كثيرا ما سألت نفسي، كيف أنتقي رواية أقرأها على تأن في مكان ظليل.
ربما الأجدر أن يكون السؤال، واضحا أكثر، لا لبس فيه. لماذا تقرأ الرواية؟
هل تقرأ الرواية باعتبارها حكاية ممتعة؟ تقرأ قبل النوم لجلب حلم جميل، أو باسترخاء على شاطىء بحر أزرق، لاستحضار زمن آخر، يشبع توق الإنسان العارم إلى عالم نقي مسربل بالحلم، يرى فيه رذاذ رغباته المكبوتة يطفو من عالم الأنا الداخلي، وعلى إيقاع هديلها الهني، تغمض الجفون وتأتي الأحلام . وسواء كان هذا هروبا من واقع بغيض، أو جريا وراء متعة متخيلة، فالقضية هنا، تنحصر في الحصول على أكبر قدر من المتعة.
ربما يرى البعض في الرواية مجالا سخيا، لرؤية ونبش وتعرية ذواتها كما هي، بجلاء. بأسرارها المبهمة، وخليطها المتناقض، الذي طالما أشيح النظر عنه. من خلال اقتحام عالم الروائي الخفي، وتلمس مدى رخاوة أو صلابة الأرض، التي يقف عليها الشخوص الذين يمنحهم الحياة، اكتناه أسرارهم، والتعرف على عوالهم، التي ينتزعها من شارع الحياة /بعجرها وبجرها/ ويدخلها في زواريب وأزقة الرواية، تحمل قدرها في الزمان والمكان، تمضي كما هي في الحياة، حارة ملتبسة، مخاتلة، فاعلة ومنفعلة في جمالها وضعفها، نفاقها وشرها وشهواتها، خامدة مثل كومبارس، تنتظر من يشعلها، لتنتهي من حالة السكون إلى حالة الحركة.
البعض يقرأ الرواية لتلمس الواقع. الواقع الذي تغمس به الحقيقة سكينها الحادة، من خلال حدث الرواية، الذي هو مجازها الكبير، شيفرتها السحرية التي تستفز كل أقنية التنبه واليقظة، يلهث وراءها، يلتقط اللمحة الذكية، والسرحة الملغومة، والنقلات النوعية المتلاحقة، والدلالات والرموز والتماهي بين الحقيقة والغياب، وتفهم كل أنواع الشكوك إزاء كل المسلمات. لكي يلتقط أي إشارة تستشرف المقبل، فهل يتوجب على الرواية أن تشعل الإشارة الحمراء؟ وإعلان حالة التأهب لما قد يستجد من أحداث؟ كثير من الأسئلة، والقليل من الأجوبة، بل ربما أنه لا جواب، إذ أنه ليس هناك من حقيقة مطلقة، الحقيقة دائما مخاتلة، إلا أنني أعترف بقدرة الرواية، على تحرير الكثير من أسئلة الحياة الملتبسة وإطلاقها إلى فضاء الواقع.
تستفزني العوالم العائمة بالشغف والهاجس، التي تؤرق الكاتب، فيبني منه عالما من التساؤلات الكبرى، ويضفي عليه ما يتوق من خيال، وبحث أزلي عن عالم يشبه أحلامه.
هذه المقدمة، تمهد لدعوى انغماسي في قراءة الرواية بشكل عام، أقع في حبها أو لا أقع، ما تبعثه في نفسي من فضول، ومن توق ملح للمضي في صفحاتها، أبحث عن مكاني فيها ومكان الآخرين، ما تعنيه لي من دهشة، وما تثيره من لهفة وإلحاح، لتذوق كل كلمة وكل حدث، والالتحام بروحها للوصول إلى النهاية، أم أن للرواية قدرات فاعلة، للانحياز لها بدون تردد، فهذا صحيح تماما. التاريخ حافل بأمثلة عن روايات أحرقت، وروائيين قتلوا وأودعوا السجون، كان قدرهم أنهم أحدثوا ثورة وتغييرا في مجالات الفكر والفلسفة والدين والحكم.
لا يمكن للرواية مهما جانبت الدخول في معمعة الواقع العربي، أن تنجو من حمأة الدخول في هذا المعترك، والبقاء في معزل، سواء كان هذا استعلاء أو خوفا من مقص الرقيب.
ومازال مقص الرقيب الغاشم يتدخل، ويعمل بهمة، لمنع الرواية من أن تكون فاعلة في واقع متجذر لا يراد له أن ينفتح على عالم حر. وهذا بالتأكيد يعتمد على قدرة الروائي، ومدى صلابة، وأمانة وحرية عالمه الداخلي، في الانحياز للحقيقة بدون مواربة. لكن الرواية لا تصنع بين الجدران المغلقة. خير مكان تنتعش فيه الرواية هو الشارع، هو من يمنحها الروح والهواء والحرية، وإذا كان لابد للرواية من عالم تنشط فيه، وأرض صلبة تقف عليها تستقي منها الحدث والوحي والإلهام، فهذا اليوم، هو يومها، وهو قدرها ومسرحها الكبير. فضجيج الشعوب العربية اليوم يصم الآذان.
لا يمكن للرواية مهما جانبت الدخول في معمعة الواقع العربي، أن تنجو من حمأة الدخول في هذا المعترك، والبقاء في معزل، سواء كان هذا استعلاء أو خوفا من مقص الرقيب، الواقع مكشوف اليوم، في كل مكان ثورة ونزيف وموت واعتقال وظلم وقهر، والرواية ليس لديها خيار، إن أرادت أن تكون حقيقية، فهي ممسوسة بعذابات البشر، ورغم أن الربيع العربي لم يزهر وبقي ربيعا كابيا، إلا أن التكلفة كانت عالية، تكشفت عن أوطان ممزقة منهوبة ومنكوبة، وعن أيديولوجيات تتماوت، وأخرى جديدة ترفع رأسها، وعن نسيج اجتماعي مهترئ، ومشهد ديني متفاوت ومتناقض، تهيمن عليه النبؤات الغيبية المؤدلجة بالسياسة، وجنون التطرف. وهكذا وجدت الرواية العربية نفسها، سواء أرادت أو لم ترد في قلب المعركة، غارقة في أتون هذا المشهد المأساوي. ربما تكون الرواية السورية المرشح الأول، للدخول في هذه العالم المأساوي، من بابه الأسوأ، حرب السنوات السبع، بما حملت من آلام مدمرة، قهر ثورة معتقل نزوح وموت ودمار، كانت مكلفة، بل فاقت تكلفتها كل الحدود، وبما أن الكتابة في هذا الحقل تتطلب الكثير من الإخلاص، ومن صوت الحقيقة، ومن كسر الأبواب المغلقة، وجدت الرواية السورية نفسها تواجه أسنة الرماح. وباءت كل محاولاتها بالفشل، لأن تبقى على أرضها، وفي مجازها وبيتها. ناورت لتستعين على الواقع بالفانتازيا والخيال، حاولت أن تحمي نفسها بالدخول في متاهات ودهاليز وأقبية مموهة بقصص العشق والغرام والثأر والانتقام، وترش على الموت سكرا، لكنها وجدت نفسها في النهاية تجلس على رصيف الغربة، تتطلع بحسرة، إلى الوطن الغارق، بعيدا من وراء الحدود.
أعترف بأنني لا أتقن فن النقد، ولا السرحان وراء البناء السردي التقليدي للفن الروائي، بل ربما أمضي أبعد في القول، إنني أرغب بأن أطيح، بكل الحواجز التي قد تعيق العمل الإبداعي، لا أنبش في التفاصيل والثغرات والخبايا واللغة و..و..إلخ، ولا أشرّح جسده على مذبح الواقعية، فهذا قد يستلب الكثير من سره، ويسرق من وهجه، هي كالوقوع في الحب تماما، حالة رائعة، نوع من الغرام لا تحايل فيه، تتركني عالقة في شرك المضي أكثر، قد تقود إلى منعطفات زلقة. أقع بشغف تحت سطوتها، والجميل أن تؤمن لي الرواية، طريق الخروج بنهاية مرضية، ليس فيها خاسر أو رابح، أو منكسر، أخرج منها أتنفس هواء حرا.
٭ كاتبة سورية