أحلامنا أو النافذة التي نطل منها على تفاصيل مستقبلنا المغيب عنا

عبد الله مولود
حجم الخط
0

نواكشوط-“القدس العربي”: قديم تعلق الإنسان بالكشف عن غوامض مستقبله وما يخفيه له القدر في قابل أيامه؛ ومن هذا التعلق نشأت منظومة الكشف عن الغيب بمظاهرها المختلفة بدءا باستراق الشياطين للسمع مبعوثين من الكهنة من أجل الاطلاع على ما يكتبه الملائكة من أمور مغيبة ستنزل على الأرض، ومرورا بنشأة عالم تعبير المرائي وتفسير الأحلام وانتهاء بما عليه الأمر اليوم من وجود قنوات تلفزيونية شغلها استضافة المعبرين وتلقى مكالمات المستفسرين.

وتزخر الشبكة العنكبوتية بالمواقع التي يديرها ويعيش عليها المتمشيخون المعبرون للأحلام.

ومع أن علم الغيب أمر خاص بالله تعالى، فقد فتحت رؤيا سيدنا يوسف عليه السلام التي قصها القرآن بالتفصيل في سورة أحسن القصص، الباب واسعا أمام العناية بالمرائي والأحلام؛ فقد اختصرت رؤيا سيدنا يوسف مستقبل حياته وملكه الذي أشارت له الرؤيا بسجود إخوته الكواكب الأحد عشر وأبويه الشمس والقمر له في قابل أيامه.

وأشارت السورة إلى تأويل الرؤيا بقول سيدنا يوسف في آخر القصة “هذا تأويل رؤياي من قبل”.

وتنضاف رؤيا يوسف إلى رؤيا صاحبيه في السجن التي أولها لهما ولرؤيا عزيز مصر بخصوص البقرات السبع العجاف والبقرات السبع السمان، وما تضمنته من رسم لما سيحدث في مصر ذلك الزمان، من قحط وخصب.

وفتحت الأحاديث النبوية هي الأخرى الباب أمام العناية بالمرائي والأحلام لكونها تحدثت عن غلق باب النبوة وبقاء “الرؤية الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له”.

وألف محمد بن سيرين وهو من كبار العلماء التابعين كتابه الشهير “تعطير الأنام بتفسير المنام” الذي يعتمد عليه اليوم المعبرون والمفسرون الناشطون في المجال، على القنوات وفي مواقع النت، كما أولى الإمام الدميري اهتماما خاصا للأحلام في كتابه الشهير “حياة الحيوان”.

وبغض النظر عن المعتقدات، فإن المرائي والأحلام تعم الجميع فقلما تخلو نومة من حلم أو رؤيا لكن البعض منا لا يهتم كثيرًا بتفاصيل الأحلام التي قد يراها أثناء نومه، معتقدا أن ما رآه في أحلامه تفاصيل غير هامة، فهو مجرد أضغاث أحلام وكفى، لكن الكثيرين يهتمون أيضا بالأحلام ويسعون لتفسيرها على أساس أن ما أروه في مناماتهم إشارات ورموز لوقائع ستحدث مستقبلًا، سواءً تهم الرائي شخصيا أو ستحدث في محيطه القريب منه.

ومن هؤلاء الأشخاص المهتمين بالمغيبات من يزعمون بأن أحلامهم، مرائي صحيحة ستتحقق مستقبلًا، لدرجة أنهم يبنون قراراتهم الشخصية عليها مثل الزواج والطلاق والسفر والعمل، وغير ذلك.

كل ذلك جعل من تفسير الأحلام تجارة مربحة في المنطقة العربية، فتجد الكثير من الأشخاص المبالغين في الاهتمام بالمرائي، يهرولون بمجرد استيقاظهم من النوم، مسرعين للبحث عن تفسير حلمهم، سواءً بالسؤال عبر شبكة الإنترنت الزاخرة بصفحات تفسير الأحلام، أو بسؤال نجوم تفسير الأحلام على الفضائيات.

ونشأت عبر الزمن تقنيات خاصة لتعبير المرائي، ومن ذلك أن ارتداء الفتاة للحذاء في الحلم يعني زواجا قريبا، وخلع الحذاء في المنام يشير لطلاق قريب إن كانت الرائية متزوجة.

يقول الحاج بن عبد الله وهو عالم روحاني موريتاني “إن الأشياء التي يراها الناس في مناماتهم، غالبا ما تكون أمورا يهتم بها الإنسان كثيرا حتى إذا غلب عليه التفكير المعمق فيها أصبح يرى خيالاتها في نومه”.

وحول تعارض المرائي مع اختصاص الله تعالى بعلم الغيب، أكد الحاج في توضيحات بالهاتف ل “القدس العربي” أمس “أن الأقدار يشاؤها الله أولا في عالم الغيب وهي هنا محجوبة لا يعلمها إلا الله، ثم تنزل الأقدار المقدرة إلى الملائكة لكتابتها في صحائف الأقدار، وفي هذه المرحلة يمكن للإنسان عبر قوته الروحانية أن يطلع على بعضها لأنها لم تعد مغيبة”.

ويقول المختصون “أن الإنسان يمر خلال نومه بثلاث مراحل، الأولى الاستعداد للنوم، يفرز الجسد مادة تساعده على النوم، والمرحلة الثانية وهي عبارة عن “النوم العميق أو الحقيقي”، وتستغرق 90 دقيقة بالضبط، وفيها تقع المرائي والأحلام، ثم مرحلة العودة من مرحلة النوم العميق إلى النوم العادي، ومن العادة أن يفقد الإنسان فيها مجموعة من التفاصيل أو الصور التي شاهدها أثناء النوم العميق”.

من كل هذا تتضح جلية، المعركة التي يخوضها كل منا مع أقداره؛ فالكل يسعى لمغالبة القدر باستكشاف مخبآته، والسيطرة على قواه الفاعلة: إنها معركتنا السيزيفية مع الحياة قد يخيل لنا أننا كسبناها وقد نصدم بأننا فشلنا في ذلك، لكن المعركة لن تتوقف فهي متواصلة وكأنها معركة الأبد.

لم يبق لنا في هذا الموقف إلا أن نقول مع محمود درويش ” هل في وسعي أن أختار أحلامي، لئلا أحلم بما لا يتحقق”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية