الانتخابات السورية واقع وارقام

حجم الخط
0

اكرم البني

كما هي العادة، تمت العملية الانتخابية في سورية لاختيار اعضاء مجلس الشعب بصورة روتينية وشكلية، من دون ان تحمل اي مفاجآت او انعطافات في مساراتها، ومن دون ان يترتب علي نتائجها اي جديد او علامات قد تميزها عن سابقاتها؛ مثلما لم تعرف هذه الانتخابات اي تغيير في اتجاهات التصويت الذي لا يثق بصندوق الاقتراع، واعتاد التشكيك بصحة النتائج المعلنة. كما لم تشهد هذه العملية اي تبدل في المزاج الشعبي، ونسبة المشاركة المحدودة اصلاًً، والتي بدت لكل ذي عين انها محدودة هذه المرة اكثر من اي مرة، وربما لا تتجاوز ـ في احسن الاحوال ـ نسبة عشرة في المئة من عدد الناخبين الاجمالي! واذا وضعنا جانباً حقيقة ان الانتخابات السورية تجري في ظل استمرار مزمن لحالة الطوارئ والاحكام العرفية، ما يجعلها في كل لحظة من لحظات تطورها محكومة بارادة السلطات التنفيذية؛ وايضاً اذا لم ناخذ في الاعتبار ان القانون الخاص بالانتخابات، والذي يحمل اسم قانون الانتخابات العامة الصادر سنة 1973 وتعديلاته، يمكن السلطات بمفردها من التحكم بالعملية الانتخابية وتقرير نتائجها؛ فان موقف الناس السلبي لم يأت من فراغ. فالمعروف للقاصي والداني ان المؤسسة التشريعية في سورية هي مؤسسة صورية، لا تحل ولا تربط؛ ويتندر الناس وهم يراقبون حرارة الدعاية الانتخابية بالسؤال عما يمكن ان يفعله عضو مجلس الشعب غير التأييد التام لسياسات الحكومة وخططها، وربما في احسن الاحوال تقديم بعض الملاحظات لتعديل عبارة او فكرة، او المطالبة بانجاز مهمة هنا او اكمال عمل اجرائي هناك! ليبدو مجلس الشعب كما لو انه صنع خصيصاً ليكون الاداة الطيعة بيد النظام لتعزيز سلطته وتأبيد هيمنته. وقد نجح النظام، تحت غطاء من شعارات براقة عفا عليها الزمن، مثل الديمقراطية الشعبية والشرعية الوطنية والحزب الطليعي القائد… الخ، في فرض نفسه وصياً علي كل شيء: علي الدولة، والوطن، والشعب، وتالياً تثبيت هذه الوصاية في بعض مواد الدستور السوري، مثل المادة الثامنة التي تقول ان حزب البعث هو الحزب القائد للدولة والمجتمع؛ وايضاً في العديد من المراسيم والقوانين المعنية بتنظيم آليات بناء مؤسسات الدولة وتحديد ادوارها، وبما يشترط في الشان البرلماني ضرورة ان يحوز حزب البعث واحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وبصورة مسبقة، علي الحصة الاكبر من مقاعد مجلس الشعب، كي تبقي هذه المؤسسة في اليد وتحت السيطرة تماماً! وبعد ان يضمن حزب البعث وحلفاؤه نسبة الاكثرية من المقاعد النيابية، عبر قوائم خاصة تسمي قوائم الجبهة الوطنية التقدمية، من المحتمل ان يفتح احياناً باب الصراع بين مرشحين مستقلين لاحتلال ما تبقي من المقاعد في جو ديمقراطي، يوفر ايضاً للحزب الحاكم وبقية احزاب الجبهة حقهم الطبيعي في المنافسة علي هذه المقاعد، فيقحمون انصارهم، او يزجون ببعض الشخصيات الموالية لهم، ويقومون ـ خفية او علانية ـ علي دعمها دعماً مميزاً، يساعد اكثريتها علي الفوز باكثرية مقاعد المستقلين، مما يوصل نسبة نواب الحكومة او الدائرين في فلكها في مجلس الشعب الي ما يقارب التسعين في المئة، وهذا ما يطمئن السلطات علي ان امور التشريع بخير! يبلغ عدد مرشحي الجبهة الوطنية التقدمية 167 مرشحاً تختارهم القيادة السياسية كممثلين لها، علي ان يكون اكثر من 130 نائباً من حزب البعث لضمان اكثرية اصوات المجلس المؤلف من 250 نائباً، وما تبقي (اي 37 نائباً) تتقاسمهم احزاب الجبهة الاخري. وهؤلاء جميعهم لا يخضعون عادة للمنافسة، او لنقل انهم بحكم الناجحين بالتزكية؛ اذ يبقي واجب المقترعين انتخابهم بهمة وحماس من دون النظر الي ماهيتهم! وبالتالي، فهؤلاء المرشحون غير معنيين بعرض برامج انتخابية لجذب الاصوات، وهم بغني عن اي جهد لابراز الكفاءة الشخصية او لاظهار ما يحملونه من سمات وقيم اخلاقية لنيل ثقة الناخب، فتوجيهات القيادة السياسية وقراراتها الملزمة للناخبين، باختيار مرشحي الجبهة، كفيلة بتجاوز كل هذه الحيثيات، خاصة وان التصويت علي قوائم الجبهة يتم بوصفها كتلة سياسية واحدة، لا بكونها شخصيات متفاوتة الامكانات والكفاءات والنزاهة، مما يُحل هؤلاء المرشحين من اي مساءلة او حساب طالما ينفذون اوامر احزابهم وسياساتها، وطالما عملهم في مجلس الشعب لا تشوبه شائبة لجهة التصديق علي قرارات الحكومة وخططها وسياساتها، ولجهة التحلي بروح رفاقية سمحة، ومرونة عالية لغض النظر عند الضرورة علي تقصير الحكومة او محاسبتها علي اخطائها وتجاوزاتها! واللافت في هذه الدورة ان عدد المرشحين انخفض بشكل مريع قبل بدء عملية الاقتراع من 9770 الي 2500 مرشحاً، اما بسبب شعور بعضهم باللاجدوي، واما لانسحاب اكثريتهم بشكل تلقائي فور اعلان قوائم الجبهة الوطنية التقدمية، ممن كانوا طامعين برضا القيادة لتختارهم ضمن قوائم هذه الجبهة! اما تحت عنوان حصة المستقلين، وهي 83 مقعداً، فتترشح الشخصيات السياسية وغير السياسية، الموالية والمعارضة علي حد سواء، وتجرب حظها في العملية الانتخابية، محكومة بهامش محدود من الدعاية، ومرتهنة لما تملكه من امكانات ذاتية لخوض غمار الحملة الانتخابية. وهذا ما يفسر ان الغالبية الساحقة من المرشحين المستقلين، كما هو ساطع في الدورة الراهنة، هم من اغنياء المدن والتجار والصناعيين، مطعمين بعدد من الشخصيات المهنية، اطباء ومهندسين ومحامين، فضلاً عن بعض زعماء الطوائف والعشائر. ويستمد هؤلاء قوتهم الانتخابية ليس من برامج ملموسة تتطلع الي خدمة مصالح الناس وحاجاتها، بل من ثرواتهم وصلاتهم مع بعض رجالات النظام، او من بعض العلاقات القبلية والارتباطات الاجتماعية المتخلفة. وتنجح مثل هذه الرموز عادة، بالتعاون والتنسيق مع قوائم الجبهة الوطنية التقدمية، في نيل عضوية مجلس الشعب لتتعايشان معاً تحت قبته. واذا كان من المفترض ان نلمس حالة من التنافس الجدي والصراع علي المقاعد النيابية في حقل المستقلين، خاصة في المدن الكبيرة، فان ما ظهر في الدورة الراهنة هو تدخل سافر من قبل الاجهزة السلطوية لوأد هذه الفسحة، عبر الاصرار علي نجاح قوائم محضرة مسبقاً، وغالباً اجبار الناخبين علي شطب اسماء لمرشحين يعتقد انهم لا يحوزون ثقة القيادة! ووصل الامر حد زجر ومضايقة وكلاء هؤلاء المرشحين ومندوبيهم، ومنعهم من الاقتراب من المركز الانتخابي لمراقبة حركة الاقتراع او الدعاية لمرشحهم، مع العلم ان الحملة الانتخابية لغالبية المستقلين تميزت بنشاط دعائي كبير، وتسابق علي فتح مضافات لاستقبال الناخبين، مثلما شابها تنافس مرضي في سوق الشائعات المغرضة بحق بعضهم بعضا، وحتي تمزيق متبادل للصور والملصقات واللافتات الانتخابية! لقد جرت الانتخابات النيابية السورية وكان المواطن غير معني بها، فهو خير من يعلم ان لا جدوي، وانه ضرب من الخيال الرهان علي مجلس شعب يخرج من جلده وينقلب قوياً فاعلاً علي ضعف وهشاشة؛ مثلما يعرف ان نجاح بعض المستقلين الراغبين جدياً في خدمة الناس لن يضيف شيئاً في ظل التركيبة المعدة لمجلس الشعب عن سابق اصرار وتصميم، وفي ظل تاريخ طويل من القمع وغياب حرية الراي والتعبير والنشاط السياسي.

ہ كاتب من سورية8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية