ديمقراطية الغرب في ليبيا بعد العراق

حجم الخط
0

عانت المنطقة العربية منذ خمسينات القرن السابق من تدخلات عسكرية مباشرة، بعد غياب ليس بطويل للدول الاستعمارية ممثلة بفرنسا وبريطانيا، وكان من أبرزها ما تعرضت له مصر بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر عام 1956 بما يعرف بالعدوان الثلاثي، الذي قامت به كل من فرنسا وبريطانيا ودولة الكيان الصهيوني، وكان تدخل أمريكا وفرنسا بعد الاجتياح الصهيوني للبنان في صيف 1982 واحتلال ثاني عاصمة عربية بعد القدس عاصمة فلسطين وتوالت التدخلات فتم القصف الأمريكي للسودان، وكذلك ليبيا، أما المحطة الأبرز من الاحتلال الغربي فكان احتلال العراق في ما يعرف بحرب الخليج الثانية.

كان من جملة الأهداف المعلنة لبعض هذه التدخلات العسكرية وتحديدا في العراق هو إقامة غابة من الديمقراطية تمثل النموذج في المنطقة العربية، والتاريخ في الوقت الحاضر يعيد نفسه في ليبيا، بسبب انتفاضة جماهير الشعب العربي المطالبة بالديمقراطية فقط ومن الملاحظ أن أسباب ثورة الجماهير الليبية تختلف عن شقيقتيها العربيتين في كل من مصر وتونس، سواء من حيث مطالب الجماهير أو من حيث أسلوب الثورة أو من حيث رد فعل النظام الليبي عليها، او من حيث تدخل المجتمع الدولي العسكري، حيث في البلدين الآخرين كانت من ضمن أسباب الثورة هي مشكلة البطالة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية وإصلاح النظام السياسي بشكل عام، فحماية المدنيين في ليبيا جاءت بقرار من مجلس الأمن الدولي بعد أن استخدم ملك ملوك افريقيا وقائد الثورة الجماهيرية سلاح الطيران لقصف جماهير الشعب الثائرة وتناسي الغرب أن راعية الديمقراطية أمريكا كانت أول دولة تستخدم الأسلحة الذرية في قصفها لليابان في الحرب العالمية الثانية، وتناست فرنسا أنها قتلت آلاف من أبناء الشعب الجزائري عبر تجاربها الذرية في الصحراء الجزائرية، ناهيك عن استخدام الفسفور المنضب والصواريخ الأمريكية والبريطانية في قصف الشعب العراقي، وبات من المعروف إن الغرب يكيل بعدة مكاييل فيغض النظر عن القصف الصهيوني بالطائرات والفسفور الأبيض في العدوان الأخير عام 2008 – 2009 على أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، إضافة إلى لبنان في حرب عام 2008 وكذلك ما حدث في رواندا من عمليات مجازر بين التوتو والهتسي وأخيرا ما يحدث في ساحل العاج من ارتداد عن الديمقراطية.

والسؤال هو من نصب الغرب حاميا للديمقراطية ومنفذا لها في نفس الوقت بقوة السلاح، وهل قتل المدنيين الليبيين بالطائرات من طرف الأخ العقيد غير ديمقراطي، وقتلهم بالفسفور الأبيض والقنابل الذرية والإذابة بالحوامض في السجون وأقبية المخابرات والاغتيالات بالسم هو ديمقراطي، فالقتل هو القتل ولو تعددت أساليبه.

إن فشل الولايات المتحدة الأمريكية في العراق في إقامة المثال الديمقراطي سوف يواليه فشل اخر في ليبيا، فالديمقراطية لا تفرض بالقتل والاحتلال. إن الأهداف الحقيقية توجد خلف الستار بل هي أهداف استعمارية لنهب ثروات المنطقة العربية وخدمة المشروع الصهيوني في فلسطين المحتلة، وقد تكون تصفية فاتورة قديمة بأثر رجعي مع الأخ العقيد معمر القذافي بسبب دعمه في فترات المد الثوري لحركات التحرر الفلسطينية وحتى العالمية، التي ارتد عنها لاحقا ومقدما مشاريع للتسوية وفق ما يعرف بدولة اسراطين، بل أقدم على تسليم المواطنين الليبيين المتهمين بقضية لوكربي ووقع عقودا مع الشركات الأمريكية والفرنسية والبريطانية لاستغلال حقول النفط والغاز بمئات المليارات، إضافة إلى صفقات أسلحة فرنسية. إن اصطفاف بعض الدول العربية إلى جانب الغرب في ما يدعي بحماية أبناء الشعب العربي في ليبيا ما هو إلا استجابة لأوامر الغرب، إضافة إلى تصفية امور بينهم وبين ليبيا.

إن بلاد العرب بحاجة إلى ديمقراطية تنسجم مع بيئتها وواقع حياتها ومستوى تطورها فالعرب هم يجب أن يصنعوها ويطوروها ويقتنعوا بجدواها وقد تتعثر في فترات وقد تتطور في فترات أخرى حتى يشتد عودها وتصبح عصية على التراجع، وهي بحاجة إلى إرادة قوية وصبر وعقلانية وتدرج وجهد لا يلين، فالديمقراطية ليست عبارة عن تنفيذ لقرار أو لرغبة، بل تعني حكم الشعب بنفسه ولنفسه وهي مجموعة من الأفكار والمبادئ حول الحرية، ولكنها تتضمن أيضا مجموعة من الممارسات والإجراءات كالتمثيل السياسي العادل ومبدأ الانتخاب الحر والنزيه والحقوق المتساوية للمواطنين والحريات الفردية والتسامح والحل السلمي للخلافات وكون الديمقراطية من الشعب فهي بالتالي ثقافة عامة تعبر عن مكونات الإنسان ورغبته للحريات العامة كحرية العبادة والفكر والتعبير عن الرأي والاختيار والبحث العلمي وحرية الأحزاب والجمعيات والصحافة ووسائل الإعلام وتوفر الحريات الفردية التي تدعم إحساس الإنسان بإنسانيته. إن أهداف الديمقراطية تكمن في تجسيد روح الحرية الخاصة والعامة والتداول السلمي للسلطة وتحقيق مبدأ العدالة والشفافية ومراقبة ومحاسبة الجهاز التنفيذي الممثل بالحكومة فهل الغرب قادر على توفير كل ذلك؟ وهل هو ديمقراطي؟

إبراهيم أبو سرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية