محمد نبيل
الحكاية بسيطة وبطلتها سهيرة التي جعلت منها بعض وسائل الاعلام بالمانيا اشهر مغنية للراب ترتدي الحجاب. سهيرة، هذه الفتاة التي تبلغ من العمر 27 عاما وتقطن العاصمة الالمانية برلين، استطاعت حسب بعض الاقلام الصحافية ان تحقق نجاحا فنيا فريدا، بكونها امست احدي اشهر مغنيات الراب، علي الرغم من ارتدائها الحجاب. سهيرة التي تحب الموسيقي قررت ان تستقل عن اسرتها وتكون فرقتها الموسيقية التي تحمل اسم: ايمانيموزيك. الامر غريب وغرابته تتجلي في كون هذا الموضوع الذي استهلك اعلاميا بما فيه الكفاية، يدفعنا الي طرح سؤالين اساسيين. السؤال الاول حول كيف اصبح المجتمع الالماني المتقدم والحداثي ارضية خصبة لتسويق الموسيقي والثقافة الامريكية؟ اما السؤال الثاني فيمس بالدرجة الاولي مدي فهم الاسلام كتراث وثقافة من طرف الاعلام الالماني؟
سؤال الثقافة الامريكية يعد الراب (Rap) او الهيب هوب (hip hop) نوعا من الغناء يمزج بين اداء الراب المختلف وهو عبارة عن تلفظ بالعديد من الكلمات دون التقيد بلحن او ايقاع معين. ولمعرفة تاريخ هذا اللون الموسيقي لا بد من الرجوع الي جذوره حيث بدأ في مدينة كينغستون بجامايكا في نهاية الستينات كنوع موسيقي جديد متفرع عن الدانسهول (dancehall) ثم انتشر في الولايات المتحدة الامريكية في بداية السبعينات في حي برونكس بولاية نيويورك علي ايدي الامريكيين الافارقة او الزنوج، لينتشر عالمياً كمنتوج امريكي منذ التسعينات. فموسيقي الراب جاءت كرد فعل اجتماعي وسيكولوجي ضد وضع معين، ومن ثم نجد المؤدين لأغاني هذه الموسيقي يتحدثون عن انفسهم، فهم يعبرون عن استيائهم العميق وغضبهم علي عدم توفير الخدمات الضرورية او فرص العمل وغيرها من المطالب.
هذه المقدمة التاريخية المختصرة تسمح لنا بفهم كيفية انتقال هذه الموسيقي الي مجتمعات تعد في نظر العديد من المختصين غير هشة ومقاوٍمة لامركة الثقافة والاقتصاد. فموسيقي الراب تضعنا في صلب مسألة تسويق نوع من الموسيقي، تعد انفعالية وسريعة ويغيب فيها البعد الجمالي والفني مع نشر الغضب الامريكي المحلي. موسيقي الراب ممارسة شقية ومطلبية اساسا توظف كلمات سوقية وقدحية في العديد من الاحيان، لاعلان التمرد ضد الاوضاع الاجتماعية. سؤال الثقافة الامريكية الراسمالية يحيلنا لا محالة علي لغة البضاعة والتسويق ونقل هذه اللغة من مجالها الاقتصادي الي مجال الموسيقي وغيرها من الفنون. هذا الوضع يطرح امام علماء الاجتماع والمختصين سؤالا اساسيا ومستفزا: الي اي حد يقدر المجتمع الالماني علي مقاومة الموسيقي الآتية من امريكا وانتاج ثقافته وفنونه المحلية في اطار حقه في الاختلاف؟ كيف تستطيع المانيا، باعتبارها ثالث قوة اقتصادية عالمية، ايقاف زحف الثقافة الامريكية السائدة الرامية الي تسطيح العقول وجعل الانسان راسمالا قابلا للبيع والشراء؟ (هنا لا اتحدث عن ثقافة امريكا الانسانية والمتحضرة والتي تظل مهمشة). في سؤال الاسلامتؤسس قصة سهيرة وابعادها المختلفة اضافة الي النتائج التي تخلفها بعد استهلاك حكايتها اعلاميا، سؤالا سوسيولوجيا عميقا: ما هي طبيعة الصورة التي يصنعها الاعلام الالماني عن الاسلام؟ ما هو افق المهاجر العربي المسلم بالمانيا في علاقته بهذه الصورة المبنية؟ التركيز الاعلامي علي قصة سهيرة مغنية الراب والمرتدية للحجاب، يدخل في سياق ما اسماه المفكر محمد اركون بالكتابات ذات الطابع الصحافي السريع والتي تهيمن علي السوق الغربية راهنا. والسبب يعود في نظر هذا المفكر الجزائري، الي تركيز هذا النوع من الكتابات علي الموضوعات المثيرة كالعنف السياسي والخطابات الاصولية، وكأن تاريخ الاسلام وتراثه الطويل والعريض يختزلان فقط الي مجرد الحركات السياسية التي برزت في العشرين سنة الاخيرة. وبالمقابل، لا احد يهتم بالتفاوت التاريخي الموجود بين المجتمعات الاسلامية والمجتمعات الاوروبية. فالجمهور الغربي يمتلك كما عبر عنه اركون صورة ارتيابية حول العرب والمسلمين*. وفي هذا الاطار، يقدم المفكر الراحل ادوارد سعيد في كتابه حول الاستشراق فكرة عن التمييز الوجودي والمعرفي بين الشرق والغرب. فالعلاقة بين الشرق والغرب يجب ان تدرس حسب ادوارد سعيد بوصفها علاقة قوة وهيمنة. فالشرق تمت شَرقَنَتُه Orientalized من قبل الغرب، حيث يذهب هذا المفكر الي ان الغرب هو الذي حدد وفصل ومايز بين بنيتين تم تعريفهما علي انهما شرق وغرب. ومن داخل هذا الفهم الواعي لثنائية شرق غرب يمكن التطرق الي موضوع الاسلام في المجتمع الالماني. فالقراءة المتأنية للاعلام الالماني من خلال نموذج قصة سهيرة، يتضح بالملموس ان اسلام المنع والرقابة والرافض للفنون وخاصة الموسيقي ما زالت تعشش في الانا الاعلي الالمانية. (هنا لا بد من التاكيد علي ان الاعلام الالماني لا يصنع مادته وصوره بمعزل عن الجمهور المستهلك او المتلقي). انها ترفض اي تفكيك لثقافة وتاريخ الاسلام الذي من شأنه ان ينير النقاط المعتمة ويرفع الحجاب عن المنشأ التاريخي للمآسي التي تحصل في البلدان العربية والاسلامية. فتاريخ الاسلام لا يختزل الي صورة للاسلام كايديولوجية او كخطاب اسطوري، بل هناك صورة للاسلام كثقافة، تراث، حضارة وممارسة اجتماعية تمتد لاكثر من 15 قرنا. هذا البتر التاريخي يجعل صورة سهيرة وامثالها تطفو علي السطح الاعلامي مغيبة شعوريا ولاشعوريا البعد العلمي والقراءة الرصينة لتاريخ وتراث ديني معين، بعيدا عن اسلوب الدعاية المؤسس للكليشيهات المكرورة والتمثلات الاجتماعية. ان ما تخفيه علاقة الاعلام الالماني بالاسلام والثقافات العربية تختزله ثنائية ادوارد سعيد الجوهرية والمتمثلة في العلاقة بين القوة والمعرفة. فالغرب يؤسس لصورة الشرق علي مقاسه وحسب ما يتناسب مع منظومته الفكرية، في الوقت الذي تسمح له الشروط العامة وخاصة شروط المحنة العربية والاسلامية بلعب هذا الدور حاليا، وتكريس تلك النزعة المركزية التي تعيق كل افق للتفاعل بين ثقافات متساوية من حيث الفلسفة الانسانية. ان التواصل بين الثقافة