إسرائيل لا تحتاج إلى الـ (بي.دي.اس) من أجل مقاطعة السلطة الفلسطينية. كسلطة احتلال، يوجد لديها في مخازن متاجرها احتياطي كبير من الأنظمة والإجراءات التي تمكنها من المقاطعة وتدمير السلطة.
الخطوة التدميرية الأخيرة هي خصم جزء كبير من أموال السلطة بسبب المدفوعات لعائلات السجناء الفلسطينيين. ومع ذلك، لا يدور الحديث في نظر العالم عن مقاطعة تجويع مئات آلاف الفلسطينيين بذريعة دعم عائلات السجناء. وكل ذلك في الوقت الذي يحظى فيه كل المتورطين الإسرائيليين بنشاطات ضد فلسطينيين بحضن دافئ من قبل التأمين الوطني.
في هذه الأثناء، وفي مرمى الهدف، تقف الأكاديميا الفلسطينية، وبالأساس جامعة بيرزيت التي تتمتع بسمعة أكاديمية كبيرة، إضافة إلى مشاركتها الاجتماعية والوطنية في حياة المجتمع الفلسطيني. قرر الاحتلال تدمير الكادر الأكاديمي فيها، ليس بواسطة الاعتقالات، لا سمح الله، بل إنه ببساطة لا يمدد تأشيرات مكوثهم. كثير من المحاضرين في الجامعة الذين يسمون أجانب، هم فلسطينيون تماماً، ولكن بسبب الغطرسة الإسرائيلية لا يستطيعون الحصول على الجنسية الفلسطينية، وهكذا حظرت عليهم خدمة أبناء شعبهم. “الشخص السيئ لا ينام ولا يسمح للآخرين بالنوم”، يقول المثل العربي.
حسب منظمة “عدالة”، التي هي مع جمعية “الحق” وجامعة بيرزيت، بدأت بنشاط قضائي في هذا الشأن: في الأعوام 2017 – 2019 اضطر أربعة محاضرين أجانب بوظيفة كاملة في جامعة بيرزيت، إلى جانب ثلاثة آخرين بوظيفة جزئية، إلى مغادرة البلاد. ولم يستطيعوا مواصلة التدريس لأن إسرائيل رفضت تجديد تأشيرات مكوثهم.
“عدالة” تقدم قصصاً لمحاضرين حرموا من الحق وربما من واجب الإسهام في دورهم للمجتمع الفلسطيني؛ ليس في إعداد العبوات الناسفة، لا سمح الله، بل في النشاط الأكاديمي الذي يحتاجه الفلسطينيون جداً. هذا لا يقلق السياسيين الإسرائيليين ولا يمنعهم من الصراخ والاحتجاج على مقاطعة المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية من قبل العالم. تلك الصرخة، التي كلما مر الوقت يتبين أن كل هدفها هو زيادة شعبية أشخاص مثل الوزير جلعاد اردان وعضو الكنيست يئير لبيد، حيث إن مقاطعة حقيقية تقريباً غير موجودة.
أتوجه هنا إلى المحاضرين الديمقراطيين في الجامعات الإسرائيلية: ماذا تفعلون إزاء الظلم الذي يجري في ساحتكم الخلفية؟ لماذا لا ترفعون صراخكم ضد تنكيل الحكومة التي تعمل باسمكم؟ لماذا لم نسمع عن 200 – 300 أو ألف محاضر إسرائيلي يزورون جامعة بير زيت ويعلنون لبنيامين نتنياهو: “لسنا معكم”. إذا لم يكن هناك عمل جدي من جانب الأكاديميا الإسرائيلية فسيبقى هذا الأمر مذكوراً لها في سجلها إلى الأبد.
رغم أنني أرى في المقاطعة وسيلة شرعية عندما يدور الحديث عن هدف سام مثل التحرر الوطني، إلا أن المقاطعة تخيفني بشكل عام. ولكن في الوضع القائم وإزاء الموقف السلبي للمحاضرين الإسرائيليين من معاناة زملائهم الفلسطينيين، أقول: “إذا كان الانغلاق سائداً فيجب مقاطعة المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية، الأمر الذي لا يغتفر هو أنه في الوقت الذي يصرخ فيه المحاضرون هنا ويحتجون على المقاطعة ضدهم في العالم، فإن جرافة الاحتلال التي تعمل أيضاً باسمهم تقوم بتدمير الأكاديميا – الأخت الفلسطينية. كلمة “أمر شائن” ولدت بالضبط لوصف هذا السلوك المخجل.
ويجب عدم نسيان أصدقائنا الألمان الذين يريدون مواصلة دعم الاحتلال الإسرائيلي بواسطة قرار مخجل للبوندستان بالإعلان عن حركة بي.دي.اس كحركة لاسامية. كل ذلك من خلال الخوف من أن يتهموا هم أنفسهم باللاسامية. وبهذا، من المهم أن يعرفوا أنه من كثرة تحمسهم كي لا يعتبروا هم أنفسهم معادين للسامية، فقد اجتازوا خطاً دقيقاً، والآن هم لاساميون تماماً تجاه شعب سامي آخر، الشعب الفلسطيني.
بقلم: عودة بشارات
هآرتس 29/7/2019