المطلوب تطوير العمل الأثري المصري وإعادة هيكلة الوزارة الجديدة:
القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني: طالب عدد كبير من الآثاريين بضرورة إنهاء احتكار البعثات الأجنبية لأعمال الترميم والتنقيب عن الآثار، وتمصير أعمال الصيانة والمكتشفات الأثرية، وإنشاء مدرسة متخصصة في أعمال الترميم الأثري بمختلف جوانبه.
ودعا الآثاريون في ندوة ‘مستقبل العمل الأثري في مصر’ في بيت السناري الآثاري التابع لمكتبة الإسكندرية في القاهرة مساء الأربعاء إلى ضرورة تطهير المؤسسة الأثرية من الفساد، والبدء فورا في تأسيس نقابة للآثاريين ترعى مصالحهم، وتحقق أهدافهم لخدمة العمل الأثري. وناقش المشاركون الأوضاع الراهنة للعمل الأثري في مصر بدءاً بالآثاريين ومعاناتهم في العمل ودورهم في الحفاظ على التراث وتطوير العمل داخل مؤسسة الآثار المصرية وزيادة الدخل القومي لمصر من الآثار.
وكشف حضور الندوة أن قادة النظام المخلوع من أمثال زكريا عزمي وصفوت الشريف وفتحي سرور كانوا يطالبون مسؤولي الآثار بتعيين أشخاص بعينهم في مواقع مهمة بالمجلس الأعلى للآثار، قبل تحويله إلى وزارة دولة، ‘وأن أمثال هؤلاء ارتكبوا جرائم فساد عديدة في المؤسسة الأثرية، وقاموا سريعا بعد الثورة بترك مناصبهم’. وانتقد الحضور الاختيار العشوائي للمقتنيات الأثرية لعرضها في المتاحف مؤكدين أنه لا يعقل مثلا الاستعانة بآثار من الأقصر لعرضها في المتحف القومي في الإسكندرية، أو الاستعانة بآثار من محافظة أخرى لعرضها مثلا في متحف الأقصر، وهكذا. ودعا الحضور قادة العمل الأثري إلى تجنب استعراض الحديث المتكرر عن الذات، وتحقيق مصالح شخصية على حساب العمل الأثري، منتقدين البطولات الزائفة التي وصفها بعضهم فيما يتعلق بما نسبته شرطة السياحة والآثار لنفسها بضبط الآثار المسروقة من المتحف المصري، وإهدار دور الأثري محمد عبد الرحمن، الذي كان السبب المباشر وراء استعادة هذه القطع. وخلال الندوة حرص الدكتور خالد عزب، المشرف على بيت السناري، على تكريم الأثري محمد عبد الرحمن، وإهدائه مطبوعات مكتبة الإسكندرية، تكريما لدوره في تتبع 12 قطعة أثرية كان اللصوص قد قاموا بسرقتها من المتحف المصري في التحرير، وتمكنه من الوصول إليهم، واستعادة هذه القطع كاملة، بعدما قاموا بنهبها من المتحف عقب الفراغ الأمني الذي تسببت فيه الشرطة بانسحابها من الشوارع، عقب ما عرف إعلاميا بـ ‘جمعة الغضب’. جاء التكريم ليعد الأول من نوعه، لتكون مكتبة الإسكندرية أول جهة تقوم بتكريم عبد الرحمن، وبالشكل الذي جعلها تسبق المؤسسة الأثرية ذاتها، فيما تم الكشف خلال اللقاء عن إهدار دور عبد الرحمن في تتبع اللصوص واستعادة الكنوز الأثرية المصرية من لصوصها، وتعريض حياته لخطر محقق، وذلك على خلفية ادعاء شرطة السياحة والآثار أنها هي التي قامت بهذا الدور، ما دفع رئيس الوزراء الدكتور عصام شرف إلى الذهاب بنفسه إلى مقرهم لتكريمهم، دون أدنى إشارة منهم إلى دور محمد عبد الرحمن في استعادة الآثار المسروقة.
كما كشف استعراض عبد الرحمن لرحلته مع لصوص الآثار أن حياته أصبحت في خطر محقق، بعد تلقيه لتهديدات متواصلة من أهالي اللصوص، الذين يتوعدونه بالقتل لكشفه عن أبنائهم وتسليمهم لضباط الشرطة، في الوقت الذي أصبح يفتقد فيه عبد الرحمن أمن حياته ووالدته المسنة. اللافت أن عبد الرحمن، والذي لم يتجاوز الثلاثين من عمره، هو مفتش آثار غير معين، ما دفع حضور الندوة إلى رفع توصية عاجلة إلى الوزير المكلف زاهي حواس بأن يكون أول قرار يتخذه تعيين عبد الرحمن وتثبيته، وأن ينسحب ذلك على جميع غير المثبتين.
وشددت الندوة على ضرورة تنحية الخلافات الشخصية بين الأثريين، والالتفات إلى أولويات العمل الأثري في الوقت الراهن، ‘في ظل أعمال السلب والنهب، والتعدي على المواقع الأثرية في أنحاء مختلفة من البلاد’. واستهل الندوة مقدمها الأثري وجدي عباس أبو أحمد، المدير العام في قطاع الآثار الإسلامية، بالتأكيد على أن هدفها ليس توجيه نقد لأشخاص، ولكن الاهتمام بالعمل الأثري وتطويره، وتنحية الخلافات الشخصية جانبا، بعدما شهدت المواقع الالكترونية على مدى الأيام الماضية تراشقا بين الأثريين.
ورأى علي الأصفر، مدير آثار الهرم، أن ما تمت سرقته يعد من السرقات المحدودة للغاية، في ظل ما شهدته مصر من فراغ أمني مساء يوم 28 كانون الثاني ( يناير) الماضي، ‘وذلك بشهادة خبراء منظمة اليونسكو، الذين تفقدوا المواقع الأثرية في مصر قبل أسبوع، وقالوا إنه لولا الدروع البشرية على المواقع الأثرية، لتم استنزاف الكنوز الأثرية الضخمة’. وطالب بإنهاء المشاكل المتوارثة مثل ‘العهدة’ الأثرية في حوزة الأثريين، لتكون مهمة رجال الأمن حماية الآثار وتأمينها، دون أن تكون للأثريين مسؤولية التأمين، وإعادة تقييم الأثريين ورفع كفاءاتهم عبر مختلف الجوانب.
وبدوره، انتقد الدكتور خالد عزب، المشرف على بيت السناري، تركيز علم المصريات على الباحثين الأجانب دون المصريين، ورفض بعض علماء المصريات الأجانب تعريب رسائلهم العلمية، ‘وهو ما يثير الدهشة والاستغراب’، على حد تعبيره. ودعا إلى إعادة النظر في دراسات الآثار في الكليات المتخصصة لها، ‘في ظل غياب علم الآثار البيولوجي أو علم الآثار البيئي من هذه الكليات، منتقدا الدفع الدائم بأساتذة جامعيين لإدارة المجلس الأعلى للآثار السابق، قبل تحويله إلى وزارة، ‘ما أفقد الطموح لدى الشباب، ودفعهم إلى الهجرة خارج مصر، أو الانزواء جانبا’. وانتقد عزب عزل الأثريين المصريين عن مشروع المتحف المصري الكبير لصالح شخصيات اعتبرهم لا علاقة لهم بعلم المصريات، مشددا على أهمية تصحيح هيكل أجور الآثاريين، وتعيين من هم أهل الاختصاص، وليس كما هو حاصل في قطاع المشروعات، على سبيل المثال، ‘حتى لا يرتبك العمل بمن هم غير آثاريين’. كما انتقد قيام ‘الآثار’ ببناء قصر فخم في منطقة عين الصيرة لشرطة السياحة والآثار من أموال الآثار نفسها، واستبعاد أي نقد أو اتهام إلى أفراد هذه الشرطة عند وقوع سرقات أثرية، ‘على الرغم من أن مسؤوليتها الأساسية هي تأمين المواقع الأثرية، ليذهب الآثاري ضحية هذه السرقات، دون أن تكون له نقابة تدافع عنه’. ورأى د. عزب أن هناك خللا في منظومة حفظ وتخزين الآثار التي ما زالت في العديد من المواقع دون المستوى المأمول، سواء من طرق حفظ أو تخزين أو تأمين حديثة، ‘حتى أصبح هدف شرطة السياحة والآثار فرض سيطرتها على المواقع الأثرية، خاصة ذات الطبيعة السياحية، وهو ما يحتاج إلى مراجعة الآن’. وقال إنه ‘إذا كان العمل في داخل المؤسسة الأثرية جيد، إلا أنه ليس بصورة ممتازة، إذ جرى خلال السنوات الماضية تجميد لمفهوم العمل الأثري، لولا اكتساب الخبرات عبر البعثات الأجنبية أو قيام بعض الآثاريين بتطوير أنفسهم، فلدينا ما يزيد عن مئتي آثاري يمكن أن يكونوا واجهة لمصر على غرار ظاهرة الدكتور زاهي حواس، لكن لا توجد خطة مرسومة من المؤسسة للدفع بهم إلى الحياة العامة’. وانتقد د. عزب التركيز في بعض المواقع الأثرية مثل التلال على البعثات الأجنبية، وتجاهل التأمين الصحي على العاملين في المناطق الأثرية الخطرة، ‘ما يجعلهم عرضة للإصابة بأمراض العيون والجلدية وحساسية الجهاز التنفسي، نتيجة الحفر في المواقع الأثرية’. كما انتقد تجاهل الآثاريين في المناطق الأثرية الإسلامية والقبطية، ‘على الرغم من إجادتهم العمل الأثري، غير أنه أكد أن العمل الأثري في مصر شهد تطويرا ملحوظا خلال السنوات الماضية، وبرز بصورة أساسية في مشروع القاهرة التاريخية، داعيا إلى استكمال المدرسة المصرية في الترميم.
ودعا إلى تعميق النشر العلمي، واستخدام تقنيات جديدة في علم الآثار، وتعظيم دور المؤسسة الأثرية عبر مراكز بحثية غير نمطية، وعدم مركزية القرار للمتاحف المصرية، ‘كونها الحافظ الأمين لكنوز مصر الفنية’. وشدد د. عزب على أهمية إدارة المتاحف الكبرى عبر مجالس إدارات، تكون لديها استقلالية القرار كالمتحف المصري والإسلامي والقبطي واليوناني والروماني وغيرهم.
وقال إن معظم متاحف مصر بلا أدلة للزوار بلغات أجنبية عديدة أو هدايا تذكارية تعبر عن مقتنياته، ‘وهي تعد من أهم موارد المتحف البريطاني في لندن والمتروبوليتان في نيويورك’، داعيا إلى تدريب إدارة المتاحف بصورة مستمرة خارج مصر، ‘خاصة مع وجود قصور في دراسات علوم المتاحف، بعدما تحول مركز الدراسات المتحفية في كلية الآثار في جامعة القاهرة إلى مكاتب للأساتذة’. وطالب د. عزب بضرورة وجود شركة للمعارض لإدارة معارض الآثار في الخارج، لتعظيم عائد مصر منها، وأخرى لإدارة المواقع الأثرية السياحية، وكذلك شركات أخرى لتطوير المناطق الأثرية والمطبوعات وبيع الهدايا التذكارية والقطع الأثرية المقلدة، وفصل هذه الشركات عن إدارة العمل الأثري.
ورأى أن دخل مصر من الآثار ما زال ضئيلا، ‘ويجب أن يمثل نسبة معقولة من الدخل العام لمصر، إذ لا يعقل استيراد القطع المقلدة من الآثار المصرية من الخارج، وإهمال الحرف التقليدية التي يجب أن تتحول إلى أحد مهام المؤسسة الأثرية، لأن وجودها يرتبط بالحفاظ على التراث الوطني’. ودعا د. عزب إلى نقل تبعية عدد من المتاحف إلى المؤسسة الأثرية، مثل المتحفين الزراعي والجيولوجي، وإخضاعها لشبكة وطنية للمتاحف، على أن تدعم هذه الشبكة بعض المتاحف كمتاحف الجمعية الجغرافية المصرية، التي تعد من أندر وأهم متاحف مصر.
وطالب بإجراء دراسة جدوى لبعض المشاريع الأثرية، وفق نوعية الدراسات المركبة كالمعطيات الثقافية والأثرية والاقتصادية والاجتماعية للمشروع، معتبرا أن مشروع متحف كفر الشيخ فاشل بكل المقاييس، داعيا إلى إعادة النظر فيه. ورأى أن متحف شرم الشيخ أضخم من الحجم المنطقي، منتقدا تأخر مشروع تطوير هضبة الهرم، وعدم وجود مشروع ملائم لقلعة صلاح الدين وميدان القلعة، على الرغم من كونها أكبر الميادين الأثرية في مصر، حتى أصبحت القلعة مهددة وفي خطر، لوجود مدرسة وخزان مياه، فضلا عن وجود مقر للحزب الوطني، وبالإضافة إلى ما يهددها من تآكل سواحل البحر المتوسط وارتفاع المياه الجوفية.
وانتقد عزب كذلك فشل التعامل مع المباني الأثرية والفيلات التاريخية التي تعود إلى القرن العشرين، ‘كل ذلك يتطلب سرعة وضع استراتجية وطنية للتعامل مع إدارة الآثار في مصر’. أما الآثاري محمد عبد العزيز، مدير الآثار الإسلامية في القاهرة والجيزة، فاعتبر أن هناك مشكلات حقيقية في المؤسسة الأثرية في مصر تتطلب الإحلال والتحديث، وإزالة الأجزاء الفاسدة بها، والوقوف على أرضية صلبة من العمل الأثري.
من جانبه، دعا الآثاري ممدوح جودة، مدير إدارة البعثات الأجنبية في الآثار الإسلامية، إلى إعادة هيكلة وزارة الآثار، وإنشاء قطاع للصيانة والترميم الدقيق، ووضع كادر خاص لجميع الآثاريين، وإنشاء قطاع لأمن الآثار في الوزارة، بدلا من إدارة الأمن القائمة، وفصل شرطة السياحة عن الآثار، وصرف بدل مخاطر للآثاريين.
وفي مداخلات حضور الندوة والتي شهدت حضورا هائلا من شباب الآثاريين وجيل الوسط منهم، طالبوا مكتبة الإسكندرية بتفعيل كافة التوصيات التي تمخضت عنها الندوة، والاستفادة العلمية في علوم المتاحف، والاهتمام بحرف الصناعات المتحفية، وإجراء تدريب إداري للآثاريين.
وأثار حضور الندوة ما اعتبروه فسادا يستشري في المكتب الفني في وزارة الآثار، وطالبوا الوزير المكلف الدكتور زاهي حواس بإلغاء هذا المكتب فورا، وإحالة أفراده إلى التحقيق، وهو ما رد عليه الأثري جمال مصطفى، مدير إدارة الآثار الإسلامية في المكتب الفني، بأنه في الوقت الذي يوجد فيه فساد بالفعل بهذا المكتب، إلا أن هناك أفرادا ليسوا فاسدين.
وقال إن أمثال هؤلاء الفاسدين كان يدفع بهم فتحي سرور وصفوت الشريف وزكريا عزمي وغيرهم للعمل بالآثار، وأن هؤلاء وقتما علموا بإسقاط نظام حسني مبارك انسحبوا من المكتب الفني.
ومن جانبه، اختلف الدكتور محمد عبد الرافع، مدير عام آثار كفر الشيخ مع الدكتور عزب حول متحف كفر الشيخ، مؤكدا أن المحافظة تستدعي متحفا لها، وان أبناءها حريصون على أن يكون لهم متحفهم لإبراز آثارهم عبر السنين المختلفة، خاصة وأن المدينة كانت تقوم بدور كبير في التاريخ المصري القديم والحديث على السواء، فيما دعا الآثاري أيمن الشيمي إلى سرعة تثبيت العاملين بعقود مؤقتة وفق آلية محددة، وتفتيت المكتب الفني لوزير الآثار.
وحضر الندوة عدد كبير من خبراء الآثار المصريين من جيل الوسط والشباب، وشارك فيها عدد كبير من الآثاريين من القطاعات المختلفة؛ مثل الآثار المصرية، والإسلامية، والمتاحف، والترميم، إضافة إلى منظمات المجتمع المدني المعنية بالآثار؛ مثل جمعية الفنون والآثار الإسلامية، وجمعية الآثار، وأعضاء من الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، وجمعيات الحفاظ على التراث المعماري.