اجتهد باحثون كثيرون في دراسة أسباب تكرار سقوط طائرات نقل مدنية في خطوط جوية بعينها، ووجدوا في أغلب هذه الحوادث، أسبابا ذات علاقة بقضايا ثقافية – اجتماعية تتعلق بشعوب بعينها، وتتصل بالتراتبيات الهرمية للسلطة، وطريقة التعامل مع المسؤولين، واللغة المستعملة بين الأشخاص الذين يقودون الطائرة، وهكذا عرفنا كيف أن رهبة موظف من ثقافة معينة لا تحترم الفردية موكل بحياة مئات الركاب، من إعلام القبطان بارتكابه خطأ كارثيا خوفا من رد فعله، أكبر من خوفه على حياته، وهو الأمر الذي يودي به، وبالطائرة والركاب (وبالقبطان أيضا) إلى الموت.
تخيل بعد ذلك، أن الشخص الذي ستتحدث إليه هو زعيم سياسي عربي، على أهبة اتخاذ موقف خطير قد يودي بشعبه وبلاده إلى التهلكة، وفكر بعدها بمدى اتساع سطوة هذه الثقافة الاجتماعية – السياسية السائدة على كل ضروب الحياة العربية!
تناقلت وسائل الإعلام قبل فترة قصيرة خبر حادثة دموية في بلدة يونين بمنطقة البقاع اللبنانية نتيجة خلاف على أغنية خلال حفل زفاف في بلدة شعت بقضاء بعلبك اللبناني. بدأ الحادث حين ظن أحد المدعوين من عائلة زعيتر الشهيرة إلى حفل لعائلتي إمهز والنمر أن المطرب ذكر اسمه تكريما له وحين أوضح المطرب أن المقصود شخص آخر اعتبر المدعو الأمر إهانة شخصية له وأطلق النار على المغني وأخيه فأرداهما قتيلين ونشب نزاع بالبنادق و»آر بي جي» قتل فيه مطلق النار وجرح أربعة أشخاص.
في بلدة تدعى هارلان، وهي جزء من منطقة جبلية فيها أودية ضيقة في جنوب ولاية كنتاكي الأمريكية، استقرت عائلات من اسكتلندا وايرلندا في القرن الثامن عشر، وبدأت بتربية قطعان الخراف والبقر والخنازير في مزارع صغيرة في الأودية. كان هناك عائلتان كبيرتان مرهوبتان في البلدة: هاوارد وتيرنر، وقد نشأ خلاف بين شابين منهما على لعبة ورق أدى لمقتل اثنين من عائلة تيرنر، وحين حاولت عائلة هاوارد مناقشة صلح رفضت أم القتيل لأن «الدم لا يمكن مسحه» وهي تشير إلى موقع قتل ابنها، فتبع ذلك مقتل 5 أشخاص آخرين من العائلة نفسها، وحين طالب أحد الأبناء أمه بوقف المجزرة قالت: «مت رجلا مثل أخيك»، فأطلق على نفسه النار ومات.
لم تكن هذه حادثة فريدة فقد ظهرت مئات من تلك النزاعات في البلدات الصغيرة في جبال ابالاشيان، وهناك توثيق لحوالي ألف جريمة قتل خلال تلك الحقبة، ويفسر مالكولم غلادويل، في كتابه «المتفوقون»، الأمر بما يسميه علماء الاجتماع ب»ثقافة الشرف» التي تنشأ في المناطق الجبلية حيث الأراضي الزراعية قليلة، كما هو الأمر في صقلية الإيطالية وبلاد الباسك في اسبانيا، فحين تعيش جماعة على أطراف جبل تكون الأراضي الزراعية محدودة، وتلجأ العائلات لتربية الماعز والخراف، ويكون التعاون بين أفراد الجماعة مهما لحياتها، والقلق على ثروتها دائما، ولذلك على الرعاة والمزارعين الصغار أن يكونوا عدوانيين، وأن يثبتوا بالأقوال والأفعال أنهم ليسوا ضعفاء، وأنهم جاهزون للقتال ردا على أي تحد مهما كان صغيرا، والنزاعات يجب أن تكون علنية ومشهدية.
التفوق نتاج جهود ثقافات إيجابية، وأجيال من العمل، وتدريب طويل (يؤكد الكتاب أن معادلة التفوق هي 10 آلاف ساعة تدريب)، وليس معطى جاهزا، وهو أمر يقلب الفرضيات النمطية السائدة حول النبوغ والعبقرية والفرادة
ثقافات الشرف والسلطة والتراتبية
جاء المهاجرون الذين سكنوا المناطق تلك في بنسيلفانيا وكنتاكي وتينيسي وشمال كارولينا وغرب فرجينيا من «أكثر ثقافات الشرف عنفا في العالم»، حسب الكتاب، وهي الأراضي المنخفضة في اسكتلندا والمقاطعات الشمالية في إنكلترا ومنطقة ألستر في شمال أيرلندا (حيث ما يزال النزاع الحدودي – الطائفي موجودا منذ مئات السنين)، وقد اختاروا مناطق لا وجود فيها للقانون ومتنازع عليها في استعادة عملية للمناطق التي سكن فيها أسلافهم، فانتقلوا إلى جغرافيا شبيهة لممارسة «ثقافة الشرف» العنيفة التي نشأوا عليها.
