القاهرة ـ «القدس العربي»: الحريق الذي شب في أحد قصور الثقافة ببني سويف قبل نحو ثلاثة عشر عاما من الآن وراح ضحيته نخبة متميزة من فناني وكتاب ونقاد المسرح المصري كان هو الحدث الأكبر في مسيرة فاروق حسني وزير الثقافة الأسبق والذي لوّح آن ذاك بالاستقالة ولم يتقدم بها إلي أن هدأت العاصفة وعاد كل شيء سيرته الأولي نفس الإهمال ونفس الكوارث وذات الخسائر المالية.
ولأن الشيء بالشيء يذكر فإن حلول ذكرى محرقة بني سويف يدفعنا للحديث عن إشكاليات ثقافية مسرحية لا تزال مستمرة برغم تعاقب أكثر من وزير ثقافة على الوزارة منذ ثورة 25 كانون الثاني/ يناير وحتى الآن ولعل أهم هذه الإشكاليات أو القضايا هو ملف الحرائق وما خلفته من تعطيل للحركة المسرحية والثقافية وقصورها على مجرد الشكل فقط المتمثل في إقامة مهرجانات تجريبية وغير تجريبية لزوم ما يلزم إبراز النشاطات الوهمية بينما الواقع يتنبأ بالحقيقة التي لا ريب فيها وهي بقاء صرح ثقافي وفني مثل المسرح القومي خاويا على عروشه منذ أن شب فيه الحريق المروع الذي تزامن مع حريق بني سويف في نفس العام بل وفي نفس الشهر تقريبا ومع كثرة التصريحات التي خرجت وقتها من المسؤولين عن ضرورة إعادة بنائه وترميمه بوصفه مبني أثريا مهما وذا طراز تراثي فريد إلا أن جميع التصريحات الحماسية ذهبت كلها أدراج الرياح وبقي مسرح جورج أبيض أو مسرح الأزبكية الشهير بالمسرح القومي على ما هو عليه عبارة عن خرابة تكتظ بالفئران والصراصير والعناكب ويخيم عليها الظلام لا يشي منظرها بالماضي الذي كانت عليه هذه المنارة الثقافية الفنية طوال عقود طويلة من الزمان فكم من عروض وحفلات ومناسبات أشهرها المسرح العتيق الذي عمل فيه ووقف على خشبته أباطرة الفن المسرحي في مصر والعالم العربي وكرم فيه رموز الفن والتمثيل من مختلف الأجيال.
طوت الذاكرة البيروقراطية صفحة المسرح القومي فلم تمتد إليه يد الإصلاح ولم يعد أحد يكترث بوجوده او عدمه حتى مع مواسم المهرجان التجريبي وإلقاء العروض المسرحية من كل الدول لم ينشغل حراس الثقافة المصرية المعومين بمناقشة القضية الأثرية التراثية المهمة على الموائد المستديرة في حلقات النقاش اليومية ولو من باب ذر الرماد في العيون.
وليس القومي وحده هو المنشئة الثقافية الوحيدة المهملة ولكن هناك العديد من مسارح الدولة المغلقة للتحسينات وفي انتظار قرارات الإنقاذ حيث طال الإهمال المسرح الكوميدي بشارع عماد الدين بوسط العاصمة ومسرح الطليعة بالعتبة الخضراء أو مسرح البالون للرثاء هو حال المسافر خانه التي كانت قد أحرقت أيضا في عهد الوزير الفنان فاروق حسني ووعد حينها بإعادتها لما كانت عليه وأفضل ولكن الأمر لم يعدو كونه تصريحات للاستهلاك المحلي وكفى.
نفس ما جرى على المسارح يجري الآن على قصور الثقافة في الأقاليم غير أن شيئا منها لم يحرق، لكن مأساتها تكمن في أنها أصبحت مجرد بنايات ضخمة وشاهقة تكتظ بالموظفين الإداريين فيما لا تنطوي برامجها على نشاط حقيقي اللهم في بعض المواقع القليلة بينما الأغلبية منها تؤدي برامج ثقافية صورية تتنوع ما بين المسرح والسينما والموسيقى والفنون الشعبية وترتب أوراقها بمنتهى البراعة وتقسم ميزانياتها حسب القانون دون خطأ في الأولويات أو الأرقام فالجميع مدرب تدريبا عاليا على مهارة الإدارة النظرية بغض النظر عن التطبيقات العملية على أرض الواقع.
وقد يرجع ذلك الخلل في الأداء العملي إلى هجرة الجمهور لقصور الثقافة لا سيما في العروض السينمائية التي باتت نشاطا روتينيا للمحافظة على بقاء الإدارة العامة للسينما ككيان دون تسريح العالمين بها وتوزيعهم على قطاعات الثقافة الأخرى.
وبالملاحظة نجد أن احد الأسباب الرئيسية لغياب جمهور السينما عن قاعات العرض بقصور الثقافة هو عدم وجود الدعاية اللازمة لاستقطاب شباب المدارس والجامعات كذلك أيضا الافتقار إلي التجديد والتنويع في الأفلام والاعتماد على الأفلام التجارية التي قتلت عرضا بالقنوات الفضائية وأصبحت غير جاذبة أما الأهم فهو إسناد المسئوليات الثقافية السينمائية لعناصر غير مؤهلة للقيام بأدوارها خاصة في الأقاليم والتي أكرر أنها تتعامل مع النشاط السينمائي بوصفه عملا وظيفيا تقليديا وهو ما يتنافى تماما مع روح الثقافة والإبداع هذه هي أمراض قطاع السينما بالهيئة العامة لقصور الثقافة نوردها ملخصة تلخيصا شديدا للمعنيين بالأمر.
أما عن بقية النشاطات الأخرى فهي الأقل تضررا بلا شك حيث الموسيقى والفنون الشعبية هما الأكثر حظا من حيث الاهتمام والإقبال ولولا وجودهما كنشاطين رئيسيين لأصبح إغلاق قصور الثقافة بالأقاليم أمر حتميا لأنه من غير المنطقي استمرار نزيف المال العام دون تحقيق الرسالة الثقافية المرجوة فالعمل بنصف الطاقة ونصف الكفاءة ونصف المردود تؤدي نتائجه إلي الهبوط السريع في الأداء العام للمنظومة الثقافية التي هي عماد الفكر وأداة التقدم.
كمال القاضي