الفيلم الدانمركي «أرض الألغام»… نقد البطولات الزائفة وتشريح الماضي

إنّها إفرازات الحرب العالمية الثانية وانعكاساتها على الإنسان الفرد، الذي وجد نفسه، مُرغما على كراهية خصم مؤطر بعرق وهوية مغايرة. وهكذا تتحول الحروب، بمصالحها وأجنداتها، إلى شظايا من العواطف المشوّهة، التي تنهل من معين كراهية يتفجّر بين الشعوب المتجاورة هذا ما طرحه الفيلم الدنماركي «أرض الألغام».
فيلم يصوّر لنا العداء الذي ينشأ بين البشر بدون دوافع مفهومة. تصل إلى حد التشفي بالعذاب، الذي أخرجه وكتب السيناريو مارتن زاندفيلت، وهو مخرج دنماركي، أغضب الكثير من الدنماركيين، حينما أخرج هذا الفيلم، الذي يُظهر فيه حقيقة القسوة التي تلقاها الأسرى الألمان على يد الدول المنتصرة. وهو من الأفلام القليلة التي تميزت بالموضوعية والبساطة والصدق. فليست هناك بطولات خارقة في الحرب والذي تعودناه من النمط الأمريكي الهوليوودي الذي يمجد البطولات الزائفة، على حساب الحقائق التي تلتصق بالطبائع البشرية. وقد يكون من الأفلام القليلة التي سعت إلى إدانة القسوة تجاه الإنسان، حتى إن كان عدوّا، وقد استند الفيلم إلى بعض الوثائق لاستخدام الحلفاء الكثير من الأسرى الألمان من أجل إزالة الألغام التي زرعها الجيش الألماني، أثناء الحرب على طول الشواطئ الدنماركية. ففي بداية الفيلم، يظهر طابور من الأسرى الألمان، وهم يسيرون بحراسة الجيش الدنماركي، وكان العريف (رسموسن) يسير في سيارته الجيب، حينما لمح أحد الأسرى الألمان وبيده العلم الدنماركي. فما كان من الرقيب إلا أن نزل إلى الأسير وأدماه بالصفعات والركلات وهو يصرخ به:
هذا علم بلادي، ولا يحق لك أن تلمسه.


هذا العريف سلمته القيادة أربعة عشر أسيرا ألمانيا، تتراوح أعمارهم ما بين أربعة عشر إلى ثمانية عشر عاما. في مهمة نزع الألغام. قال لهم بعنجهية المُنتصر:» أترون هذه الأعلام، بينها خمسة وأربعون ألف لغم أرضي، عليكم إبطالها وإزالتها.

لقد كان المخرج شجاعا وهو يقدم الدليل على انتهاكات بلده لحقوق العدو، ورغم أنه عانى من ردود فعل دنماركية ضدّه، ولكنه كان أكثر صدقا من غيره، فقد أكّد من خلال هذا الفيلم على أن النبتة الإنسانية تتحدى ما يُحيط بها من صخور الكراهية.

وعندما تنتهون من ذلك يمكنكم العودة إلى الوطن «. وقد مارس العريف ضدهم كل ما يملك من قسوة لا إنسانية، ومنها الحرمان الكامل من الطعام، فيخرجون من الفجر لنزع فتيل الألغام وإخراجها. في ظل ظروف التجويع القسري والإنهاك الجسدي. وعدم الخبرة في تفكيك العبوات. في أحد الأيام حاول أحد الأسرى أن يلامس النبض الإنساني عند الرقيب بقوله:
«أنا أعلم لماذا تكرهنا ولا تهتم إنْ تَفَجّرّنا أو مُتنا جوعا، ولكن ليس من الجيد أنْ نموت ونحن نمسح الألغام على الشاطئ». هذه النبرة المتضرعة اليائسة من الأسير، تعكس مدى الأوجاع التي يكابدها هؤلاء الصبيان الصغار، الذين وجدوا أنفسهم بين مخالب الموت والكراهية. وفي أحد الأيام كان الجندي التوأم (فيرنر) يحاول نزع فتيل اللغم، ولكن موجة التقيؤ التي انتابته جعلت اللغم ينفجر بين يديه المرتعشتين، فحمله رفاقه إلى سيارة لتنقله إلى المستشفى. وقد اتضح للرقيب بأن تلك المرأة التي تسكن بجوار غرفة نومهم في المزرعة، أعطتهم طعاما ملوّثا بفضلات الفئران، ما أدى إلى تسممهم. وحينما سألها العريف رسموسن، لماذا فعلت ذلك؟ أجابت : «على أيّ حال، شاركتُ بمعاقبة الألمان». وكانت تلك نقطة في تحوّل العريف، فبدأ يجلب لهم الغذاء بنفسه، من الثكنات الدنماركية بدون علم رؤسائه.
وفي خضم البحث عن الألغام كان سلوك العريف يتحسن تدريجيا تجاههم. حتى تكونت شبه صداقة بين الأسرى وبينه، وحينما أوشكوا على إزالة الألغام، تحسنت العلاقات بينهم، حتى شاركهم في اللعب على الشاطئ، ولكن موت كلب العريف بانفجار لغم لم يُكْتَشَف سهوا من قبل الأسرى. أعاد الأمور إلى نقطة الصفر، فعاد إلى طبيعته القمعية الأولى، وأمرهم بتمشيط الشواطئ من جديد بواسطة أقدامهم، وهم يمشون بجنب بعضهم.
وفي أحد الأيام دخلت المرأة التي سممتهم، وهي تستنجدهم في البحث عن طفلتها الصغيرة، التي دخلت إلى حقل ملغوم مجاور للحقل الذي نظفوه.. فهرع الأسرى لإنقاذها، فدخل التوأم الثاني الذي فقد أخاه بسبب طعام تلك المرأة، فأنقذ الطفلة وبدلا من العودة إلى مجموعته، فانه فضّل المشي في حقل الموت المزروع بالعبوات، حتى مزقته الألغام .وحينما انتهت مهمتهم العسيرة، التي كبدتهم موت أكثر من ثلثيهم، وكان عليهم العودة إلى الوطن، حسب وعد العريف، ولكن القيادة العسكرية الدنماركية حنثت بوعدها. فأرادت ان تضم الأربعة إلى أسرى آخرين للعمل في إزالة مزيد من الألغام، ولكن العريف (رسموسن) تحدى قيادته وتحمل عصيان الأوامر، فاوصل الأسرى الأربعة إلى الحدود، وأطلق سراحهم.
لقد كان المخرج شجاعا وهو يقدم الدليل على انتهاكات بلده لحقوق العدو، ورغم أنه عانى من ردود فعل دنماركية ضدّه، ولكنه كان أكثر صدقا من غيره، فقد أكّد من خلال هذا الفيلم على أن النبتة الإنسانية تتحدى ما يُحيط بها من صخور الكراهية.
وكأن هذا العمل السينمائي بقيمه النبيلة، قد قام بعملية تطهير للماضي، من أجل بناء مجتمعات إنسانية معافاة من الحقد والحروب.

٭ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية