الناصرة – “القدس العربي”:
منذ تشريع قانون الدولة اليهودية قبل عام، تتصاعد الممارسات العنصرية ضد كل ما هو غير يهودي من قبل دولة الاحتلال، حتى لو خدم في جيشها أو كان سفيرا لها.
هذا موجز ما تعرض له السبت سفير إسرائيل في بنما، رضا منصور، ابن بلدة عسفيا المعروفية، في مطار بن غوريون، حيث تم توقيفه جانبا واستجوابه بشكل مهين من قبل موظفة الأمن الإسرائيلية بذريعة الأمن التقليدية.
يشار إلى أن السنوات الأخيرة شهدت اعتداءات على مواطنين عرب دروز في أماكن يهودية، ولم يسلموا حتى وهم يرتدون البزة العسكرية لمجرد أنهم تحدثوا باللغة العربية.
وكشف السفير الإسرائيلي رضا منصور (54 عاما) في صفحته على “فيسبوك” عما تعرض له في مطار بن غوريون، قائلا إنه تعرض للإهانة في مدخل المطار، وحمل المسؤولية إلى الجهاز الإسرائيلي المسؤول عن الإجراءات الأمنية في المطار. وختم منشوره بالقول باللغة العبرية: “مطار بن غوريون اذهبوا للجحيم”.
رضا منصور الذي سبق أن عمل سفيرا لإسرائيل في البرازيل والإكوادور والبرتغال وقنصلا في سان فرانسيسكو وأطلنطا، نشر نص المحادثة بينه وبين موظفة الأمن الإسرائيلية، التي سألت وعلمت أنه من عسفيا، فطلبت منه ركن حافلة الركاب إلى جانب الطريق، وعندها صعدت طالبة من كل الركاب إشهار جوازات السفر.
موظفة الأمن: إلى أين أنتم ذاهبون؟
السفير: باريس، ومن ثم للسفارة، في بنما فأنا سفير هناك.
الموظفة: من هم بقية الركاب؟
السفير: زوجتي وولداي.
بعد ذلك شرعت موظفة الأمن الإسرائيلية بتفتيش الحافلة والركاب واحدا واحدا، قبل أن تحتجز ابنة السفير الصغرى.
وبعد احتجاز طويل، أطلقت موظفة الأمن سراح السفير وعائلته، وبعدما صعد للطائرة كتب في حسابه على “فيسبوك”: “مطار بن غوريون.. فلتذهبوا للجحيم. 30 عاما من الإهانات ولم تنتهوا بعد. كنتم ذات مرة تفككون كل ما لدينا داخل المطار واليوم تطورنا، فصرتم تعترضوننا كمشبوهين على مدخل المطار”. وما لبث أن توقف في منشوره عند الضحايا الذين قدمهم الدروز في جيش الاحتلال، وقال إن بلدته عسفيا في جبل الكرمل ليست بلدة فلسطينية في الضفة الغربية، بل قرية درزية فيها أكبر مقبرة عسكرية لشباب دروز قتلوا في حروب إسرائيل.
وتابع: “لدي شيء آخر لأقوله لكم: يراودني شعور بالتقيؤ”.
وسارع موظفون في وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى كتابة منشورات تضامن مع السفير المُهان، فقال أمير ساجي، وهو دبلوماسي قديم في الوزارة: “ما حدث يزعزعني، ويغيظني أنهم لا يتعلمون من دروس الماضي”. كما نشر نحو 20 سفيرا سابقا لإسرائيل بيانا عبروا فيه عن امتعاضهم عما حصل، معربين عن تضامنهم مع السفير رضا منصور، فيما دعت صحيفة “هآرتس” لإعادة النظر في إجراءات الأمن المشددة في المطار بما يكفل عدم التعرض لمشاعر وكرامة المسافرين، خصوصا العرب.
وعقبت سلطة المطارات في إسرائيل على فضيحة السفير بالقول: “الفحص الأمني إجراء موضوعي لا يقوم بأي نوع من التمييز. عندما يمر نحو 25 مليون نسمة في مطار بن غوريون كل عام يختار البعض أن يشعر بالإهانة من لقاء مع موظفة أمن تقوم بعملها. قبل أن نجري تحقيقا ومن قراءة ما نشر، نؤكد أنه لا شيء فاسدا في عمل الموظفة”. وأثارت الحادثة ردود فعل واسعة وغاضبة لدى الدروز الفلسطينيين (10% من فلسطينيي الداخل)، واعتبرها مثقفون وطنيون منهم تجسيدا لتشريع قانون القومية العنصري.
واعتبر الكاتب مرزوق حلبي من بلدة دالية الكرمل أن ما حصل لسفير إسرائيل في بنما، رضا منصور، ابن عسفيا، على بوابة مطار بن غوريون ليس بغريب أو نادر. واستذكر أن ذلك حصل مرة لعائلة صديقه النائب السابق، أسعد أسعد، عندما أرادت أن تعود على متن طائرة تابعة لشركة الطيران الإسرائيلية “إلعال”.
وتابع: “يومها كانت الإساءة أضعافا، وقد حصل لدروز كثيرين؛ ضباطا كبارا أو مواطنين عاديين. الغريب هو هذا السيل الدرزي من التعبير عن المفاجأة والاستغراب مما حصل. الغريب هو افتعال المفاجأة في كل مرة من جديد. الغريب هو هذا الزحف من جديد من ضحايا العنصرية على عتبات العنصريين لإثبات حسن سلوكهم وماضيهم العسكري المديد. الغريب هذا الإذلال للذات وإهانتها إضافة إلى إهانة العنصريين لها”.
ويشير حلبي إلى أنه بعد قانون القومية و”تطويب الدروز سكانا في الهامش ومرتزقة لنظام احتلال وأبرتهايد، رغم كل الخدمة في الجيش وضحايا الحروب في مقابر القرى الدرزية عسفيا وبيت جن وحرفيش- ينبغي ألا يتفاجأ أحد من شيء في دولة العنصرية فيها بنيوية ونظام حكم وعنصرية المستعمِر تجاه المُقيمين الأصليين، ومنهم الدروز”. وخلص حلبي للقول: “من عادتي أن أمقت العنصريين حتى النُخاع، وأن أشعر بتضامن حقيقي مع الضحايا ولو كانوا سفراء لنظام عنصري”.
إسرائيل دولة القومية للشعب اليهودي
وعاد المحامي، الشاعر، أسامة حلبي، من بلدة دالية الكرمل للحديث عن مكانة المواطنين العرب، ومن بينهم الدروز، وقال إن مبدأ المساواة لم يذكر في أي من قوانين الأساس في إسرائيل، ومن بينها قانون أساس كرامة الإنسان وحريته، وليس في “قانون القومية فقط”. وذلك لأن المشرع الإسرائيلي رأى أن إدخال مبدأ المساواة يتعارض مع رغبته في منح الأفضلية لمن ينتمي لـ”القومية اليهودية” في مسالة حق العودة والاستفادة من الثروات الطبيعية والأرض. منوها إلى أن النقاش حول عدم رغبة الدولة منح المساواة التامة للمواطنين كان قائما قبل ولادة “قانون القومية”.
ولفت إلى أن مصطلح “يهودية وديمقراطية” متناقض لأن دولة تعرف حالها كيهودية لا يمكن أن تكون ديمقراطية، خصوصا وأن “يهودية” تشمل معايير دينية وغيرها لا تتماشى وتعريف الديمقراطية. وتابع حلبي: “القاضي الإسرائيلي أهرون براك كتب في قرار له بما معناه أن إسرائيل هي البيت القومي لليهود ومفتاح البيت بيد اليهود، ولكن عندما يفتح باب البيت فجميع سكانه متساوون. وأنا لا أرى المساواة في البيت الذي يتحدث عنه، ونحن كعرب لا نسكن في غرفة بل في مطلع الدرج وفي أحسن الأحوال في شرفة وغير مسقوفة.. هل من معترض على المجاز؟”.
ويعتبر حلبي أن النضال ضد “قانون القومية” يجب أن يكون مبنيا على المفهوم الليبرالي للمواطنة والديمقراطية بمعنى عدم ربط الحقوق بالواجبات، وإلا تحول النضال إلى فئوي لتحقيق مكاسب لمجموعة دون أخرى، اعتمادا على الواجبات التي تقدمها كل مجموعة، وهذا يقود قصدا أو دون قصد إلى تدريج “غير اليهود” في قائمة تصنيف تراتبية، مكانة جميع من فيها دون مكانة “اليهود”. وأضاف: “هكذا يساهم النضال الفئوي في تثبيت دونية غير اليهود مقابل اليهود وتفاوت في المكانة بين أنفسهم”.
وقال حلبي إن النضال ضد قانون القومية خلق نقاشا حيويا وحراكا مباركا داخل الطائفة المعروفية في هذه البلاد، مرجحا أن الأرض ترقص تحت “القيادة” الحالية وتبرز أسماء جديدة شجاعة في طرح رأيها.
ولكن برأي حلبي، يجب الحذر من أن تتكرر التجربة السابقة، بمعنى أن تأتي بعض الشخصيات حاملة في حقيبة الظهر تجربتها ومسيرتها حتى اليوم لتخرج منها لاحقا أدوات قديمة تستعملها لإعادة بناء ما ينادون الآن لمقاومته: الضابط المتقاعد يعود “يلحّن” على خدمته وأمانته لتحقيق مطالبه، والأكاديمي الشاب الذي أبرز “درزيته” وألغى معايير إنسانية في تعامله مع الآخر، يعود ليحصر نضاله في خدمة طائفته فقط.
ويتابع حلبي: “هناك الكثيرون من أبناء الطائفة المعروفية الذين شكلوا بوصلة لغيرهم، وحافظوا ويحافظون على تراث الأحرار، ويحملون مواقف تقدمية ووعيا إنسانيا متنورا يفوق وعي الكثيرين من مروجي التعميم المسيء، وقبل موضوع قانون القومية بسنين طويلة. فرجاء الحذر وعدم المزاودة”.
وخلص حلبي للتذكير بالقول إن “من يؤمن منكم بأن الدين لله والوطن للجميع.. للجميع.. للجميع.. وبالتأكيد ليس لهم فقط”.