يتابع غالدويل، في فصول كتابه، إثبات الدور الذي يلعبه الماضي في حيواتنا وتتعدد الأمثلة من كافة البلدان والثقافات، فنكتشف مثلا لغز الحياة المديدة وقلة الأمراض لسكان بلدة أمريكية يسكنها إيطاليون، غير أننا نتفاجأ أن سبب العمر الطويل وقلة الأمراض هو التقارب في النسيج الاجتماعي والتواد بين الأفراد والعائلات والعلاقات بينها أكثر من تعلقه بالعادات الصحية.
نكتشف أيضا أن الأسباب الثقافية – الاجتماعية التي أدت لسقوط عدد من طائرات النقل المدني الكورية، والتي دفعت رئيس البلاد حينها للاعتراف بأن المشكلة ليست في شركة الطيران «بل في كل كوريا»، معتبرا إلى أن «مصداقية البلاد في امتحان»، ونفهم أسباب ثراء اليهود المهاجرين من أوروبا الشرقية إلى نيويورك، وتموضعهم في صناعات النسيج والطب والمحاماة. يفسر الكتاب أيضا دور مزارع الرز الصينية، التي تحتاج عملا دؤوبا كل أيام السنة من الفجر حتى المساء، في تفوق الصين وشعوب شرق آسيا في الرياضيات، وفي شؤون العلم والدراسة عموما، وهو ما يدفعنا لمقاربة ثقافة العمل الكؤود هذه، بـ»ثقافة الشرف» والنزاعات التي وصفناها في جبال أبالاشيان، وبمزارع الحشيش، في المناطق التي تسيطر عليها العائلات المتنازعة المذكورة سابقا في لبنان، حيث يجتمع تحدي سلطات الدولة مع تحدي العالم وقوانينه أيضا.
في رأس قائمة البلدان السلطوية والتراتبية، حسب الدراسات المذكورة، نجد كوريا والبرازيل والمغرب، وحسب «سلم الفردانية – الجماعية» الذي ابتكره عالم هولندي يدعى هوفستد، لدراسة الأنماط النفسية العابرة للثقافات فإن الولايات المتحدة الأمريكية هي الأعلى فردية في العالم وتقابلها في أسفل السلم غواتيمالا، وفي سلم آخر حول «تجنب الغموض» والذي يبين الأمم التي تتمسك بالخطط والقوانين بغض النظر عن النتائج سجلت اليونان والبرتغال وغواتيمالا واوروغواي وبلجيكا أعلى النتائج، أما الأمم التي تتصالح مع الغموض فكانت هونغ كونغ، السويد، دنمارك، جامايكا وسنغافورة.
فهرس المسافة السلطوية
لكن أهم ما درسه العالم المذكور هو «فهرس المسافة السلطوية»، وتقيّم هذه الدراسة الأمم والشعوب حسب ردود فعلها تجاه السلطة، فالموظفون الأمريكيون لا يهابون مواجهة مدرائهم، وهو ما يفسر قلة كوارث الطيران الأمريكية مقارنة بكوريا (قبل أن تجري سلطاتها تغييرا جذريا لثقافة موظفيها)، والبرازيل والمغرب والمكسيك والفلبين، والخلاصة أن كل منا لديه صفات فردية لكن هناك صفات ونزعات وافتراضات وردود فعل نرثها من ثقافات جماعاتنا الأهلية وشعوبنا.
وإذا كان التفوق يتطلب إدراك الأثر الثقافي السلبي، فإن الأثر الثقافي الإيجابي لا يكفي وحده لتفسير النجاح، ويقدم غلادويل أمثلة كثيرة على هذه الفكرة، منها مثلا أمثال بيل جوي، مخترع لغات الكومبيوتر، والذي كان محظوظا بكونه من أوائل الأشخاص في العالم الذين تدربوا على أكثر أجهزة الكومبيوتر تطورا في العالم، خلال مراهقته، في سبعينيات القرن الماضي، ومثال فرقة البيتلز، الذين كانوا يعزفون ويغنون ثمانية ساعات كل يوم من سبعة أيام الأسبوع في ألمانيا، وبيل غيتس، الذي تمكن أيضا في مراهقته بدءا من عام 1968 من التدرب آلاف الساعات على البرمجة، وهو أمر ساعده فيه اجتهاده وحظه الكبير، وجعله متفوقا على أقرانه في الوقت المناسب.
الفكرة التي يخلص إليها الكتاب هي أن التفوق هو نتاج جهود ثقافات إيجابية، وينتقل عبر أجيال من العمل، والتدريب الطويل (يؤكد الكتاب أن معادلة التفوق هي 10 آلاف ساعة تدريب)، وهو ليس معطى جاهزا يخلق مع الفرد، وهي فكرة تقلب الفرضيات النمطية السائدة حول النبوغ والعبقرية والفرادة، كما تفتح الباب لاستكشاف تطبيقات هذه الدراسات في مناح سياسية واجتماعية كثيرة.
٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»