من لثقافة الخلاص؟

حجم الخط
0

من لثقافة الخلاص؟

د. علي محمد فخرومن لثقافة الخلاص؟من أجل توسيع فضاء موضوع الوحدة العربية ليكون، بالإضافة لكونه شعاراً سياسياً ترفعه الأحزاب وبعض الحكومات، موضوعاً ثقافياً يدخل في أعماق وجدان وقلب كل إنسان عربي. من أجل هذا الهدف تأسس منذ ربع قرن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت. رأي المؤسسون أنه من الضروري أن يقتنع التلميذ وأن تقتنع المرأة وأن يقتنع العامل والفلاح والغني والفقير بأن تحقق أية وحدة عربية سيساهم في حلٍّ جزء من مشاكل حياتهم وسيفتح آفاقاً واسعة لطموحاتهم وأحلامهم وحراكهم الاجتماعي والإقتصادي وأمنهم القومي ولمكانة أمتهم في التاريخ الإنساني. كان من الضروري أن تري كل فئة، بحسابات المنطق والتحليل والبيانات، مقدار مصلحتها الضخمة في قيام أي نوع من أنواع الوحدة، سواء أكان ذلك بين قطرين أو أكثر أو كان في مجال محدد كالاقتصاد أو الأمن الجماعي.كانت الوسيلة الأساسية هي إصدار الدراسات المعمًّقة ونشر الكتب المبسًّطة لكي تصبح فكرة الوحدة العربية قناعة يحملها الكل ويدافع عنها الكل وذلك عن طريق النقاش الموضوعي العقلاني الصادق، وبالفعل أُنجز الكثير من ذلك. خلال عقدين من الزمن ألٍّفت حوالي ستمائة من الكتب التي أغنت المكتبة العربية وأصبحت مراجع لا يخلو أيُ كتاب فكري أو تحليلي من الإشارة إليها. ولقد أولي اهتمام كبير بمكونات المشروع النهضوي العربي الست: الوحدة العربية، التنمية المستقلة المستدامة، التجديد الحضاري، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية والإستقلال الوطني. حول كل مكوٍّّّّّّّّّّّّّّّّّّن كتبت الكثير من الدراسات وعقدت الكثير من المؤتمرات، ولم يبق موضوع هام يمسُّ حياة العرب إلاً وعولجت مختلف جوانبه. وبنفس الأهمية خرجت من هذا المركز مبادرات بالغة الأهمية من مثل تأسيس المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي الإسلامي، ثمًّ المؤتمر الموحدًّ الذي يضمٌّ المؤتمرين السابقين ومؤتمر الأحزاب العربية.كان الهدف أن توجد منابر تعبٍّر عن ثقافة النهضة والتجدٌّد والتعايش بين مكوناتها. ولذلك بٌذل جهد كبير لإيجاد حوارات غنيًّة بين الفكر القومي والفكر الإسلامي ، أدًّت إلي بناء أرضيًّة فكرية وعمليًّة مشتركة وأذابت الكثير من سوء الفهم الذي أسهم في محاولات جادًّة لمصالحة تاريخية بين أهداف الحركات القومية وأهداف الحركات الإسلامية لتصبًّ كلٌّها في مجري إنهاض أمة العرب وأمة الإسلام. لكن هذا المركز الثقافي، مثل كثير غيره من المراكز التي لاتسندها جهة رسمية، بدأ يعاني من شحٍّ التبرعات والهبات والوقفيات التي بدونها لا يمكن الإستمرار والإنتاج بزخم وفاعلية وباستقلالية عن كل تأثير. ولأنًّ مثل هذه المراكز تحمل مشاعل أفكار النهوض لهذه الأمة، والتي تتناقض مع ما يريده المشروع الصهيوني ـ الأمريكي من تمزيق لهذه الأمة وإضعاف لذاكرتها التاريخية وطمس لهويتها الثقافية، فان هناك علي مايبدو محاولات لتجـفيف منابع دعمها.نفس القــــوي التي تسعي لمنع انعقاد مؤتمرات القمة ووضع العراقيل أمام كل تقارب أو توحيد عربي انتقلت من السياسة إلي ساحة الإعلام والثقافة.وفي نفس الوقت الذي تنجح فيه بعض القوي بإنشاء منابرها الإعلامية وبإسنادها بأموال طائلة مراكز البحوث والدراسات التي تبشٍّر بانتهاء عصور الأحلام الكبيرة الطموحة للعرب وللمسلمين، تضمر المراكز والمؤسسات التي تحارب من أجل بقاء أفكار توحٌّد هذه الأمة ونهوضها من كبوتها الحالية المفجعة. لنذكٍّر أنفسنا بسقوط الكثير من حصون الوحدة العربية في حقول السياسة والأمن القومي والإقتصاد بفعل جهود وتدخلات خارجية وممانعات وأخطاء داخلية، لكن حصون الثقافة الجادة الوحدوية صمدت حتي الآن.فهل سنسمح بانهيار تلك الحصون في الوقت الذي لدي بعض منا فوائض مالية هائلة ؟ قصة هذا المركز هي واحدة من قصص مفجــــعة لمراكز أخري مماثلة. مطلوب جهد حكومي ومجتمعي وفردي لإنقاذ ثقافة المقاومة والممانعة والتوحيد والأمل والمستقبل، إذ لو انهارت سدود مثل هكذا ثقافة فان السيًّل سيجرف الجميع.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية