المرأة في المجتمعات العربية بين الدين والنزعة الذكورية

حجم الخط
2

ماتزال قضية المرأة والموقف من كيانها وحقوقها في العالمين العربي والإسلامي، قضية خلافية وساخنة، وقد زاد بروز الجماعات الاسلامية بعامة والجهادية بخاصة، من حرارة الجدل حول القضية على خلفية تبني هذه الجماعات لمواقف تقيد حرية المرأة وتحد من حركتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وربطها بين هذه المواقف والدين الاسلامي الحنيف، في مقابل اراء ومواقف واسعة الانتشار تؤيد دعوات المساواة والتحرر من القيود وإشراكها في الحياة العامة، ورفض ادعاء الجماعات ان موقفها هو موقف الاسلام ذاته.
اين يكمن الخلاف وما موقف الدين من القضية، وما سبب التخلف الاجتماعي السائد؟.
يكمن التباين الحاد بين الموقفين في نظرة كل منهما الى طبيعة المرأة أهي انسان اولا وأنثى ثانيا ام انها انثى اولا وإنسان ثانيا، وما يترتب على الفكرة المحورية من نتائج وتستدعيه من مواقف وإجراءات، فالذين ينطلقون من اولوية الانوثة على الانسنة، وقد رتبتوا على الصفات العضوية للمرأة( العاطفة والحيض والحمل والإرضاع والأمومة) تفوق الرجل وأعطوها مرتبة ادنى منه في السلم الاجتماعي والإنساني، وحدوا من حريتها وحضورها في الحياة العامة لان جسدها وحضورها مصدرا للإثارة والفتنة والإغراء وتحريك غرائز الرجال وشهواتهم، فحضورها يدفعهم الى الدخول في خيالات عن مكامن الجمال والإثارة واللذة والانزلاق على صعيد المشاعر والتخطيط للولوج الى عالم المحسوس بالسعي الى التقرب عبر النظرات والتودد بالهمسات والكلمات التي لخصها القول الشائع:» نظرة فابتسامة فموعد فلقاء»، قال الاستاذ محمود المشوح (مفتى المياذين) في محاضرة في المركز الثقافي في دير الزور:» كان الرجل في هذا الوادي(وادي الفرات) يأخذ(كناية عن الاغتصاب) المرأة بالقوة فأصبح يأخذها باسم الحب». وهذا يستدعي، وفق مبدأ سد الذرائع، الفصل بين الجنسين وإبعاد المرأة عن الرجل بحجزها في المنزل، وعزلهما عن بعضهما بوضع معايير ومقاييس للحركة واللباس وتحديد دائرة علاقاتها واتصالاتها بذويها ومحارمها بحيث يتقيد بروز الفتنة وتحركها والحد من فرص نشوء الشهوة ومترتباتها، فالمرأة الانثى فتنة متحركة، جسدها، حديثها، لباسها في مواجهة الرجل الجاهز للاستثارة والتهيج عند أي احتكاك او تلاق او تلامس، بنزين ونار والعياذ بالله.
أما اصحاب الموقف الثاني الداعي الى حرية المرأة ومساواتها بالرجل فينطلقون من اولوية الانسنة وهذا يجعل حضورها في المجتمع طبيعي واعتيادي، وحاجة اجتماعية ويضعها على قدم المساواة مع الرجل في سعيه لصياغة بيئة اجتماعية متوازنة ومستقرة قائمة على علاقات تعارف وتعاون وتشارك وتكامل في الادوار بين الجنسين. فالمرأة والرجل، وفق هذه النظرة، ينتميان الى الجنس البشري وهما على سوية واحدة في الانسانية والعلاقة بينهما ضرورية وحتمية لاعتبارات الحياة والاحتياجات العاطفية والجسدية ناهيك عن دورهما في حفظ النوع بالإنجاب، علاقة ينظمها المجتمع كي تخدم حياة اجتماعية أمنة ومستقرة ومثمرة.
دارس القرآن الكريم والسيرة النبوية سيكتشف دون عناء ان الاسلام في نصوصه المؤسسة أقرب الى اصحاب الموقف الثاني وفي تضاد شبه مطلق مع اصحاب الموقف الاول، فالمرأة في القران الكريم انسانة اولا وهي صنو الرجل ولا تختلف عنه في بُعد الآدمية واختلافها العضوي لا يغير في هذا المعطى بل يؤكده لأنه يفتح على علاقة وظيفية وتكاملية يحتاجها الطرفان ويطلبانها ويسعيان الى تحقيقها اشباعا لمشاعر وعواطف ورغبات طبيعية وهي بالنهاية ضرورية للإنجاب حفظا للنوع، وقد جعل الاسلام لممارسة الجنس بين الزوجين أجرا، حسنة. قال تعالى:»هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن اليها»(الاعراف: 189) وقوله:»ومن آياته ان خلق لكم من أنفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون» (الروم:21). ومفردة زوج في اللغة العربية تنطبق على الذكر والانثى، وزوج توحي بالتكامل بشكل حاسم. وتأكيدا للمساواة في الانسنة بين الرجل والمرأة قال القرآن الكريم:» يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير»(الحجرات: 13). فالناس، النوع الآدمي، مخلوقون من ذكر وأنثى والمكانة والكرامة مرتبطة بالتقوى وليس بأي شيء آخر. والعلاقة بين الجنسين علاقة تكامل عبر التعاون والتشارك قال تعالى:»والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم»(التوبة:71)، والمساواة في الجزاء قال تعالى:»ان المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما»( الأحزاب:35). وتحديد الادوار وفق تقسيم عمل يستند الى اعتبار الأسرة (ذكر وانثى) الوحدة الاساسية للمجتمع، وعدم تحديده سقفاً أو محرمات أمام دور المرأة، وقد كان لافتاً أن القرآن الكريم في روايته لقصة بلقيس ملكة سبأ مع النبي سليمان أنه لم يعكس أي تحفظ حول موقعها في رأس هرم السلطة، ملكة في بلدها، بل نقل صورة إيجابية عن قيادتها لبلدها أنها لا تأخذ قراراً إلا بعد مشاورة مجلس حكماء في المملكة، وعليه فأن كل ما يقال عن قيود وحدود لدور المرأة في المجتمع هو من وضع فقهاء المسلمين، رأي/ اجتهاد بشر قابل للطعن والتعديل.
ودارس السيرة النبوية العطرة سيلمس تطبيقا عمليا لهذا التوجه الاجتماعي فقد قبل الرسول الاعظم مبايعة النساء كما الرجال وبذات الطريقة وضع اليد باليد والتعهد بالولاء والالتزام بالتعاليم، وقد كانت مناسبة لإبراز قسمة الجمال في موقفه حيث اعترض على النساء اللواتي لم يخضبن ايديهن بالحناء ودعاهن لفعل ذلك، وأتاح لهن الالتقاء به وسؤاله عن امور الدين وحضور الصلاة في المسجد والمشاركة في النقاش حول نصوص القرآن وتعاليمه، وسمح لهن بالمشاركة في الغزوات كمحاربات ومسعفات، وسعى الى اشاعة قيم الحب والمودة بين الجنسين عبر التصريح امام الجميع انه يحب عائشة، كي يشجع المسلمين، رجالا ونساء، على ازالة الحرج وتعبير الرجال عن عواطفهم لنسائهم، والنساء لرجالهن. وقد اشتكت اليه فتاة لان والدها رفض تزويجها ممن تحب ويريد تزويجها من رجل لا تحبه فاستدعى والدها وقال له:»الحقها بهواها»، وشكت اليه امرأة زوجها وطلبت منه تطليقها لأنها لا تحبه فقال لها:»اتعيدين له ما اخذت منه مهرا فقبلت فاستدعى الزوج وطلب منه تطليقها». ومنح المرأة حق وضع شروطها للزواج باعتبار الزواج عقد والعقد شريعة المتعاقدين.
