طُرف اليوم الأخير
عبد المنعم الشنتوفطُرف اليوم الأخيرربما البرد القارس الذي كان يتسلل من حيث لا يدري إلي عظامه هو الذي دفعه إلي أن ينسل دون تفكير إلي هذه المقهي الأنيقة الواقعة قبالة مسرح لاموني. ربما البرد اللعين ذاته من قذف به إلي الطاولة المركونة أسفل السلم الخشبي المؤدي إلي العلية ليتهالك فوقها وهو يتطلع بقرف إلي المعطف السميك الذي كان يرتديه والذي فشل دون شك في أن يشيع الدفء في جسده. يتذكر أنه اشتراه في السولد الأخير من محل سيلور الراقي بنصف الثمن وهو يمني النفس بالظفر العظيم، لكن.. ربما وقفة النادل ذي الشقرة البلقانية والقامة الفارعة ويده المدسوسة في جيب المريلة الزرقاء هي التي حملته علي أن يهمس بطلبه بسرعة وهو يبتسم ببلاهة. ربما الهاتف النقال الموضوع قرب المنفضة الذي يعرف أنه قد يرن من حين لآخر والذي يتمني لو أنه أصيب بنزلة برد من الدرجة الرابعة. ربما عينه التي تمسح الفضاء الخارجي بفضول زائد لتقع علي الإفريقي الشاب المستند برخاوة إلي سارية مسرح لاموني اليسري وهو يعبث بسلسلة مفاتيحه وينظر في اتجاه ثابت إلي موقف الحافلة 27. الشاب يرتدي ملابس ذات ألوان ضاحكة نكاية بالبرد والغيم والرماد. القبعة الصفراء التي كان يعتمرها وبشرة وجهه ذات السواد اللامع المثير جعلته أشبه بعباد الشمس. لوح فجأة بيده فاهتزت سلسلة المفاتيح بقوة ثم لم يلبث أن غادر وقفته واندفع راكضا. فنجان القهوة الذي اكتشفه وهو يعود من تلصصه الفاضح لا يدري متي وجد موضعه بجوار الأص الخزفي ذي اللون الأزرق الداكن. والذي يعرفه أن البخار لن يتصاعد منه وهو يحرك قطعتي السكر وأنه لن يستشعر تلك اللسوعة اللذيذة حين يرشف منه. ربما النادل الذي كان يتحرك كبهلوان بين الزبائن والطاولات هو الذي أوعز ليده بأن تمتد إلي جيب المعطف الخائن لتخرج منه الورقة البيضاء المطوية وقلم الحبر الأسود. يعرف جيدا أن العيون هنا تراقب وتؤثث عوالمها الممكنة؛ شأن هذه المرأة التي تهدف إلي الستين والتي ترشف شرابها دون أن تنظر إلي شيء. ولذلك، لا حرج عليه إن بسط الورقة وكتب من اليمين إلي اليسار..الإسباني الشاب الذي كان جالسا فوق المقعد الحديدي الأبيض والذي لاحت بقع الصدأ في مواضع منه والذي كان يلتهم بلذة ساندويتشة ويشرب من قنينة الكوكاكولا أوحي له بالبداية. الشاب كان يحرك رأسه يمنة وشمالا وصعودا وهبوطا كما لو أنه يبحث عن شيء ما. خصلات شعره ذي الحمرة الباهتة كانت تتموج بتأثير الحركة حين نهض بغتة وهو يقضم من الساندويتش ثم تواري خلف الباب. المدينة تشتعل بالأنوار والباخرة تتوغل آنا بعد آن في العتمة المتوحشة. حومة بني إيدر تلوح من خلف السور علي اليمين وجبل المنار علي اليسار والسيارات التي توالي الصعود والهبوط بسرعة كاتمة للأنفاس. اليوم الأخير أو هذا ما همس به لنفسه وهو يغادر السرير في ذلك الصباح، وكان أول ما فعله أنه جهز حقيبته واطمأن إلي وجود أغراضه الحميمة، ثم عنت له رغبة مجنونة اندفع بتأثيرها إلي المدينة. الحجر القديم والسماء والبحر والحيطان العالية الطافحة بالجير الأبيض التي كانت تتلقي حصتها من النور والمقهي الصغيرة بداليتها الأسطورية. اللحن الشجي الذي يغري بالحب والقهوة والعجوز ذو الطاقية الزرقاء المخططة بالأبيض الذي يتطلع بشغف إلي غليونه الطويل. حين احتوته الساحة العجيبة وأحس بفوضي الأصوات والروائح وهي تتخلله، لم يملك إلا أن يغمض عينيه لكي يتزود بما تيسر منها. الوجوه التي تنسل تباعا من الأزقة لتتجمع في شلال الضوء ثم ما تلبث أن تتفرق. الصراخ والضحك الذي ينفجر دون إشعار مسبق كلغم منسي ربما كان صدي بهجة طفلية. حين انتهي به المسير إلي الجامع الكبير، لم يدر إلا وقامة سامقة تنتصب أمامه. الشاب ذو البشرة القمحية والشعر السبط اللامع بتأثير نور الشمس كان يحدق فيه بإمعان ثم لم يلبث أن هتف باسمه بفرح وهو يشرع ذراعيه. الشاب الذي كان يتواري فيما يشبه السحر ليطل الطفل الذي يتذكر الآن ركضه بين الصفوف وقفزه فوق المقاعد هربا من عصا الأستاذ الشقيري. ذكري تلد أخري واليد القوية التي تسوق الكلام إلي منابعه الأولي. خيل إليه وهو يتطلع إليه أنه يكتشف صورة فوتوغرافية قديمة بالأسود والأبيض. وما يراه الآن في الإطار الخلفي لا يفي بحقيقة الأشياء؛ فالأدراج الرخامية الأربع التي تقود إلي الشرفة ليست متآكلة الحواف والبحر الذي يلوح في البعيد تلاشت زرقته المغرية ليحل محلها لون رمادي عكر يوحي بالوحشة. المدفعان المنتصبان وكأنهما يترقبان زحفا حاقدا والرجل ذو البنية الهائلة الواقف قبالتهما والذي يمسح بعينه المكان بحركة سريعة يبدو كجندي مغولي. ربما صوت الشاب الذي لم يتوقف عن الحديث والضحك وهو يحرك يديه في كل الأنحاء هو من أعاد إلي الأشياء معانيها وهيأ له فيما يشبه اليقين أن تفاصيل اليوم الأخير تترتب دون هوادة. الكلام الذي لم يقله لأمه ظل ناشبا في صدره علي امتداد ساعات العبور الثلاث. ربما بسبب ذلك، ألحت صورتها عليه وهو منتبذ خلف الطاولة لصق النافذة المستديرة الصغيرة التي تشبه الكوة. الإسباني الذي كان جالسا فوق كرسي دون مسند وقد أكب علي كتاب كان يمسك به بيده اليسري فيما اليد اليمني تمسك بسيجارة وتنتقل بإيقاع مدوخ بين شفتيه والمنفضة الغاصة بالأعقاب أكد له البداية. لو واتته الشجاعة لقال ذلك الكلام، لكن لمعة الكمد في عينيها خذلته. ربما العتمة الكثيفة التي كانت تتدفق من الكوة والتي ذهبت كل جهوده سدي في اختراقها هي التي حملته علي أن ينغمر دون أن يدري في شلال الضوء الذي جاد به عليه صباح مدينته إلي أن استوفت الرحلة تمامها. الحافلة التي كانت علي مشارف غرناطة والصباح يبث إشاراته الأولي، وفي غمرة الشخير الذي كان يعلو في الخلف والأحاديث الخافتة التي كانت تتردد برتابة في جنباتها، خيل إليه وهو يتطلع من خلل النافذة أنه يري منزل السيدة برناردا ألبا في كل مكان. أسفل تلك الربوة المغمورة بأشجار الزيتون والكروم أو غير بعيد من تلك القناة الملتوية، أو ربما خلف ذلك البناء الكبير ذي البياض الملتبس. لا يدري كيف اقتحم عليه المنزل وصاحبته خياله، لكن المشاعر الملتبسة التي وجد نفسه نهبا لها سرعان ما جنحت به إلي صورة أمه والكلام الذي لم يقله لها. المشكلة أن لم يكن ثمة شبه بين أمه والسيدة ألبا والتفاصيل التي كان يفيض بها المنزل والتي يعرفها جيدا لم تسعفه في شيء. الحافلة التي كانت تنساب بخفة بين شوارع غرناطة التي بدت له أشبه بامرأة حسناء غادرها رجلها دون سبب. فجأة وفيما يشبه اليقظة المباغتة، قفزت إلي ذهنه صورة أخري. الرجل ذو السمرة القوية والشعر الأسود الصقيل الذي كان يرتدي بذلة بيضاء رغم الموت الوشيك. الرجل كان يمشي بخطو متعجل، وبين الفينة والأخري، كان يلتفت خلفه مذعورا علي أصوات الجنود الفاشيست ذوي القمصان السوداء وهم يصرخون: امش! امش! لم تكن المسافة بعيدة وعرس الدم الذي تخيله لم يلبث أن تحول إلي حقيقة عند الموضع الذي لا يعرفه أحد. الأسطورة التي تخلقت منذ ذلك الصباح ولمعة الكمد التي رآها في عيني امرأة لم يترك له أصحاب القمصان السوداء فرصة الحديث إليها. وغرناطة التي يعبرها الآن بخفة؛ هل غادرها رجلها حقا؟آن له أن يعترف بأن اليوم الأخير لم يكن إلا رؤيا لاذ بها لكي يهرب من البرد والغيم والرماد، والتفاصيل والوجوه التي كانت تؤثثها لم يكن لها أن توجد لولا خياله الذي اشتعل كالعادة رُغم إرادته. ربما حاجته القوية إلي النور القوي الذي يمحق السواد هي التي قذفت بالإفريقي الذي يشبه وجهه عباد الشمس والشاب الذي يسوق الكلام بيده القوية والسيدة ألبا التي لا تشبه أمه ورجلها الأنيق صاحب البذلة البيضاء. العتمة التي كانت تتكثف في الخارج حملته علي أن يغادر المقهي مشفوعا بانحناءة النادل وابتسامته ذات الصنع المحلي. ربما المدينة الباردة التي كان يتوغل في شوارعها وأزقتها العنكبوتية هي التي كانت تجذبه بقسوة إلي صباح مدينته وجدرانها الطافحة بالنور…كاتب من المغرب يقيم في بلجيكا0