تركيا العدالة والتنمية: نيسان أقسي الشهور

حجم الخط
0

د. بشير موسي نافع

بدا الأمر كأنه نكتة سمجة عندما أعلن زعيم حزب الشعب الجمهوري(CHP ) دينيز بايكال أن نواب حزبه سيقاطعون جلسة البرلمان الخاصة بانتخاب رئيس جديد للجمهورية، مهدداً بأنه سيطعن في شرعية الانعقاد البرلماني أمام المحكمة الدستورية إن فشل حزب العدالة والتنمية (AK ) في حشد ثلثي النواب في قاعة المجلس.

ولكن هذا ما حدث بالفعل؛ وهو ما أدخل تركيا أزمة سياسية ودستورية لم تشهدها منذ أسقط الجيش حكومة إربكان ـ تشيلر الائتلافية في صيف 1997 بمزيج من الضغوط العسكرية غير المباشرة وشراء ذمم النواب. ولكن بايكال، الذي يحسب حزبه ممثلاً لليسار العلماني الراديكالي، لم يستطع تحقيق هدفه بدون تعاون مفاجئ ومستغرب من حزبي اليمين المحافظ، الطريق القويم (DYP)، الذي يرأسه محمد آغار، والوطن الأم (AVAVATAN)، الذي يرأسه إركان مامجو. في انتهازية سياسية من الطراز الأول، قرر الحزبان اليمينيان، اللذان يتمتعان بتمثيل برلماني صغير ولكنه مؤثر، الاصطفاف إلي جانب خصمهما السياسي والأيديولوجي، الشعب الجمهوري، ومقاطعة جلسة انتخاب الرئيس. ويعتقد أن الرئيس السابق، السياسي اليميني المحافظ، سليمان ديميريل كان أحد مخططي الأزمة، يحركه طموح جامح للعودة إلي قصر الرئاسة. في خضم الفوضي التي سادت افتتاح الجلسة بعد ظهر الجمعة 27 نيسان (أبريل)، تضاربت الآراء في البداية حول عدد النواب الحاضرين، ولكن سرعان ما أصبح واضحاً أن الحضور لم يتجاوز 363 نائباً، وهو ما يعني أن عدداً من نواب أحزاب المعارضة رفض الانصياع لقرار المقاطعة، ولكن هذا العدد لم يكن كافياً للوصول إلي رقم 367 السحري، رقم ثلثي أعضاء البرلمان.

المشكلة التركية الدستورية يمكن تلخيصها في التالي. يجادل بايكال، وقادة أحزاب المعارضة الأخري، أن الدستور ينص علي أن جلسة انتخاب الرئيس لا تعتبر شرعية إلا بحضور ثلثي أعضاء المجلس، بينما يقول قادة حزب العدالة والتنمية الحاكم، بما في ذلك رئيس البرلمان بولنت أرينتش، أن الجلسة يمكن أن تعقد كأي جلسة عادية بثلث الأعضاء، ولكن انتخاب الرئيس لا يتم في جلستي التصويت الأولي والثانية إلا بثلثي الأصوات. إن فشل أي من المرشحين للرئاسة في الحصول علي ثلثي الأصوات في الجلستين الأولي والثانية، يتفق الجميع علي أن أغلبية بسيطة (أي 276 صوتاً) تكفي لانتخاب الرئيس. مرشح العدالة والتنمية، وزير الخارجية الحالي عبد الله غول، هو المرشح الوحيد للرئاسة؛ وكما كان متوقعاً لم يحصل في جلسة التصويت الأولي إلا علي 357 صوتاً، وهو ما يقل عن ثلثي الأصوات بقليل، ويستدعي بالتالي عقد جلسة ثانية للمجلس، وربما ثالثة، لإعادة التصويت. ولكن الاستمرار في العملية أصبح محل شك. النص الدستوري المتعلق بشرط الثلثين هو نص يكتنفه الغموض، وهذا ما دفع بايكال وحزبه إلي رفع الأمر للمحكمة الدستورية للفصل بين الرأيين. وبينما كانت التوقعات تتضارب حول ما يمكن أن يكونه قرار المحكمة المشكلة من 11 قاضياً، فوجئ الأتراك، شعباً وقوي سياسية، بتطور جديد.

بعد منتصف ليلة 27 ـ 28 نيسان (ابريل)، أي بعد ساعات من انفضاض جلسة البرلمان وذهاب حزب الشعب باعتراضه علي شرعية الجلسة إلي المحكمة الدستورية، وضعت قيادة أركان الجيش بياناً علي الموقع الإلكتروني الخاص بالقوات المسلحة. البيان، الذي ندد بما سماه تزايد النشاطات الدينية المتطرفة في الأناضول، أكد علي أن الجيش هو حارس النظام العلماني في البلاد، وأنه يراقب بقلق الجدل حول انتخاب رئيس جديد، ولن يتردد في إعلان موقفه، قولاً وفعلاً، من العملية في الوقت المناسب. ولم يكن خافياً أن بيان الجيش يحمل تهديداً للعدالة والتنمية، وأن قيادة الأركان، صاحبة انقلاب 1997 ما بعد الحداثي، تحاول هذه المرة، وفي اتساق مع روح العصر ربما، انقلاباً إلكترونياً. في صباح اليوم التالي، حرصت قيادة العدالة التنمية علي الحفاظ علي هدوئها؛ وبعد جلسة للحكومة، ترأسها الطيب رجب أردوغان، خرج وزير العدل والناطق باسم الحكومة في تصريح يؤكد علي أن بيان الجيش هو أمر غير مقبول في نظام ديمقراطي، وأن الجيش يخضع لقرار الحكومة المنتخبة ولا يمكن للحكومة قبول تهديدات من أحد. ولم يتردد أردوغان بعد جلسة الحكومة في الاتصال التليفوني برئيس الأركان، يشار بيوك – أنيت، للإعراب له عن امتعاض الحكومة ورفضها الصيغة والطريقة اللتين صدر بهما بيان الجيش. ممثل الاتحاد الأوروبي في أنقرة، والناطق الرسمي الأمريكي، أدليا أيضاً بدلوهما وطالبا قيادة الجيش عدم التدخل في العملية السياسية. ولأن رؤساء أحزاب المعارضة استشعروا الغضب الشعبي تجاه ضغوط الجيش السافرة علي الحكومة، فقد اعلن الواحد منهم تلو الآخر أن لا علاقة لموقفه من الانتخابات الرئاسية ببيان الجيش.

أكتب هذه المقالة من مدينة اسطنبول، التي يلفها قلق واضح، قبل صدور قرار المحكمة الدستورية. ولكن ثمة قليلا من الشك في أن القرار سيصدر لصالح المعارضة. أولاً، لأن أغلب قضاة المحكمة معين من رئيس الجمهورية الحالي، نجدت سيزار، أحد أعتي الأصوات العلمانية المعارضة للحكومة، والذي لم يخف تحريضه الجيش علي التدخل خلال الأسابيع القليلة الماضية. وثانياً، لأن المحكمة لابد أن تستجيب لبيان الجيش، الذي لم تخطئ قيادة العدالة والتنمية وصفه بمحاولة التأثير علي قرار المحكمة. إن فاجأت المحكمة التوقعات وجاء قرارها لصالح تفسير العدالة والتنمية للدستور، فالأرجح أن تمضي عملية انتخاب غول إلي نهاياتها، مهما كانت العواقب. ثمة رأي عام تركي، حتي في صفوف رجال الأعمال والأكاديميا والقطاع الأوسع من الصحافة والإعلام، يريد للحكومة أن تقف موقفاً صلباً من ابتزاز النخبة العلمانية الراديكالية وقيادة الجيش المتكرر، النخبة التي تري الشعب التركي عبيداً لها، والتي تهدد الاستقرار السياسي والاقتصادي الكبير الذي حققته حكومة العدالة والتنمية. وبالرغم من مظاهرتي القوي العلمانية الحاشدتين في أنقرة واسطنبول، والتي ضمت الثانية منهما زهاء مائتي الف، فالجميع يعرف أن بإمكان العدالة والتنمية، إن أراد، حشد مظاهرات مليونية بالفعل في عدة مدن تركية. أغلبية الشعب وضعت ثقتها في قيادة العدالة والتنمية، التي سيرت شؤون البلاد طوال خمس سنوات بكفاءة نادرة.

ولكن إن صدقت التوقعات وجاء قرار المحكمة موافقاً لتفسير المعارضة فإن المستقبل مفتوح علي الاحتمالات. بين هذه الاحتمالات، أن تسحب الحكومة مرشحها ويفتح الباب من جديد للتقدم بمرشحين للرئاسة، بحيث يطرح العدالة والتنمية مرشحاً أقل مدعاة للمعارضة والجدل. الاحتمال الآخر أن تحل الحكومة البرلمان وتدعو لانتخابات مبكرة في اب (أغسطس) علي الأرجح، بدلاً من الموعد المقرر في تشرين الثاني (نوفمبر). في الحالة الثانية، سيحتل رئيس البرلمان المتشدد بولنت أرينتش، والذي يعتقد أنه الذي دفع إلي ترشيح غول، موقع الرئاسة عندما يفرغ الموقع بنهاية فترة الرئيس الحالي في منتصف ايار (مايو). وقد بات من المؤكد أن العدالة والتنمية سيعزز موقعه في الانتخابات القادمة؛ مما يعني أن موقفه في انتخابات الرئاسة بعد انعقاد البرلمان الجديد، مهما كان مرشحه عندها، سيكون أكثر قوة. الانتخابات المبكرة ستكون في الحقيقة أقرب إلي الاستفتاء الشعبي علي العدالة والتنمية وعلي الرئاسة في وقت واحد، وليس هناك شك، حتي في الأوساط العلمانية الراديكالية المعارضة، أن العدالة والتنمية قد كسب التعاطف الشعبي في هذه الأزمة. وقوع انقلاب عسكري سافر، لا الضغوط الإلكترونية المعنوية وحسب، ما يزال أمراً محتملاً؛ ولكن الأرجح أن الجيش لن يلجأ إلي هذا الخيار. الجيش التركي في وضعه الحالي لا يحب الأوروبيين ولا الأمريكيين، لأسباب عديدة تتعلق بشروط الوحدة الأوروبية، التي تضعف نفوذ الجيش في الحياة السياسية، وبالسياسة الأمريكية في العراق، التي تهدد أمن تركيا القومي. وقيادة الجيش لن تنصاع لنداءات الأوروبيين والأمريكيين. ولكن الجيش يعرف علي وجه اليقين أن الشعب التركي لم يعد لديه مزيد من الصبر علي تدخلات الجنرالات المتكررة في شؤون الحكم، وأن الانقلاب قد يفجر حالة من الغضب والعنف غير مسبوقة في تاريخ تركيا الحديث، في وقت يعصف الغضب والعنف بكل الجوار التركي. من ناحية أخري، هناك مؤشرات عديدة علي أن قيادة الجيش غير متفقة علي نهج التدخل الانقلابي، وأن قطاعاً ملموساً من كبار الضباط لا يريد إدخال الجيش في اللعبة السياسية من جديد، وهؤلاء لن يذهبوا أبعد من دعم ضغوط معنوية علي السياسيين، مثل البيان الإلكتروني الأخير. بيد أن من الضروري رؤية القوي الأعمق التي أدت إلي انفجار هذه الأزمة. ثمة من يعتقد أن العدالة والتنمية تسرع في طرح شخصية مثل عبد الله غول لمنصب الرئاسة. إن كان العدالة والتنمية أراد بترشيح غول امتصاص الضجيج الذي أثاره احتمال ترشح أردوغان للمنصب فقد أخطأ الحساب؛ فشخص وتاريخ وزير الخارجية لا يقلان إثارة للجدل من رئيس الوزراء. كما أردوغان، جاء غول من صفوف حزب الرفاه، ومثله أيضاً تضع زوجته غطاء الرأس (أو الحجاب، كما هو شائع). بل أن السيدة خير النساء غول كانت قد تقدمت بشكوي لمحكمة حقوق الإنسان الأوروبية ضد قرار الحكومة التركية منع المحجبات من الأماكن الرسمية العامة، ولم تسحبها إلا عندما تولي زوجها وزارة الخارجية وأصبحت الشكوي محرجة للطرفين، الزوج والزوجة. الأولي، يقول أصحاب هذا الرأي، كان أن يتقدم الحزب بمرشح ديمقراطي، يتفق مع العدالة والتنمية في مجمل توجهاته، ولا يثير سجله أو نمط حياته عداء القوي العلمانية، التي تستشعر التراجع والخسارة. طريق المصالحة الديمقراطية السلمية بين الدولة التركية الحديثة ودين الشعب، وبناء علمانية محايدة، غير تبشيرية وغير تدخلية، لم يقطع بعد شوطاً كافياً يسمح بوصول أمثال عبد الله غول وزوجته لقصر الرئاسة. هذا، مع العلم أن القول بأن زوجة غول ستكون أول سيدة أولي ترتدي الحجاب هو قول غير صحيح؛ فقد احتلت زوجة مصطفي كمال أتاتورك قصر الرئاسة وهي ترتدي الحجاب، وظلت كذلك إلي وفاتها. من ناحية أخري، يصعب علي المراقب للشأن التركي تجاهل واحدة من أهم حقائق الحياة السياسية التركية الحالية، الحقيقة التي لم يستطع تجاهلها حتي معلق رئيسي في صحيفة حريات العلمانية: ففي حين قدم العدالة والتنمية الدليل تلو الآخر علي أنه قطع شوطاً كبيراً في طريق التغيير وإعادة قراءة الشأن التركي، منذ ولد من لحظة الأزمة والطريق المسدود الذي واجهه حزب الرفاه، فإن النخبة العلمانية التركية، السياسية والعسكرية والبيروقراطية، لم تتغير قيد أنملة. تبني حكومة العدالة والتنمية منذ خمس سنوات تركيا جديدة من الازدهار والنمو والاستقرار، تركيا المتصالحة مع نفسها والتي تنظر لنفسها وينظر لها العالم باحترام بالغ، بينما ترفض النخبة العلمانية التخلي عن طرائق التخويف والتهديد والابتزار والاستهتار بإرادة الشعب.

منذ زرت تركيا للمرة الأولي في مطلع التسعينات، لم ألحظ ملامح الناس في اسطنبول، كبري مدن الجمهورية ومستودع تاريخ شعبها وضميره، كما لاحظتها في الشهور القليلة الماضية. هذه تركيا في أفضل حالاتها منذ انهيار الإمبراطورية، تركيا ناهضة، تشع بالتفاؤل. ومهما كانت نتائج هذه الأزمة، فليس لدي شك في أنها ستنتهي، آجلاً أو عاجلاً، لصالح الشعب التركي. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية