوبر، وحوكم وسجن اكثر من سنة ونصف السنة في عهد الرئيس مبارك. توفي الشاذلي في اليوم الذي سبق اعلان تنحي الرئيس مبارك عن الحكم، وشيّعت جنازته في يوم التنحي، الحادي عشر من فبراير/شباط 2011، وكأن مصر تعيد له اعتباره قبل مواراته التراب، ولم يعش ليرى الثورة تسرق من السيسي وحاشيته.
في أحد برامج الجزيرة قبل أيام، كان يتحدث أحد المحللين اللبنانيين، المعروف بولائه لحزب الله وسوريا، عن انجازات وبطولات الجيش السوري ضد اسرائيل في حرب 1982. الجيل الجديد الذي لم يعاصر تلك الحقبة ربما اعتقد ان الجيش السوري حقق نصرا مؤزرا على اسرائيل، الحقيقة هي ان اسرائيل دمرت عشرات الطائرات السورية في الجو ومحطات اطلاق صواريخ سام في البقاع، بعدها وقف الجيش السوري يتفرج على الاسرائيليين وهم يجتاحون بيروت.
شنت اسرائيل حروبها على غزة في عامي 2008 و2012، ولكن الأشرس كانت هذه الحرب الاخيرة تموز/ يوليو وآب/أغسطس 2014 وجوبهت بمقاومة عنيفة عالية الجاهزية. قد يقول قائل ولكن أين انجاز المقاومة وقد دمرت اسرائيل ما يلزم المليارات لإعماره، وشردت نصف مليون عن منازلهم وقتلت ما يزيد على الالفين وجرحت ما يزيد عن الـ12 الف فلسطيني، والفلسطينيون يحتفلون بالشوارع بالنصر؟!
اسرائيل لم تستطع هزيمة المقاومة ولا تدمير مخزونهم من الاسلحة، ولا نزع أسلحتهم، ولا فرض شروطها عليهم، بالعكس المقاومة فرضت شروطها بفتح المعابر ورفع الحصار. الاهم من ذلك كله هو كيف ننظر الى هذه الخسائر البشرية والمادية الفلسطينية الباهظة فعلا. كل روح فلسطينية أزهقت مهمة، تحترم وتبجّل، سواء كانت من المدنيين أو من المقاومين، ولكن اسرائيل تريد ان توهم نفسها بنصر زائف. أين الانجازات العسكرية؟ لقد قامت بأعمال جبانة من هدم البيوت على رؤوس ساكنيها وقصف الابراج السكنية والمشافي ومحطات توليد الكهرباء والمساجد والمزارع والمدارس والجامعات، حتى مراكز تأهيل العجزة والمقابر، وكأنها تعلن للعالم رعبها من الفلسطيني حتى لو كان تحت التراب، لأن ارواح الشهداء تؤرق احتلالها ووجودها غير الشرعي على ارض الغير. لقد فعلت ذلك لأنها لم تستطع أن تنال من المقاومة، فقامت بقتل المدنيين بلا هوادة او رحمة كمن فقد السيطرة على اعماله، تتخبط كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس.
هذا لا يقلل أبدا من معاناة الفلسطينيين على مدى العقود من الارهاب الاسرائيلي. الفلسطينيون شعب لا يقهر لأنهم مؤمنون بعدالة قضيتهم ومستعدون لتقديم التضحيات، مهما امتد امد الصراع، وواثقون من النصر وتحقيق مطالبهم العادلة باسترداد كافة حقوقهم المغتصبة واقامة دولتهم على كامل التراب الفلسطيني من النهر الى البحر.
الجيش الاسرائيلي قوته وهم وهو ضعيف كما بيت العنكبوت. لقد استطاعت مقاومة محاصرة منذ سنين أن تلقنه درسا قاسيا. تصوروا لو ان دول المواجهة دخلت حربا حقيقية مع اسرائيل ولم تكن دولا انشئت اصلا لحماية اسرائيل وتأمين حدودها، ماذا كان سيحل بهذا «الجيش الذي لا يقهر» عندها سيقهر مرة اخرى والى الابد.
٭ كاتب فلسطيني
د. خليل قطاطو