صناعة الهامش والهجرة الثقافية

■ اليوم الذي قررت فيه شخصيات «المركز»، أنها معجبة إعجابا كبيرا بشخصيات الهامش الجدلية، دخلنا في نوبة إغماء جديدة من التزييف والتصنع، وأصبح المريدون يحجون من كل الجهات، في سبيل تحقيق شيء من تلك الجدلية اللافتة. حتى أصبح الهامشي الحقيقي مقوساً بمن زيفوا هذا الخط.
وبدل أن يكون اختراق الهامش للمركز، اختراقا على المستوى الثقافي والمعرفي والجمالي، حتى يكون هو الواجهة، أصبح الماء الذي تمتصه الاسفنجة حتى جف.
والآن نحن نعاني من وجود مركزين بدل أن يكون واحدا ومن هوامش كثيرة لا أحد يعيرها الانتباه بعدما تشوهت صورتها الحقيقية.
مركز موجود من الأساس وتألفت حوله كل أسباب النماء والتطور والتحضر في شتى مجالات العلوم الطبيعية والإنسانية، وعندما بلغ ما بلغ من الإشباع وطبع بالتكرار والقوانين الحادة، من جانب وإعجاب شخصيات المركز بشخصيات الهامش من جانب آخر، أدى ذلك إلى هجرة ذهنية لا أكثر باتجاه الهامش، هجرة مدفوعة
بالتذوق والسعي لتجريب شيء مختلف وجاذب، ليس من صنع المألوف واليومي المشاع، إلا أن هذه الهجرة أفسدت خصوصية الهامش، ذلك أنها شبيهة باستقطاب مفاهيم وسلوكيات وليدة الجغرافية ثقافيا واجتماعيا، وظروف المكان وطبيعته ومناخه، وإذا ما كان الهامش يقع على أعتاب مدينة ساحلية، أو يشتهر فيها النهر، أو تمتاز أرضه بوعورتها أو انبساطها. كل شيء في البيئة ينعكس على بعضه في جملة علاقات أولية، مؤدية إلى علاقات صريحة ينضج فيها المكون الثقافي إلى بنيات وشبكات مترابطة من الداخل ارتباطا وثيقا، حتى إن بدت من السطح، مفككةً ومتناشزة.
الصور الناتئة في عين الراصد، هي الصور التي لم تجد سبيلا لتوضيح علتها، ولم يتم فحصها بالشكل الدقيق، وعلى الرغم من تعقيد الدقائق الثقافية والاجتماعية، إلا أنها تعمل كأسباب ونتائج في آليات بسيطة. إذن كيف سيصح التشبه والتقمص واجتذاب القيم من منطقة إلى أخرى مختلفة في خصوبتها وقدرتها على إنماء أنواع أخرى من الظروف الثقافية؟ الأمر الذي أوصلنا اليوم إلى صناعة الهامش وهي تختلف عن الهامش الأصل في مكنوناتها، تشبهه في الظاهر، ما أنتج سلوكيات وقيمًا غير أصيلة تتداخل وتمتزج وتتناقض في شخصية متقمص المهاجر مع ثقافته ومكنوناته الأصلية، هذا التخلي المفاجئ غير المحسوب وضع الأفراد في ضياع قيمي وثقافي، على اعتبار أنه عائم ولا يجد له طينة خصبة للنمو. من ذلك تداعي الهامش وفقد روحه الفنية وتمايزه الإبداعي، تاركًا خلفه جثة المكان على سابق عهدها الأول، عندما كانت تدور في إطار من الانحدار والتدني الحياتي والمعيشي، تسعى سعيها القديم في ملاحقة رفاهيات المركز الأصل!

البطء والتخاذل في الحراك الترجمي، جعل القراءة منحصرة في أرقام معينة لعناوين محددة منذ سنوات.

أما تحول الهامش إلى مركز آخر فهو أيضا مدعاة للضياع والشتات، حيث أن دخوله آليات التحول نفسها أدى به إلى صناعة مركز لا يلائم مناخه الثقافي. غير أن كلا من المركز والهامش اكتسبا بشكل بديهي وجودهما من فكرة الثنائية المتناقضة، وفقدان أو تقنين هذه العلاقة هو ضرب لمركزية كل منهما داخل أرضه، وهو بمثابة صدع في وجودهما، فكلما ابتعدا، ازداد بروزهما وكلما تداخلا عمت الضبابية. هجرة العنصر الثقافي من مكان إلى آخر بفعل الإعجاب والرغبة، بدون فحص وتشخيص يدعو إلى الخلل ويضرب فكرة المختلف وصفة الاختلاف. ولعلّها من سلبيات التثاقف أو المثاقفة، على قدر ما له من أهمية، وكثيرا ما ركزت الأنثروبولوجيا الثقافية على هذا الموضوع. وإذا كانت الهجرة الثقافية بين منطقتين مختلفتين في إطار ثقافة محلية واحدة، تؤدي إلى الكثير من التشوهات والنشاز، مثل منطقة وسطى وجنوبية، أو وسطى وشمالية، أو شمالية وجنوبية، فكيف بالتداخل بين ثقافتين كلّيتين تنتميان لجغرافيا وحدود متباعدة! مع الأخذ بعين الاعتبار دور العولمة في تسهيل عملية الاختراق، وإضافة تسريبات ومنافذ جانبية على طول الطريق. وهذا لا يمنع من وجود ثقافات متجاورة تُنضِج بعضها بعضًا، خاصة أننا نعيش اليوم في بلدان تمتاز بالتنوع الثقافي، كما نشهد هجرة عشوائية من بلد إلى آخر. وكأمثلة على بعض ما ورَد، نرى في الإطار الأدبي والشعري التشبّه، برامبو وجان جينيه في السلوك الحياتي والشعري والتشبّه بجيفارا على المستوى الفكري والنضالي. وعلى مستوى الثقافة والاجتماع والنقد، خاصة في المناهج النصانية، التي أنتجتها الحضارة المادية الغربية، وطبقتها المؤسسات العربية.
وبلا أدنى شك فإن البطء والتخاذل في الحراك الترجمي، جعل القراءة منحصرة في أرقام معينة لعناوين محددة منذ سنوات، إلا من بعض الجهود الفردية الخالصة في ترجمة الإصدارات الحديثة في البلدان الغربية، أمثال قحطان جاسم ولطفية الدليمي وحسن ناظم في العراق، وآخرين يعملون بشكل فردي في الوطن العربي. هذا القصور والتلعثم في مجال الترجمة، أسس لانهدام ثقافي وخراب فكري غير محسوب، حيث إن الكتب المترجمة التي تصل إلينا على أنها إصدارات جديدة، تحمل طابعا مختلفا من الأفكار، لكنها في الوقت ذاته أصبحت تراثا بالنسبة للجهة المصدّرة، فنحن إلى اليوم نعتد بفلاسفة مثل غوته ونيتشه وهيدجر وسارتر وسيوران وألبير كامو وغيرهم، في الوقت الذي تعتبرهم تلك البلدان التي نشأ فيها هؤلاء الكتّاب، مجرد مرحلة فكرية لا أكثر، وراحوا يكملون تلك السلسلة بإضافة حلقات جديدة نسمع عنها ولم نطّلع عليها. الأمر الذي جعل القارئ العربي المختص وغير المختص في خانة التأخر، ويمتثل لأفكار وطروحات هي جديدة، من باب أنه لم يطلع عليها بعد، لكنها من باب آخر تحولت إلى أساس تُبتنى عليه وتستحدث خلاله نظريات في شتّى المجالات. وهو ما يقع على بقية الترجمات في إطار الشعر والأدب ككل، مخلّفا آثارا تراكمية يمكن الشعور بها الآن أكثر لكونها بدأت تتخذ شكلا خشنا وناتئا في الثقافة المحلية.

٭ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية