بغداد ـ «القدس العربي»: أقرّت المفوضية العليا المستقلة لحقوق الإنسان في العراق (خاضعة لرقابة البرلمان) بتعرض موقوفين إلى معاملة قاسية وتعذيب في مقرات الاحتجاز، بهدف انتزاع الاعترافات منهم، فضلاً عن حالات اختفاء قسري، الأمر الذي دفع هيئة رئاسة مجلس النواب إلى مطالبة المفوضية بـ«وثائق» تثبت وجود هذه الحالات.
وفي 19 تموز/ يوليو 2017، صوّت مجلس النواب على أعضاء مجلس المفوضية العليا لحقوق الإنسان المُصنُفة ضمن الهيئات المستقلة في الدستور العراقي، ولا تعدّ جهة حكومية، غير أنها تخضع لرقابة البرلمان.
رئيس «المفوضية العليا لحقوق الإنسان»، عقيل الموسوي، عبّر عن شديد أسفه «لما يرد عن حالة عدم احترام لحقوق الإنسان وضروب المعاملة القاسية داخل مواقف الاحتجاز والتوقيف واستخدام التعذيب الجسدي والمعاملة القاسية كطريقة في انتزاع الاعترافات وبطرق بدائية لا تنسجم مع التطور الملحوظ في هذا المجال».
جاء ذلك في رده على ما ورد من دور للمفوضية في مراقبة السجون ومواقف الاحتجاز والتحقيق الابتدائي داخل المؤسسة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية وإجراءات المفوضية المتخذة في حال ورود شكاوى بذلك، عبر الموقع الرسمي للمفوضية.
وأضاف: «المفوضية تتابع وبقلق كل البلاغات والشكاوى الخاصة بذلك، وتشكل لجان التقصي وفرق الرصد للتحري والتحقيق الأولي عما يرد إليها ودون كلل، وسبق وأن رفعت تقارير بذلك».
وعن حالة حصول وفاة الموقوف، ماهر راضي حسين الرماحي، داخل مركز شرطة الغري (في النجف) من جراء التعذيب، قال: «على الفور وجهنا بتشكيل فريق لتقصي الحقائق من مكتب مفوضية حقوق إنسان النجف الأشرف، وقام بزيارة الموقف، بتاريخ 3 تموز/ يوليو 2019، واللقاء بالموقوفين، ومن ضمنهم (المتوفى) وبشهادة الذين كانوا معه، وتم توثيق حصول الكدمات على الأجساد بشهادة الطب العدلي، ووثقنا ذلك في تقرير رسمي، كما وطالبنا ذوي الموقوفين بتقديم البلاغات في ذلك رغم نفي بعض الموقوفين معه حصول أي تعذيب لهم والسبب غير معلوم».
وأضاف: «إننا ومن واجبنا المكلفين به، شددنا على مكتب المفوضية في النجف الأشرف بالاستمرار بمتابعة الإجراءات المتخذة وتحريك الشكاوى إلى محكمة حقوق الإنسان».
لجنة برلمانية تتابع الخروقات الإنسانية لبعض الأجهزة الأمنية داخل مراكز الاحتجاز
وتعهد رئيس المفوضية العليا المستقلة لحقوق الإنسان، بـ«ملاحقة كل أفعال التعذيب وسوء المعاملة القاسية، وتحيلها (المفوضية) إلى القضاء لمعاقبة مرتكبيها بغية إنصافهم»، داعياً في الوقت عيّنه جميع المؤسسات المعنية وأفرادها إلى «الالتزام التام ببنود اتفاقية مناهضة التعذيب».
وفي تطورٍ لاحق، عدّت، لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب الاتحادي، وفاة المتهم الرماحي في أحد سجون النجف، «خرقاً إنسانياً».
بيان للجنة ذكر: «نحيطكم علماً أن لجنة حقوق الإنسان تتابع عن كثب الحالات التي تمارس فيها بعض الأجهزة الأمنية خروقات إنسانية سلبية داخل مراكز الاحتجاز».
وأكدت اللجنة أن «هذه الممارسات تتنافى مع مبادئ حقوق الإنسان والاتفاقات الدولية التي وقع عليها العراق على مناهضة التعذيب»، مشددة على أهمية «دور الحكومة العراقية والقضاء العراقي باستخدام صلاحيتهم التنفيذية والقضائية لمحاسبة المتورطين».
وحسب البيان، فإن اللجنة أهابت بـ«جهود كوادر المفوضية العليا لحقوق الإنسان ومكاتبها والمنظمات المدنية والسلطة الرابعة بضرورة إبلاغ لجنة حقوق الإنسان عن أي حالات يرونها تتنافى مع مبادئ حقوق الإنسان».
وفي الأسبوع الماضي، كشفت المفوضية عن أعداد العراقيين المختفين «قسراً» خلال الأعوام 2017 و 2018 و2019، مؤكدة أنها وصلت إلى أكثر من 7000 آلاف حالة اختفاء.
جاء ذلك على لسان عضو المفوضية، أنس العزاوي، في تصريح تناقلته عدد من المواقع الإخبارية، أشار فيه إلى أن «الذين تأكد وجودهم في المعتقلات والسجون يبلغ عددهم 652». وأوضح أن «هذه الأرقام لا تشمل الذين اختفوا في فترة وجود تنظيم الدولة الإسلامية (2014-2017)، كما لا تشمل محافظات إقليم كردستان العراق».
أشار حينها إلى «وجود عراقيل تمنع المفوضية من الوصول إلى المختفين قسرياً، حيث لا يوجد تعاون من قبل بعض المؤسسات التنفيذية المسؤولة عن السجون والمعتقلات بحجة الإجراءات الأمنية».
ودعا الحكومة العراقية إلى ضرورة «مساعدة المفوضية في الوصول إلى حقيقة المختفين قسرياً ومساعدة عوائلهم في معرفة مصيرهم ومحاسبة المقصرين».
وكانت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، دعت، في أيلول/سبتمبر 2018 الدول التي تُقدم مساعدات عسكرية وأمنية واستخبارية للعراق، إلى حث السلطات العراقية على التحقيق في مزاعم الاختفاء القسري.
وقالت المنظمة إنها وثقت 74 حالة لرجال وأربع حالات لأطفال اعتقلتهم قوات الجيش والأمن العراقية، بين نيسان/أبريل 2014 وتشرين الأول/أكتوبر 2017، واختفوا قسراً.
وسبق أن أعلنت مفوضية حقوق الإنسان، في نهاية 2018، تلقيها أكثر من 4800 شكوى ومناشدة بادعاءات حول وجود حالات اختفاء قسري في مختلف المحافظات العراقية.
في تطورٍ لاحق، خاطب النائب الأول لرئيس مجلس النواب، حسن الكعبي، أمس الإثنين، المفوضية العليا لحقوق الإنسان، مطالباً إياها بوثائق تثبت وجود حالات اختفاء قسري في العراق.
وقال مكتب الكعبي في بيان، إن الأخير «خاطب، المفوضية العليا لحقوق الإنسان مطالباً إياها بتزويده بالتقارير والوثائق الرسمية التي استند عليها عضو مجلس المفوضين السيد (أنس أكرم العزاوي) عبر تصريحه الذي أكد فيه وجود 7663 حالة اختفاء قسري خلال العامين والنصف الأخيرين»، مشيراً أن «التصريح كان له ردود أفعال سلبية في الشارع العراقي والمحيطين الإقليمي والدولي، لا سيما وكونه صادراً من شخص مسؤول في مؤسسة رسمية تعنى بحقوق الإنسان».
ودعا الكعبي «عبر الكتاب الرسمي المرسل، يوم 28 تموز/ يوليو 2019، المفوضية لتزويده بالوثائق ليتسنى له عرضها أمام مجلس النواب ولجانه النيابية المعنية لاتخاذ ما يلزم ومحاسبة المقصرين في حالة ثبوت صحة الادعاءات المذكورة من عدمهــا، لكونها تشكل حالات انتهاك خطيرة في ظل نظامنا الديمقراطي»، مطالباً إياها بـ«تزويده أيضاً بالتقارير السنوية المنصوص عليها في البند (ثامناً) من المادة (4) من قانون المفوضية العليا لحقوق الإنسان رقم 53 لسنة 2008 المعدل، عن السنوات المذكورة».