الالمانية والثقافات العربية مثلا لا يمكن ان يتحقق في ظل حالة الخصاء الوجودي للآخر ورفض كل فهم عقلاني لمكونات تراث وهوية هذا الآخر. ان ما اثارته مغنية الراب بالحجاب، هو نموذج للجهل بالعلاقة التي انتظمت تاريخيا بين الفن كابداع وجمال والفضاء العربي الاسلامي والتي اتسمت بروح الخلق والابداع. وهنا لا بد من الاشارة، الي انه كلما اتجهنا الي ماضي التاريخ الاسلامي كلما اكتشفنا هذه الروح المتنورة، لكن كلما اتجهنا نحو الحاضر الا وحدث العكس. ان الاسلام لا تختزله شعائر معينة تختلف حولها المذاهب وقواعد فقهية سنها الرجال في غياب النساء وتأويلات لاعقلانية ولاانسانية للدين، بل يجب ان يُري في شموليته وابعاده الثقافية واخضاعه للمنهجية النقدية كما ينادي بذلك اركون، حتي يتم تحرير العقول والابتعاد عن الهفوات المكرِّسة للجهل والتجاهل وسوء الفهم الذي يصنع صورة نمطية غير واقعية. عندما نقرأ في وسائل الاعلام الالمانية، ان مغنية الراب استطاعت ان توفق بين الحداثة والتمسك بالهوية وانها تجمع بينهما بشكل باهر، اذ ترتدي ملابس عصرية وسراويل الجينز لكنها ترتدي ايضا غطاء للرأس، يجعلنا نتوقف عند مدي سطحية المعالجات المبنية علي منطق الثنائيات الملغومة. فالهوية لا تتحدد بالمفرد والحداثة انسانية كما يقول الانتربولوجيون وهي ثمرة جهود وتطور متواصل لا يحتكره شعب او جماعة معينة. في هذا السياق لا بد من ممارسة النقد المزدوج حتي نرفع اللبس عن ثنائية شرق وغرب باعتبارها ثنائية زئبقية وفجة. فهناك غرب بالجمع وشرق متعدد بعيد عن لغة التجانس. في اعتقادي المتواضع، تمثل موجة الراب التي بدأ الشباب المهاجر يتبناها كما قامت بذلك الشابة سهيرة، صورة مصغرة لحالة الضياع التي يعيشها العرب والمسلمون داخل وخارج اوطانهم. وعندما نقول الضياع، نعني بذلك غياب بوصلة اجتماعية ومشروع مجتمعي قادر علي مجابهة التحديات الراهنة. هذا الحلم يظل بعيدا عن التحقق لعدة اعتبارات، وعلي رأسها ترسبات وتراكمات الثقافة المعطوبة التي تنخر الجسد العربي يوميا ومنذ قرون عديدة، وهي ثقافة تمجد الذات وتبحث عن الضحية ولو كانت من خشب. وفي ظل هذه الشروط، يصعب النقد الحر والتعبير عن اللامفكر فيه من اجل التفاعل والمساهمة في فك العزلة عن المهاجر المطوق من كل الجوانب. فهل سيساهم الشباب المهاجر في تغيير وضعيته عن طريق خلق صورة عقلانية وانسانية بديلة عما يصنعه الاعلام الالماني حول المهاجر العربي والمسلم؟ هل عن طريق هذا النوع من الغناء المعروف بارتداء اللباس الفضفاض الواسع والمستوحي من لباس رياضة البيسبول او لباس المساجين كما وصفته بعض الاقلام الصحافية، تقدر سهيرة وجيلها ان يؤسسا لمستقبل جديد للمهاجرين العرب؟ ذلك هو السؤال؟ ہ راجع بهذا الخصوص كتاب محمد اركون: قضايا في نقد العقل الديني، كيف نفهم الاسلام اليوم؟ ترجمة وتعليق هاشم صالح، دار الطليعة ـ بيروت، ط1، نيسان (ابريل) 1998. صحافي من المغرب يقيم بالمانيا [email protected]