تقطنني سحابة غمّ كلما قرأت خبراً عن غرق مركب من مراكب اللجوء للذين اضطروا إلى مغادرة الوطن هرباً من حرب أو قمع أو فقر، وسعياً خلف حلم الحصول على حياة كريمة في بلاد حرة.
على المهاجرين من الحروب أو الفقر أن يمروا أولاً بتجار الموت الذين يتقاضون منهم ثمن الرحلة إلى (نعمة أوروبا) ولا يبالون غالباً بشروط السلامة، وتغرق بعض المراكب ويمكن للقليلين الوصول إلى قوارب النجاة التي قد ترفض بعض الدول الأجنبية استقبال (ركابها)، وبعدها عليهم تقديم فروض الطاعة إلى البلد الغربي المضيف الذي رضي بهم ثم البحث عن عمل. ولكن الإنسان هو المخلوق الوحيد على وجه كوكبنا الذي له ذاكرة ويعرف أنه سيموت.
وفي عيون المهاجرين الأثرياء منهم والفقراء حزن سري لأنهم سيموتون في الغربة.
من غادر داره قَلَّ مقداره!
هنالك أيضاً مهاجرون بخمس نجوم، أي الأثرياء الذين لديهم رصيد مالي في البلد الذي يهاجرون إليه راكبين الطائرة، ولكن في عيونهم جميعاً نظرة حزينة تذكرني بالأمثال الشامية كالقول: «من غادر داره قل مقداره».. و«الحجر في مكانه قنطار». ومناسبة ما تقدم من كلام أنني قرأت من جديد عن غرق مركب هجرة آخر، وموت بين النار والماء، وأنا أعرف من تجربتي الخاصة أيام الحرب اللبنانية وزيارة قذيفة إلى غرفة مكتبتي أحرقتها واضطـــــررنا إلى مغادرة المـــــوقع الحــربي الذي تحول إليه بيتنا، أذكر حزني العميق حين غادرت بيتي في بيروت وأنا أتساءل: هل سأعود إليه ثانية؟ هل سأجده حين أعود؟ ولذا، أتعاطف بعمق مع كل من غادر داره مضطراً إلى النجاة بحياته.
الذين رحلوا إلى حلم الأمان والثراء
كثير من مهاجري القوارب يرحل ربما هرباً من القمع أو الحرب، أو حالماً بالثراء والعلاج المجاني وبطاقة الإقامة (السحرية) التي تتيح له ذلك في أوروبا. والسؤال الذي يلح عليّ دائماً هو: لماذا لا نجعل من أوطاننا أماكن صالحة للحياة الكريمة ونتمسك بها بدلاً من الهرب إلى بلاد الآخرين بحثاً عن الأمان والديمقراطية والمال وحتى الكهرباء!!.. أي إلى الغرب (المأكول والمذموم). لم أسمع يوماً بقارب مهاجرين أوروبيين غادر شواطئ إيطاليا وسواها هرباً إلى الوطن العربي للإقامة والعمل!.. ولم نسمع بأوروبيين يغامرون بحياتهم في قوارب الهجرة للجوء إلى وطننا العربي.
العرب الذين نجحوا في الغرب من المهاجرين نرى في عيونهم حزناً يثير حزن من يحدق جيداً في قاع عيونهم، فالعين نافذة على الأعماق..
السوريون في لبنان وتركيا: لحظة كراهية!
لم يتعمد السوري النازح إلى لبنان (وسواه) سرقة لقمة العيش من أحد. ولذا، أحزن كلما قرأت خبراً عن تصريح لمن كنا نحبهم من مطربين وسياسيين يطالبون السوريين بالعودة من لبنان إلى ديارهم، وآخرهم مطربة لبنانية أحببناها. وما من لاجئ لا يحلم بالعودة إلى بيته ودياره، فلتطمئن! أعرف أن عدد النازحين السوريين إلى لبنان كبير جداً قياساً إلى عدد الشعب اللبناني.. ولكن النزوح إلى الوطن الشقيق الجار اللبناني خير من ركوب قوارب الموت واللجوء، وأعرف من تجربتي الخاصة أنه ما من سوري، أياً كان سبب نزوحه إلى لبنان، إلا ويتمنى العودة إلى داره.. فقد عشت هذه التجربة حين اضطررت إلى مغادرة دمشق لأسباب لن أخوض فيها، وما زالت معظم أحلامي تدور في بيتي الشامي العتيق! وأنا متأكدة من أن كل سوري يحن إلى مكانه الأول حين تتاح له فرصة العودة، من لبنان إلى بيته في سوريا.
السوري لا يريد إيذاء الاقتصاد اللبناني
المطربة اللبنانية التي تطالب اللاجئين السوريين بالعودة إلى ديارهم، لا يحلمون -على ما أظن- إلا بذلك.. ولم يحضروا إلى لبنان الحبيب (لاحتلاله). إنهم يزاحمون اليد العاملة اللبنانية على العمل والرزق، ولكن ما ذنبهم إذا كانوا يرضون برواتب أقل بكثير من تلك التي كان اللبناني يحظى بها قبل قدومهم… إنهم أيضاً بحاجة إلى لقمة العيش، الحل؟ إنه ببساطة هدوء الحال في وطني الحبيب سوريا وعودة النازحين إلى بيوتهم (وإن كانوا لا يشعرون كثيراً بالغربة في لبنان؛ لأن التربة الحضارية واحدة).
وحتى في عيون اللاجئ السوري نستطيع أن نرى ذلك الحزن لدى الغرباء.. والشعور بالحرج على نحو ما من البلد المضيف.
ثمة حادثة لا أنساها. وأرويها باستمرار.
ذات مرة، جاء من مطعم لبناني موظف يحمل لي طعاماً طلبته ليلة وصولي من باريس إلى بيروت، وقال لي حرفياً بكل تهذيب حين سددت له الفاتورة وأضفت إليها «إكرامية»، قال: «صحتين وهناء» وهو تعبير يقال في سوريا في المطاعم، وسألته: هل أنت سوري؟
أجاب محرجاً نصف خائف: نعم يا سيدتي.
قلت له: وأنا أيضاً سورية..
وبدت على المسكين علامات الطمأنينة..
وأتمنى على المطربة اللبنانية التي أحببناها وفوجئنا بمطالبتها اللاجئين السوريين بالعودة إلى ديارهم بدلاً من أن تغني: يا هلا بالضيف… ذلك الحزن في عيون كل مهاجر لسبب ما يذكرني بقصيدة الشاعر اليوناني كافافي:
وتقول لنفسك سوف أرحل/
إلى بلاد أخرى، إلى بحار أخرى/إلى مدينة أجمل من مدينتي هذه/ لا أرضَ جديدةً، يا صديقي هناك/ولا بحرَ جديداً،
فالمدينة ستتبعك!
فهل بيننا من لم تتبعه مدينته الأم حتى إلى أحلامه الليلية؟