الأدب وسمو الحضارات

يرتبط الأدب بدائرة مركزية غزيرة الإنتاج، فيفصح بحسابات دقيقة عن البيئة الحاضنة لهذه المواهب والإبداعات، ويطرح تساؤلات عميقة عن الكيفيات والأساليب وأمور أخرى تدخلنا في دهاليز طريق طويلة حول «ما علاقة الحضارة بالأدب؟ وكيف يتعاطى معها؟ وما ينتج عن ذلك؟»
يجزم التاريخ بأن العصر العباسي هو العصر الذهبي للعرب، الذي ظهر فيه العديد من المثقفين والمبدعين كالشريف الرضي والمتنبي، فيما أزهرت الفنون ونقلت المعارف، نتيجة دخول العرب في العديد من الحروب والأحداث السياسية التي ساهمت في اختلاطهم مع الأمصار ودخول الدويلات في خِضَم الفتوحات والتزاوج مع أعراق أخرى كالفرس والروم والأتراك هذا ما حمل طابعًا مختلفًا ومغايراً على وجه التحديد.
وأضافت الأندلس منحى آخر رسم صورة رائعة في مفهوم الأدب العربي، متناغمة مع العنصر الإسباني، حيث بسطت نفوذها ما يقارب الثمانية قرون، حملت في رحمها «جادك الغيث» التي جالت بأوزانها العاطفية وتغللت في النفوس الفرنسية، فألهمت وأينعت حبًا نبيلاً في قلوب كل زائريها.
وبالرجوع إلى المؤلفات مابعد حقب الاستعمار وقبلها، نجد أن هناك تغير ملموسًا في مستوى الكتابة والإنشاء التعبيري والمضامين الفكرية، بسبب الرقابة والروح العدائية التي فرضها الاستعمار على الدول، وهذا ما تحدثه الحروب إجمالاً، وهذا ما أكده الروائي حسين رحيم في حوار أُجري معه «الرواية لا تزهر إلا في مناخ ثقافي ويديمها قارئ حصيف، من أين يأتي قارئ الرواية في مجتمع قائم على الحروب والتقلبات السياسية؟كيف تصنع قارئًا والمجتمع يفتقر إلى أبسط شروط الثقافة؟».
هذه الخلفية التاريخية التي بلا شك هي عامل بارز السمات في تطوير وأدلجة العديد من العقول والحضارات، ولكننا اليوم في تداخل عميق وانصهار تام مع وحدة المشاعر والأحاسيس التي تحركنا نحو الإنسانية والضمير الواعي الذي تخطى لغة شعب أو قوم ما، وإن كان الاختلاف شيئًا لا يمكن التغافل عنه والذي يبرز تباين ظروف حياة الأفراد وشخصياتهم وأنماطهم، إذ ينقلها الكاتب بدقة وحرفية، لتعكس رؤى ومصائر شعبه ومجتمعه في أي بقعة كانت.
إن اتجاه القارئ اليوم، نحو موضوع معين للقراءة هو يعكس ذهنيته ومفاتيح معتقداته، وحتى وإن اعتلت الكفة لموضوع ما أو تصـــدر كاتب ما الساحة لفترة طويلة، يبقى من الصـــعب جداً توحيد العقليات والأذواق، لأنه بمجرد محاولة ذلك، فإن الأدب هنا يخفق في هدفه الأسمى وهو تقريب القلوب وإن كانت الأفكار متباينة.

٭ كاتبة من البحرين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية