البحرين تواجه استحقاقات فشل داخلي وإقليمي، إلى أين تسير؟ ما مستقبل نظام حكمها؟ وما مدى قدرتها على البقاء مستقلة بعد عقود من التبعية والاعتماد على الخارج؟ وما هي تبعات مؤشراتها الاقتصادية السلبية؟ من المؤكد أن أغلب دول مجلس التعاون الخليجي يعاني من اضطراب سياسي سواء في الداخل أو على مستوى الإقليم وتحالفاته المتعددة. ولكن تتميز دولة البحرين بانها الأكثر اضطرابا وتوترا، والأضعف اقتصاديا، والأصعب خروجا من مصائبها الاقتصادية والسياسية والمذهبية. ان نظرة فاحصة على تطورات أوضاعها في الشهور الأخيرة ستكشف حجم التناقضات التي تعيشها “دلمون” أو “اوال” كما كانت تسمى في القرون الماضية. ويمكن عرض تطورات أربعة في هذا السياق، يحتاج كل منها لقراءة متأنية لاستشراف مساره:
أولا: في الأسبوع الماضي أقر ملك البحرين، حمد بن عيسى آل خليفة، حكما صدر عن إحدى محاكمه، بإعدام شابين بحرانيين، علي العرب وأحمد الملالي، ونفذ الحكم في الساعات الأولى من يوم السبت 27 تموز/يوليو. وكان تسرب خبر التنفيذ قد شاع بين المواطنين في اليوم السابق، الأمر الذي أدى لخروج مسيرات واحتجاجات واسعة النطاق، خصوصا بعد أن تأكد استدعاء عائلتي الضحيتين للوداع الأخير قبل إعدامهما. وكانت كلمات أمهات الضحيتين مؤثرة في تحريك المشاعر بين الشباب الذين شحذوا هممهم وخرجوا في تظاهرات في أغلب المناطق. قوبلت هذه الاحتجاجات بالقمع الذي استخدمت فيه الغازات الكيميائية والمسيلة للدموع و”الشوزن” (الذي يستخدم لصيد الطيور حيث تنفجر رصاصاته إلى شظايا صغيرة تخترق الجسد وتحدث آلاما مبرحة، ولا يمكن استخراجها بسهولة). وفي غضون ساعات بعد انتشار نبأ إعدام الشابين سقط شاب ثالث خلال تلك التظاهرات، وتوفي بعد نقله للمستشفى. المعارضون يتهمون الحكومة بقتل الشاب محمد ابراهيم المقداد الذي لم يتجاوز عمره 22 عاما. وقد لفت أنظار الكثيرين خروج أعداد ضخمة في هذه الاحتجاجات التي تواصلت خلال مراسم تشييع الشاب الذي يعتقد أهله انه ضحية قتل على أيدي قوات الأمن. أيا كان الأمر تشير هذه التطورات لتغيرات نوعية في المشهد السياسي والمواقف والتحالفات، وتؤكد أن الأوضاع إنما هي مستقرة على كف عفريت، وان بامكانها الانفجار مستقبلا، وبالتالي يصبح الحديث عن “ثورة مستقبلية” أوسع من سابقاتها تحليلا في سياق الموضوع وليس خارجه. والواضح ان نظام الحكم في البحرين لم يستطع التقدم بحلول للمشكلة السياسية التي عصفت بالبلاد وساهم فيها استقدام الآلاف من الأجانب لإدارة البلاد بعيدا عن المشاعر الوطنية والتطلعات الإنسانية. وغياب المبادرات السياسية يزيد المشهد تعقيدا ويقلل من فرص الخروج من عنق الزجاجة للجميع. وغياب الدبلوماسية الرسمية الهادفة لاحتواء الخلاف مع قطاع واسع من الشعب يعمق الشعور باستحالة تفكيك الواقع القائم في غياب أطروحة سياسية شاملة.
ثانيا: ان العلاقة التي ترعرعت فجأة بين نظام الحكم في البحرين والكيان الإسرائيلي يعتبر تطورا خطيرا غير مسبوق. فبالإضافة إلى أن قضية فلسطين موضع اهتمام من كافة الأطراف الدينية والسياسية، فان القفز عليها ضمن أطر محاولات التطبيع لا يساهم في حل المشكلة بل يزيد من تعقيداتها. وقد جاء استقبال الوفد الإسرائيلي لحضور ورشة اقتصادية في المنامة في شهر حزيران/يونيو الماضي تم الاعداد لها لتكون تدشينا لمشروع “صفقة القرن” التي أعلنها دونالد ترامب، تحديا مباشرا لمشاعر شعب البحرين ومطالبه التي هي جزء من المشاعر العربية الغاضبة، والعاجزة في الوقت نفسه عن وقف مشروع الاستسلام الأمريكي الصهيوني. وقد تظاهر مئات المواطنين ضد هذه الخطوة التطبيعية، واعتبروا تصريحات وزير الخارجية، خالد بن أحمد آل خليفة، تعديا على سيادة البحرين وهوية الشعب الرافض للاحتلال. فهذا الشعب ما فتئ ملتزما بقضية فلسطين وأنها القضية المركزية لهذه الأمة وان الاحتلال لا يمكن ان يكون مقبولا يوما. وتشهد وقائع التاريخ موقف هذا الشعب إزاء هذه القضية منذ أكثر من سبعين عاما. ففي العام 1936 استقبل شعب البحرين الحاج أمين الحسيني الذي كان يومها رئيس اللجنة العربية العليا في فلسطين، وجمعت التبرعات للمسجد الأقصى. وفي العام 1948 وقع سبعون من تجار البحرين وأعيانها رسالة مشتركة وجهوها لقائد سفينة عسكرية كانت ترسو في ميناء سلمان رفضوا فيها دعوته لحضور حفل اقيم على ظهر الباخرة. وقالوا في الرسالة الموقعة إن اعتراف الولايات المتحدة بـ “إسرائيل” في ذلك العام يمنعهم من قبول الدعوة. وفي أيلول/سبتمبر 2001 استشهد المواطن محمد جمعة الشاخوري بعد اصابته برصاصة من قوات الحكم الخليفي وهو يحتج مع آخرين أمام السفارة الأمريكية في المنامة، ضد الجريمة الإسرائيلية بقتل الشهيد محمد الدرة. وتجدر الإشارة إلى المسيرات السنوية التي تخرج لاحياء يوم القدس العالمي في آخر يوم جمعة من شهر رمضان المبارك، برغم القمع السلطوي الرافض لذلك. ولذلك فإن سياسة الحكم بالتطبيع مع الكيان الإسرائيلي من بين قضايا الخلاف بين شعب البحرين والحكم الذي يمارس سياسة خارجية مفروضة عليه.
ثالثا: من المؤكد وجود اختلافات ايديولوجية وسياسية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولكن من غير المناسب لبلد صغير خوض حرب بالوكالة معها. وما فعلته حكومة البحرين لا يصب في مصلحة بلدها أو شعبها، بل يضعفها ويضعها في مواقف حرجة، ويؤثر سلبا على دورها في المنطقة. حكومة البحرين قايضت استقلالها وسيادتها في مقابل ضمان حماية بعض الدول الإقليمية والدولية. ومن المؤكد أيضا أن مشاكلها الداخلية تفرض نفسها على علاقاتها الخارجية، ولكن محاولة تصدير الأزمات إلى الخارج والقاء عواهن الأمور على الغير سياسة لا تحل المشاكل بل تزيدها تأزما. كما أن من المؤكد ان سياسات السعودية الإقليمية لا تتسم بالحكمة خصوصا في السنوات الأخيرة، نظرا لارتكاز تلك السياسات على الرغبة في الهيمنة من جهة، وتوسيع النفوذ من جهة أخرى، ومنع التحول الديمقراطي من جهة ثالثة. ومنذ العام 2011 نهجت حكومة البحرين سياسات غريبة، فأصبحت أكثر اعتمادا على الخارج لمواجهة قضايا الداخل، ويوما بعد آخر توسعت الفجوة مع الشعب. ولا يمكن الحصول على دعم سعودي أو إماراتي بدون مقابل. فكان على حكومة البحرين ان تساير الرياض وأبو ظبي دائما بعد ان تدخلتا لحمايتها من غضب الشعب بعد شهر واحد من ثورته في 14 شباط/فبراير 2011. هنا ارتبطت مصالح الدول الثلاث بالقضاء على ثورات الربيع العربي، والتخلص من قضية فلسطين، والتقارب مع “إسرائيل” ومسايرة السياسات الأمريكية في المنطقة. ومنذ أربعين عاما كانت إيران محور هذه السياسة الرافضة للاعتراف بـ “إسرائيل” أو التطبيع معها، وهي السياسة التي نشبت بسببها الحروب والصراعات، وقطعت العلاقات، وتوتر أمن الخليج وأنفقت مليارات الدولارات النفطية في صفقات عسكرية غير حكيمة. ان إيران دولة إقليمية كبرى لا يستطيع أحد الغاءها من أي معادلات سياسية أو ترتيبات أمنية تخص أمن الخليج. وقد ارتكبت حكومة البحرين خطأ استراتيجيا كبيرا بربط مصيرها بالسياسات السعودية التي قد تتقارب مع إيران يوما، وعندها تخسر حكومة البحرين أكثر من أي بلد آخر لأنها لم تتوخ الحذر وهي تتصدى لإيران على كافة الصعد. فلم تتعاط حكومة خليجية مع شعبها كما فعلت حكومة البحرين التي فاجأت العالم بضيق أفق ساستها والتخلي عن السيادة والتعامل بعداء مع المكونات المجتمعية فقط لانها تطالب بالإصلاح السياسي.
رابعا: يفترض ان البحرين عضو مؤسس في منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ويفترض ان تتمتع بعلاقات متساوية مع الدول الخمس الأخرى الأعضاء في المجلس. وكان يفترض ان تبقى على مسافة من الصراعات البينية داخل منظومة المجلس. ولكن الذي حدث ان الحكومة الحالية بقيادة ملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، تصرفت بعيدا عن اللباقة والذوق والفطنة عندما تصدى لدولة قطر واستعداها ليتماهى مع أطروحات السعودية والإمارات. اليوم تلوح ملامح تقارب إماراتي – إيراني مفاجئ، فكيف ستتموضع حكومة البحرين ضمن هذه الفسيفساء السياسية المتجددة والمرتبكة؟ فعلاقاتها مع دولة قطر على وجه الخصوص، مشوبة بالعداء غير المنطقي، ليس بسبب المواقف القطرية التي لم تتدخل في الأزمة الداخلية للبحرين حتى إعلاميا إلا في الفترة الأخيرة، بل بسبب ارتباط البحرين مباشرة مع كل من السعودية والإمارات و “إسرائيل”. ومن المؤكد أن سياسات الدول الثلاث: السعودية والإمارات والبحرين ساهمت كثيرا في إضعاف منظومة مجلس التعاون الذي أصبح مهمشا بشكل كبير. فالاحادية القطبية في المنظومة السياسية الدولية فرضت نفسها على دول مجلس التعاون فاستجابت لها دول ثلاث بشكل حماسي، الأمر الذي حال دون تحقق الاستقلال الذاتي وحرية التصرف.
مجلس التعاون الخليجي اليوم يمر بأضعف حالاته بعد ان ساهمت السياسات السعودية – الإماراتية في تصدعه تماما، وحالت دون تحقيق الوحدة التي طالما تشدق بها رواد المجلس. وهنا أصبح الخطر المحدق بالمجلس يتجاوز سلوك بعض أبنائه وحكامه، وأكثر ارتباطا بإدارة أزماته والتحكم في بوصلته. مجلس التعاون قافلة كبرى نسبيا يفترض ان تتحرك وفق بوصلة تحدد لها الاتجاه وتحميها من الانجراف نحو التيارات الخطيرة. وحيث لم يتجسد ذلك فقد أصبح مألوفا التنبؤ بتصدع مجلس التعاون ما لم يحدث تغير جوهري في عقيدته السياسية ورؤاه الاستراتيجية وأساليب إدارة خلافاته الداخلية. ويمكن القول إن قضايا التحول الديمقراطي والتحالف الاستراتيجي، بالإضافة للحروب والصراعات الإقليمية التي تورط فيها بعض دوله خصوصا حرب اليمن والتطبيع مع “إسرائيل” والموقف إزاء الإرهاب وتمويله والخلاف على أساليب التعاطي مع المجموعات المعارضة، كل ذلك ساهم في التمهيد لسيناريو السقوط المروع لمنظومة سياسية كانت قادرة على البقاء لو لم يتفرعن بعض حكامها.