القاهرة ـ «القدس العربي»: عمدت السلطات المصرية في العامين الماضيين إلى التضييق على وسائل الإعلام الأجنبية، استنادا إلى ما أظهرته بيانات رسمية صادرة عن هيئة الاستعلامات تارة، ووقائع تعرض فيها صحافيون أجانب للترحيل من البلاد أو المنع من دخولها تارة أخرى. إضافة إلى ذلك أطلقت السلطات المصرية حملات تشويه مستمرة في وسائل الإعلام المحلية، بغرض إظهار وسائل الإعلام الأجنبية كجزء من مؤامرة على الأمن والاستقرار في مصر.
وحسب تقرير لمؤسسة حرية الفكر والتعبير المصرية حمل عنوان ـ (هجمات السلطات المصرية على الإعلام الأجنبي – عامان من الحملات والتشويه) فإنه لا يمكن النظر إلى الهجمة على الإعلام الأجنبي بمعزل عن سياسة السلطات المصرية، التي تهدف من خلالها إلى تجنب الانتقادات الدولية لملف حقوق الإنسان في مصر.
وأوضح التقرير، أن هذه السياسة ترتكز على شل قدرة منظمات المجتمع المدني على العمل، وسن حزمة من التشريعات المقيِّدة لحرية الإعلام والحقوق الرقمية، بحيث يصبح استهداف الإعلام الأجنبي بمثابة ممارسة رئيسية لمنع وصول المعلومات عن حقيقة الأوضاع في مصر إلى الجهات الدولية المعنية بحقوق الإنسان.
ولفت التقرير إلى أن الهيئة العامة للاستعلامات المصرية التي تتبع رئيس الجمهورية، هي المحرك الرئيسي لهذه الممارسات ضد وسائل الإعلام الأجنبية. ووصف هشام قاسم في تصريح صحافي، وهو خبير في مجال الإعلام، الهيئة العامة للاستعلامات بأنها جهاز سوفييتي انتهى دوره مع انتهاء الحرب الباردة. وتضمن التقرير مقابلات مع عاملين في وسائل إعلام أجنبية، عن الهجمة الحالية على الإعلام الأجنبي، واقتصار دور الأجهزة على ما يتعلق بتوقيف الصحافيين وترحيلهم من مصر.
وأوضحت المؤسسة أنها استخدمت اسماء مستعارة، للصحافيين التي أجرت معهم مقابلات، حفاظا على أمنهم.
تهديدات
يقول عادل: «سابقًا كانت جهات سيادية تتصل بمكاتب وسائل إعلام أجنبية وكذلك صحافييها وتسألهم عن مصادر التغطيات المرتبطة بالهجمات الإرهابية وكيف حصلنا على معلومات في قضايا محددة، منها على سبيل المثال قضية أثارت تساؤلات دولية حول أداء أجهزة اﻷمن خلال العامين الماضيين».
ويضيف: «في إحدى المرات فوجئت باتصال من مسؤول في جهة سيادية يحمل بعض الأسئلة والتهديدات، وحينها حرصت على إنهاء المكالمة سريعًا».
وهذا ما تطرقت إليه كارولين في المقابلة فقالت: «كان الأمر سابقًا يرتبط بتقارير تثير قلق أجهزة أمنية، مثل جهاز الأمن الوطني، وكان تدخل الأجهزة الأمنية يتم من خلال التواصل مع المديرين المسؤولين عن وسائل الإعلام الأجنبية».
وكشفت المقابلات التي تضمنها التقرير، عن طبيعة الدور الذي كانت تلعبه الهيئة العامة للاستعلامات قبل تولي ضياء رشوان رئاستها.
ويقول فوزي: «كانت شهور تمر بدون أن يصلنا كصحافيين في وسائل إعلام أجنبية أي بيانات تصدرها هيئة الاستعلامات، لم تكن الهيئة ترسل لنا سوى بيانات صادرة عن بعض الوزارات».
ويضيف عادل: « خلال سنوات عملي في وسائل إعلام أجنبية، كانت هيئة الاستعلامات تصدر تصاريح للصحافيين العاملين في وسائل الإعلام الأجنبية، وبالتالي تملك معلومات عن كل هؤلاء الصحافيين، وتقوم الهيئة بتوجيه دعوات لهم لحضور مؤتمرات أو تلقي معلومات معينة، إضافة إلى ذلك تقوم الهيئة بمتابعة المواد التي تنشرها وسائل الإعلام الأجنبية عن مصر وإعداد تقارير عن ذلك ترسلها لجهات أخرى في الدولة حسب ما أعرفه».
وفقًا للمقابلات التي تضمنها التقرير، لم تكن الهيئة العامة للاستعلامات مصدرًا لقلق الصحافيين الأجانب سابقًا.
تهديدات وترحيل للصحافيين وتعطيل إصدار تصاريح ممارسة العمل
ويقول هنري: «عندما بدأت العمل في مصر منذ أكثر من عامين كانت العلاقة مع المركز الصحافي التابع لهيئة الاستعلامات تمتاز بالسهولة، حصلت حينها على الكارنيه (التصريح) الخاص بالمراسلين الأجانب، وحتى عندما كان يحدث بعض التأخير كان المركز الصحافي يصدر لي تصريحا مؤقتا».
بينما يرى يوسف أن «الهيئة العامة للاستعلامات كانت تؤدي بعمل روتيني مثل أي مكتب إعلامي في الوزارات الحكومية، ولم يكن هناك اهتمام بالرد على ما تنشره الصحافة الأجنبية».
بديل للأجهزة الأمنية
وبدون حدوث تغيرات في الصلاحيات الممنوحة للهيئة العامة للاستعلامات، باتت الهيئة على الأرجح بديلًا للأجهزة الأمنية فيما يتعلق بالضغط على الإعلام الأجنبي.
ويقول عادل: «منذ تولي ضياء رشوان لرئاسة الهيئة العامة للاستعلامات في يونيو/ حزيران 2017، بدا أن هناك تغييرًا يحدث في دورها وكأنه يراد أن تكون جهة تنفيذية يديرها مسؤول مدني هي التي تمارس الضغوط على وسائل الإعلام الأجنبية».
وترى كارولين أنه «يبدو أن الهيئة العامة للاستعلامات مجرد واجهة لجهات أمنية لا نعرفها على وجه التحديد، إنهم يركزون على نقاط محددة في التقارير التي تنشرها وسائل إعلام أجنبية».
وتضيف كارولين: «في اعتقادي أن جهات أخرى أبدت غضبها من هذه النقاط وهم يعملون على الضغط علينا بسبب ذلك، هذا ما شعرت به من خلال عملي. ويرى يوسف أن الهيئة العامة للاستعلامات «تحولت إلى هيئة رقابية تصدر بيانات عن أداء وسائل الإعلام الأجنبية، وتحدد لها ما هو مسموح وما هو ممنوع، أصبحت هناك حملات تجاه وسائل إعلام أجنبية معينة، ومن خلال البيانات التي تصدرها هيئة الاستعلامات تتشكل وجهة نظر الإعلام المحلي عن عملنا».
وعلى أي حال، لم تختفِ الأجهزة الأمنية تمامًا من المشهد. يقول عادل: “لا يعني ذلك بالطبع أن دور الجهات السيادية انتهى، على الأقل فيما يتصل بتغطية موضوعات مرتبطة بالشأن الأمني، وفيها نتلقى ردودًا من جهات سيادية تؤكد صحة المعلومات التي حصلنا عليها، ولكن تحذرنا في الوقت نفسه أن نشر هذه المعلومات سيتم الرد عليه بالنفي، وسيضعنا ذلك تحت طائلة القانون».
ويشرح عادل من خلال واقعة تعرض لها أثناء عمله كيف يتم إجبار الصحافيين على عدم نشر المعلومات، قائلًا: حدث هجوم إرهابي لم يعلن عنه، ورغم وصولنا للمعلومة وتأكيدها من قِبَل جهة سيادية، لم ننشر الخبر، ﻷن المسئول أبلغنا أنه سيتم نفي الخبر، ثم فوجئنا بعد يوم بوزارة الداخلية تعلن عن هذا الهجوم في بيانها الذي صدر تعليقًا على هجوم ثاني، وجاء ذكر الهجوم الأول بوصفه عملية من بين العمليات التي قام بها منفذ الهجوم الثاني، بدون ذكر تفاصيل أخرى».
بينما تقول ريبيكا في المقابلة التي أجراها معها الباحث: «من بعد العام 2013 تزايد دور الهيئة العامة للاستعلامات، لا أستطيع أن أتذكر متى بدأ الضغط على الإعلام الأجنبي تحديدًا. التصاريح اللازمة لعملنا يصدرها المركز الصحافي في ماسبيرو بينما تقوم الهيئة بمراقبة المعلومات التي ننشرها وتعلق على عملنا، عن طريق إصدار بيانات عن التقارير التي لا تعجبها، وأصبحت هيئة الاستعلامات أكثر عدوانية وضجيجًا، هذا ما سأقوله بشكل عام عن أدائها».
تقوم الهجمة الحالية على اﻹعلام الأجنبي على التهديد المستمر للصحافيين الأجانب، بالإضافة إلى تعطيل إصدار تصاريح ممارسة العمل الصحافي.
وكشفت المقابلات التي أجراها الباحث أن الهجمة على الإعلام الأجنبي تشمل كذلك تهديد الصحافيين من خلال مسؤولي الهيئة العامة للاستعلامات ورئيسها ضياء رشوان.
وتعتقد كارولين أن الصحافيين المصريين ممن يعملون في وسائل إعلام أجنبية يتعرضون لاحتمالات أكثر خطورة من نظرائهم الأجانب، وتقول عن ذلك: «أعتقد أن هناك استهدافا للصحافيين المصريين الذين يعملون في مؤسسات إعلامية أجنبية، لأن هؤلاء لهم أهل وحياة في مصر، ويسهل تهديدهم بالسجن، عكس الصحافيين الأجانب الذين يواجهون الترحيل كأقصى رد فعل من السلطات المصرية على عملهم».
واقعة زبيدة
في فبراير/ شباط 2018، بدا أن هيئة الاستعلامات قررت التركيز على التقارير المرتبطة بقضايا حقوق الإنسان، حيث أصدرت الهيئة ستة بيانات تنتقد تقريرًا منشورًا في بي بي سي حول قضية الاختفاء القسري، الذي عرف إعلاميًّا بواقعة زبيدة، وصدرت البيانات الستة في الفترة من 24 فبراير/ شباط وحتى 6 مارس/ أذار 2018، وصفت فيها هيئة الاستعلامات ما تضمنه تقرير بي بي سي «بالأكاذيب»، ثم أعلنت عن ظهور الفتاة التي زعم التقرير تعرضها للاختفاء القسري. وبعد ذلك، أطلقت الهيئة العامة للاستعلامات دعوة موجهة إلى المسؤولين والنخبة لمقاطعة بي بي سي، ومثلت هذه الدعوة تطورًا جديدًا في أدوات الضغط التي تمارسها الهيئة العامة للاستعلامات على وسائل الإعلام الأجنبية، إذ يفترض أن تعمل الهيئة على توفير وإتاحة المعلومات ومن ذلك تشجيع المسؤولين على التواصل مع وسائل الإعلام الأجنبية لا مقاطعتها.
وعن ذلك تقول كارولين في المقابلة التي أجراها معها الباحث: «من ضمن ما تقوم به السلطات المصرية بشكل عام هو منعنا من الوصول للمعلومات من مصادرها، فهناك بعض الجهات تمنع التصريح للمراسلين أو مكاتب وسائل الإعلام الأجنبية بتغطية أنشطتها. هذه الممارسات تتشابه مع دعوة رئيس الهيئة العامة للاستعلامات لمقاطعة بي بي سي، فهدف الدعوة كان منع بي بي سي من الوصول للمعلومات من خلال الجهات الرسمية وهذا أخطر تهديد يمكن أن تواجهه مؤسسة إعلامية».