الدولة الفلسطينية بين حلاوة الأمل وقساوة الواقع

في طقوس منفلتة من عمق الخوف يدور الإنسان العربي في حلقات من الضياع، فيستعيد الموت من الموت بأبهى صوره، فهذه حلقة للطائفية وأخرى للاستبداد وثالثة للعسكر ورابعة للاحتلال وأخرى للطغاة وللفقر وغيرها لجهل منفلت من عمق التاريخ، فأسباب الموت الكثيرة في هذه البلاد، وفي هذا الدوران يفقد الجواب أو التفسير جاذبيته ويأخذنا الإبهام لمزيد من الإبهام لنجلس على رصيف العبث. ورغم هذا الواقع العصي كغصة والمؤلم كسكين في خاصرة المستقبل، إلا أن الأمل يربطنا بيومنا الآتي، ويعلمنا أننا لن نسقط في هوة السواد هذه إلى الأبد، ويشد وتد الحلم وينصب راية التفاؤل بأن القادم أجمل.
أحمل هذا الأمل كتميمة حتى يمضي هذا الليل ويغرب بكل ألمه عن حاضرنا وغدنا،أحمل هذا التفاؤل كي أستطيع أن أرفع ولو قشة وليس شمعة في وجه هذا الموت، أحمله لأني أرى في هذا السواد ضده، أحمله لأني مازلت أحمل بين جنباتي حلمي، فكلما زاد الهم كبر الحلم، وكلما سقطت دمعة سقته، وكلما ودعنا حبيباً تطاول حلمنا، وكلما زغردنا لشهيد تضخم حتى أصبح هو الحقيفة فأصبحنا نعيش الوطن حلماً على جناح سنونوة وحنيناً يلون مساءات غربتنا، أصبح الوطن انعكاساً للآه على مرارة صبرنا، ومكوناً رومانسياً يعيد توازن الروح على حافة القهر، أصبح الوطن حلماً عندما استطال زمن العودة فوق الطاولات المفروشة بخواء الكلمات.
أحب ذلك الأمل الذي يغمرني ويخبرني بأن القادم أجمل وأن الوطن أصبح على بوابة الحقيقة، وليس حلماً للاجئ يعيش على أرصفة الغربة وامتداد العالم، اصبح حقيقة تختصر الزمن إلى ثلاث سنوات بالتمام والكمال، يزهر الأمل فيها ويشق الدحنون طريقه نحو السماء، وأجلس على شرفة بيتي أعاين الأقصى وأعد الطريق خلف المنحنى وأستمد روح الله من قباب القدس. تغمرني مسحة الأمل والتفاؤل هذه لأن السيدة حنان عشراوي قالت «إن الوقت المحدد لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، هو ثلاث سنوات حيث سينتهي الاحتلال». أهي نبوءة أم استقراء للواقع واستنباط للنتائج، ام إسقاط للرغبات نتيجة قسوة الواقع ؟! ولماذا ثلاث سنوات، وماذا تغير، وما هي الوقائع التي قلبت الطاولة ووضعت المجتمع الدولي ومجلس الأمن أمام هذا الخيار، بل ما هو المتغير على الساحة الفلسطينية الذي قلب الموازين وجعل مسألة الدولة الفلسطينية قاب قوسين أو أدنى، وربما الأخطر من ذلك ما هو  المتغير على مستوى إسرائيل، الذي يجعلها بعد أكثر من ستين عاماً تغير من سياستها ووجودها القائم على الاحتلال والتوسع والعدوان، وأن تقدم على هكذا خطوة؟ أم هو الحال العربي الذي تغير وأعاد القضية الفلسطينية إلى مركزية قضاياه؟
إن كان على المستوى الدولي الفاعل وما اعتراه من تغير فيمكن القول إن العدوان على غزة أثبت أن المجتمع الدولي ومؤسساته من مجلس الأمن حتى آخر العنقود من دوله الفاعلة قد صمتت عن القتل والدمار الذي مارسته اسرائيل بحق أطفال غزة ونساء غزة ومدارس غزة وأحلام غزة، بل حمّلت المسؤولية للطرف الفلسطيني وساوت بين الضحية والجلاد، وأكثر الدول فاعلية وقوة على الساحة الدولية كانت تزود إسرائيل بأدوات عدوانها من صواريخ وطائرات ومعدات استخباراتية كي تزيد الموت فوق أرض غزة. فمن أين التفاؤل بثلاث سنوات؟
أما على الصعيد الفلسطيني فحدث ولا حرج فالانقسام الذي تفاءل الفلسطينيون بإمكانية ردمه للأبد ها هو اليوم يعود ليعزف على نغمة التخوين والاتهامات بالانقلاب على سلطة وحكومة وفاق مفارقة لاسمها، بل إن الصمود الأسطوري لأهالي غزة بوجه العدوان الإسرائيلي كان مبعث أمل كي يكون سنداً وأرضية لتعزيز مفاهيم الوحدة الوطنية والوقوف يداً واحدة وتحت راية واحدة لتعبر عن آمال الشعب الفلسطيني في التحرير ووحدة المصير، الا ان ذلك لم يحصل. وإذا كان مبعث الأمل هو تصعيد المقاومة السلمية في الضفة، فإن السلطة سعت وبكل ما تستطيع إلى كبح التحركات الشعبية ضد العدوان على غزة، بدلاً من أن تقودها بنفسها لتشكل عبئاً على الاحتلال اثناء عدوانه، وحاولت تقليص الغضب الفلسطيني بفعاليات إشعال الشموع. فما يحدث في الواقع الفلسطيني اليوم يزيد من حدة السؤال عن المتغير الفلسطيني الإيجابي الذي يدفع لتصور الثلاث سنوات على قيام الدولة الفلسطينية؟
ربما ارتكز هذا الافتراض أو التكهن أو الاستنتاج على تغيرات في الواقع الداخلي الإسرائيلي، ولكن نظرة بسيطة على سياسات إسرائيل في الاستيطان والتطرف المتزايدة للمستوطنين والإعلان بكل وضوح ووقاحة عن بناء وحدات سكنية وتوسيع المستوطنات، وموقفها من القدس ومفاوضات الحل النهائي المتعنتة كلها تشير الى أن لا جديد على هذا المستوى يدعو لتفاؤل الثلاث سنوات.
أما إذا القينا نظرة على الواقع العربي، ذلك السند المفقود منذ عقود، لا يمكننا إلا أن نرثي هذه الحالة بما وصلت إليه، إن كان على المستوى الداخلي لهذه الدول أو على مستوى علاقتها بالقضية الفلسطينية، وإذ لا فائدة من الشرح الطويل لما وصلت إليه الدول العربية، فمن المنطقي التساؤل هل يمكن أن تكون هذه الدول بهذه الوضعية مبعث تفاؤل لإعلان الدولة الفلسطينية بعد ثلاث سنوات.
مع الإيمان ان بعض التغيرات قد حدثت بعد الحرب على غزة، التي لم تجد قيادة حقيقية تستثمرها حتى الان، أتمنى على السيدة عشراوي ألا يكون تفاؤلها جزءاً من العبث الذي ما زلنا نعيشه منذ اتفاق أوسلو، متنقلين من طاولة مفاوضات إلى أخرى تحت ظلال الحقائب السوداء والأوراق الصفراء. وإذا كان لا بد من التفاؤل فلا بد أن يكون مستنداً الى إرادة شعب قرر منذ أكثر من ستين عاماً ألا يموت، وان يبقى يقاوم، تفاؤل مستند الى تغير حقيقي في قيادة هذا الشعب لتكون قادرة على استثمار تضحياته والوصول به إلى الهدف المنشود. تفاؤل يحمله أطفال المخيمات في الشتات ليرسموا فلسطين مستقبلا في عيونهم، تفاؤل صبية تعبر الحاجز وهي تعرف أنه إلى زوال، تفاؤل يشبه روح شعب ما ملّ يوماً وهو يطرز فلسطين وطناً على جدار القلب.

٭ كاتبة فلسطينية

سعاد قطناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية