دمشق – «القدس العربي»: انسحبت فصائل المعارضة، أمس الإثنين، من مواقعها الهامة في قرية تل ملح بريف حماة الشمالي، بعدما دمر سلاح الجو الروسي والسوري المنطقة بآلاف الغارات والصواريخ الشديدة الانفجار، وكثف قصفه على محور «تل ملح والجبين» والطرق المؤدية إليه، تبعته تقدم بري للقوات المهاجمة، ما أجبر فصائل المعارضة على إخلاء مواقعها لصالح قوات النظام التي كثفت غاراتها في اليوم التسعين من التصعيد الأعنف، ضمن المنطقة العازلة شمال غربي سوريا.
وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن قوات النظام تمكنت من استعادة السيطرة بشكل كامل على قريتي تل ملح والجبين بريف حماة الشمالي، بعد نحو 50 يوماً من سيطرة الفصائل المسلحة عليها، تزامن ذلك مع تكثيف الطيران المروحي غاراته على محور كبانة في جبل الأكراد شمالي اللاذقية، ومناطق عدة في ريفي حماة الشمالي والشمالي الغربي، بالإضافة إلى استهداف مناطق في ريف إدلب الجنوبي، كما شنت الطائرات الروسية عدة غارات على أرياف حماة وإدلب واللاذقية، بالتزامن مع قصف بالقذائف الصاروخية من قبل قوات النظام في المناطق ذاتها.
القائد العسكري في غرفة عمليات الفتح المبين التي تضم مجموعة فصائل معتدلة وأخرى مصنفة أمنياً، «أبو خالد الشامي»، تحدث لـ«القدس العربي» عن انسحاب الفصائل من «تل الملح» الإستراتيجي، وقال إن مقاتلي غرفة عمليات الفتح المبين سيطروا على قريتي الجبين وتل ملح، في الخامس عشر من شهر حزيران الفائت، و«دخلوها بعد هروب فلول مرتزقة الأسد، ومنذ ذلك الحين بدأت محاولات قوات العدو -بقيادة روسية- استعادة البلدتين، فكانت مرحلة تدمير البنى التحتية لهذه البلدات، وحاولت مرتزقة الأسد التقدم لكنها فشلت في جميع المحاولات، وخسروا بها عشرات القتلى والجرحى، وسطر المجاهدون، خلال هذه المعارك، أروع الملاحم ومعاني الصمود والثبات، لم يستطع هؤلاء المرتزقة التقدم شبراً واحداً، فلا طاقة لهم بمواجهة مقاتلينا، ولم يسجل تقدم واحد لصالحهم بعد مواجهات مباشرة».
وبعد إدراك الروس مقدار هشاشة ووهن ميليشيات النظام وعدم قدرتهم على مواجهة مقاتلي المعارضة، بدأت قوات موسكو بحشد كل ما تملك من عتاد ومدفعيات وطائرات، كما استقدمت باخراتها المحملة بالذخائر التي تغافل عنها العالم بأسره، ليبدأ بمحاولة تقدم جديدة، وبعد ثلاثة أيام من صب حمم طيرانهم وقذائفهم على رقعة صغيرة من الأرض الهشة في الجبين وتل ملح، حيث بلغ عدد الطلعات الموثقة 285 طلعة جوية للحربي الروسي عالي الدقة، و200 طلعة جوية لمروحيات البراميل، و400 غارة جوية للحربي الرشاش.
وشكلت هذه الغارات أرضاً محروقة تثبت ضعف قوات النظام وقادة عملياته وعدم قدرتهم على المواجهة.
إلى ذلك، قالت مصادر إعلامية موالية إن قوات النظام تمكنت، صباح الأحد، من استعادة السيطرة على بلدة الجبين في ريف حماة الشمالي الغربي بعد اشتباكات عنيفة خاضتها مع مسلحي تنظيم جبهة النصرة وحلفائه، وقالت وكالة سبوتنيك الروسية إن عمليات النظام مستمرة في مناطق ريف حماة الشمالي الغربي منذ صباح أمس، مشيرة إلى مواصلة تقدم الميليشيات من تل الملح الإستراتيجي بريف حماة الشمالي الغربي باتجاه بلدة الجبين.
من جهة أخرى، قال محمد حلاج، مدير فريق «منسقو استجابة» سوريا إن عدد الضحايا من المدنيين بلغ، منذ بداية الحملة العسكرية الثالثة لنظام الأسد وروسيا على شمال غرب سوريا مطلع شباط وحتى نهاية شهر تموز الجاري، أكثر من 1150 مدنياً، بينهم ما يقارب 280 طفلاً وطفلة.
ولفت إلى أن أكثر من 200 منشأة من المرافق العامة والمنشآت الحيوية تضررت حتى الآن جراء الحملة، بعضها تم استهدافها بشكل مباشر، ومنها بشكل غير مباشر، ومنها تعرضت للاستهداف لأكثر من مرة خلال الحملة، كما تسببت الحملة في موجة نزوح ضخمة، حيث تجاوز عدد النازحين حتى الآن أكثر من 700 ألف نسمة، مشيراً إلى تخوف كبير من ارتفاع عدد النازحين إلى أكثر من مليون نسمة بسبب توسع الحملة العسكرية باستهداف المدن الكبرى، لافتاً إلى حملة نزوح جديدة بدأت اليوم من مدينة «أريحا» نتيجة الاستهداف المتكرر.
وتستمر قوات نظام الأسد وروسيا في استهداف النقاط الطبية والمشافي الميدانية في ريفي حماة وإدلب، والطواقم الطبية في مدينة «كفرزيتا» بريف حماة، ما أدى إلى مقتل ثلاثة من المتطوعين في منظومة الإسعاف في مديرية صحة حماة الحرة.
وأفادت مصادر محلية بأن الطيران الحربي الروسي قصف بشكل مباشر سيارة إسعاف تتبع لمديرية صحة حماة الحرة في مدينة «كفرزيتا» بريف حماة الشمالي، ما أدى إلى مقتل مسعفين اثنين وسائق السيارة على الفور، وطالبت المديرية، في بيانٍ لها نشر على موقع التواصل الاجتماعي «الفيسبوك» أمس، مؤسسات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بتحمل مسؤولياتها بوقف القصف وحماية الكوادر الطبية والجرحى من الاستهداف المباشر.
وأشار البيان إلى استمرار التصعيد العسكري في الشمال السوري من قبل النظام وحليفه الروسي، وقال إنه «يستمر معه قتل جميع أشكال الحياة واستهداف الطواقم الطبية والاسعافية العاملة في المجال الإنساني»، معتبراً أن ذلك فيه انتهاك للقوانين الدولية والأعراف الموصى بها في مقررات الأمم المتحدة لسلامة المدنيين وتحييد الكوادر الطبية والإنسانية عن الاستهداف المباشر.
وأضاف بيان المديرية أنه «في انتهاك جديد بحق الكوادر الطبية، استهدف طيران الاحتلال الروسي سيارة تابعة لمنظومة الإسعاف في مديرية صحة حماة بشكل مباشر، والذي تسبب باستشهاد المسعف مصطفى الحسن، والمسعف سليمان المحمد والسائق عبد الباسط مبارك».
وحمّلت المديرية المجتمع الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة مسؤولياتهم لوقف القصف وحماية الكوادر الطبية والجرحى من الاستهداف المباشر دون تمييز، مؤكدةً على استمرار المديرية عبر منظوماتها الطبية والإسعافية في عملها تجاه المدنيين والعمل على إنقاذ حياتهم.
وكانت تقارير ميدانية قد ذكرت بأن القصف الروسي وقصف النظام استهدف 63 مستشفى ومركزاً طبياً و27 مركزاً للدفاع المدني السوري، و91 منشأة تعليمية وثمانية مخيمات للنازحين، و14 مخبزاً آلياً و13 سوقاً شعبياً إضافة إلى محطتي مياه وثلاث محطات كهرباء، منذ بدء العمليات العسكرية لروسيا والنظام على مناطق خفض التصعيد في شهر شباط.
وبدأت منذ ما يزيد على 90 يوماً طائرات نظام الأسد وروسيا بحملة قصف جوي على المناطق الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة، استهدفت بشكل مباشر المرافق العامة والمشافي والمدارس ونقاط الدفاع المدني والنقاط الطبية، ما أدى لتدمير عشرات المرافق العامة والطبية واستشهاد العديد من المتطوعين فيها.