اما استناد دعاة التقييد والمنع الى حديث النبي الذي رواه ابو بكرة «ما افلح قوم ولوا امرهم امرأة» ففيه الكثير من الافتئات وعدم الحصافة ذلك ان الراوي والحديث ينطوي على التباسات كبيرة وخطيرة اولها الراوي ابو بكرة المدان بشهادة زور في قضية الزنى ضد المغيرة وعدم التوبة بعد ذلك والآية القرآنية تقول:»والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم» )النور:4 و 5)، هذا من جهة ومن جهة ثانية مناسبة رواية الحديث حيث قيل ان ابا بكرة قاله للتملص من دعوة السيدة عائشة له بالالتحاق بها في موقعة الجمل، بينما قالت روايات أخرى انه روى الحديث بعد هزيمة جيش السيدة عائشة كتفسير للهزيمة كون الجيش تحت أمرة امرأة. وأما النقطة الاهم فان السبب الذي ذكر كمناسبة لقول الرسول ما قاله وهو تولية الفرس لابنة كسرى فليس ثابت تاريخيا حيث لم يرد في كتب التاريخ مثل هذا النبأ ما يعني ان الحديث مكذوب.
غير ان الروحية الايجابية تجاه المرأة في القرآن الكريم والسنة المشرفة بدأت بالانحسار والتلاشي مع وفاة الرسول الاكرم وانتهاء مرحلة الخلفاء الراشدين، فقد كانت التقاليد عند العرب المسلمين اعمق وأقوى من ان تزيلها التعاليم والتربية العملية التي نفذها النبي في مرحلة الدعوة القصيرة فبدأت الردة عنهما بعد سنين قليلة بدأت بمنع النساء من ارتياد المساجد والحد من حركتهن في الاسواق قبل ان تنهال عليهن حدود وقيود فقهاء البداوة والجاهلية الرعناء وقد مر على هذه القيود والحدود قرون جعلتها راسخة في المجتمعات الاسلامية وجعل التخلص منها عملية صعبة ومعقدة وتحتاج الى عقل جديد وثقافة جديدة وفقه جديد ترسي السلوك الاجتماعي على صحيح الدين وقيمه السمحة.
وقد اثبتت الدراسات النفسية والاجتماعية ان حضور الانثى في المجتمع ضرورة وحاجة جوهرية لحياة اجتماعية ونفسية سوية لان عزل الجنسين يخلق رضوضا نفسية لدى الجنسين عبر نشوء تصورات مريضة ومشوهة عن الجنس الآخر وبروز ميول الى الجنس المشابه، فقد نقل معلمون ومدرسون علّموا في السعودية صورة عن هذه الرضوض في نشوء حالات حب شاذ بين الذكور وميل الاولاد الى عشق بعضهم وسعيهم للحصول على صورة الآخر المعشوق وحملها بشكل دائم، ناهيك عن انتشار اللواط في مراحل الطفولة والشباب وعجز الشباب المرضوض عن مد جسور التعاطي مع الجنس الآخر وإقامة علاقات سوية وميله الى ممارسة الجنس في الدبر ان مع المومسات أو الزوجات.
واقع الحال ان النزعة الذكورية التي تعيشها المجتمعات الاسلامية ترجع الى تقاليد اجتماعية وثقافية تعود الى عصر البداوة، ففي المجتمع البدوي حيث مجالس الرجال ميدان للهو وشرب الخمر ولعب الميسر ايام الرخاء وغزوات ايام المحل والفاقة حوّل المرأة الى نقطة ضعف فهي غير قادرة على الغزو والقتال وهي هدف سهل للغزاة يسبونها فتتحول الى جارية تباع او يتزوجها احد الغزاة الذي قد لا يكون في مستواها الاجتماعي والقبلي ما يجعلها عارا لذويها وهذا ما حاولت البداوة التخلص منه عبر وأد البنات عند الولادة وتقييد حركة النساء والحجر عليهن على امل تحاشي العار. وقد ادرك مفكرون اسلاميون معاصرون خطورة الموقف السائد من المرأة فاجتهدوا في تصحيح الصورة بما ينصف المرأة ويعيد الاعتبار لموقف الاسلام الحنيف منها، منهم الشيخ محمد الغزالي والدكتور حسن الترابي والأستاذ جمال البنا والسيد محمد حسين فضل الله.
كاتب سوري

علي العبدالله

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية