اللغة والثقافة في المدرسة الخاصة

حجم الخط
0

د. علي محمد فخرو

في المؤتمر السنوي للمدارس الخاصًّة الذي عقد في الأردن منذ بضعة أيام انصبَّت مداخلتي على مجموعة من المنطلقات التي يجب أن تحكم موضوع المدارس الخاصًّة، خصوصاً بعد أن قاربت نسبة الالتحاق بالمدارس الخاصة الأربعين في المائة في بعض الأقطار العربية.

أولاً: ستكون كارثة اجتماعية لو أن وزارات التربية والتعليم قبلت أن يكون مستوى التعليم العام وجودته أقل من مستوى وجودة التعليم الخاص. إن ذلك سيؤدٍّي إلى أن يكون خريّجو المدارس العامة أقل إعداداً وكفاءة، وبالتالي أقلً قدرة على التنافس في سوق العمل، وهذا بدوره سيضعف إمكانية حراكهم الاجتماعي ويبقيهم ملاصقين لعوالم الفقر واليأس والتهميش.

ثانيا: لايجوز للتعليم الخاص أن لا يكون تعليماً وطنياً مماثلاً للتعليم العام. في قلب الوطنية مسألة الإنتماء القومي والهوية العربية والإسلامية. والانتماء والهوية لا تقوم لهما قائمة بدون اللغة والثقافة والتاريخ.

ثالثا: إن مسألة تدريس اللغة العربية في المدارس الخاصة تحتاج إلى حلول جذرية تسندها الإرادة السياسية الرسمية. ولقد كثر الكلام حول ضعف خرٍّيجي المدارس الخاصة في اللغة العربية كلاماً وقراءة وكتابة. إن قسماً كبيراً منهم يجيدون اللغات الأجنبية أكثر بكثير من إجادتهم لغة الأم. ولما كانت دراسات الدٍّماغ البشري تؤكٍّد حميميًّة إتصال اللغة بالوعي والمنطق والذكاء والمشاعر، وأن اللغة هي وعاء الفكر، فان ضعف الطلبة في اللغة العربية يطرح إشكالية التشوُه الفكري عندهم. وهذا مرتبط بموضوع الثقافة.

إن قسماً كبيراً من هؤلاء الخرٍّيجين غير قادرين على الارتباط بثقافة أمتهم. إنهم لا يستطيعون قراءة واستيعاب معاني القرآن الكريم إن كانوا مسلمين ولا فهم الإنجيل إن كانوا مسيحيين. ومن المؤكد أنهم لن يفهموا ما كتبه الإمام الشافعي أو جعفر الصادق، وهم مهدًّدون بالانسلاخ من ممارسة تعاليم دينهم.

إن هؤلاء الخريجين لن يستطيعوا متابعة المناظرات الفكرية العربية. إنهم لن يتابعوا النهضة الفكرية العربية، بدءاً بالشيخ محمد عبده، مروراً بالكواكبي ومحمود العقًّاد وانتهاء بالعروي أو محمد عابد الجابري. وسيقود ذلك إلى فراغ فكري يملأه ما يستطيعون قراءته وفهمه باللغات الأجنبية لمفكًّري الغرب وفلاسفته.

والأمر نفسه سينطبق على حقول الأدب والفنون والشًعر والانترنت، بل وحتًّى ما يشاهدون من أفلام ومسلسلات تلفزيونية.

والأمر نفسه ينطبق كذلك على فهمهم لتاريخ أمتهم، تحليلاً ونقداً وإعادة تركيب وتجاوزاً. وهذا أمر مفجع عندما نعلم بأن حاضر الأمة ومستقبلها يرسمه تاريخها إلى حد كبير.

رابعاً: إن الأنظمة السياسية العربية، وهي تنصاع لمتطلبات ثقافة العولمة المصرًّة على تخلٍّي الدول عن مسؤولياتها الاجتماعية وتسليمها إلى منطق السوق من خلال خصخصة التعليم والصحة وغيرها، خصوصاً وأنها تعطي الأولوية للصًّرف الباذخ على الجيوش والأجهزة الأمنية وللتقتير على الخدمات الاجتماعية.. إن هذه الأنظمة يجب أن تولي اهتماماً لوضع ضوابط تحكم مستوى وكيفية ما قررت أن تتركه للقطاع الخاص، ومنه التعليم.

أما بالنسبة للغة العربية فان المدارس الخاصة يجب أن تدرٍّس إما مناهج اللغة العربية الرسميًّة أو ما يماثلها أو يفضلها. وفي اعتقادي أن على كل طالب مواطن ملتحق بالتعليم الخاص اجتياز امتحان رسمي عام في أساسيات اللغة العربية قبل منحه شهادة المدرسة الثانوية من قبل مدرسته.

أما موضوع تدريس المواد الثقافية ومادة التاريخ فان هناك حاجة لوضع متطلبات لا تسمح للطلاب المواطنين في المدارس الخاصة، سواء الوطنية أو الأجنبية، أن يتخرجوا دون إلمام معقول بأساسيات ثقافة وتاريخ أمتُّهم. إن عدم حلٍ هذه المسألة سيهدًّد هوية وانتماء شريحة هامة من المواطنين، من الذين سيكون الكثيرون منهم قادة هذه الأمة في السياسة والاقتصاد والفكر والعلم.

من البديهي أن تلك المنطلقات التي يجب أن تحكم المدرسة الخاصة يجب بدورها أن تحكم المدرسة العامة، والتي بدورها لها إشكالياتها الخاصة بها مع اللغة والثقافة والتاريخ. لكن هذا موضوع آخر ليس هنا مجال الحديث عنه.

إذا كنا نريد تخريج مواطنين ملتزمين بقضايا أمتهم وأوطانهم ومجتمعاتهم، قادرين على المساهمة بحيوية وإبداع في إخراج هذه الأمة من تخلُّفها وواقعها السياسي المفجع، فإن النقاط التربوية التي ذكرنا سابقاً تحتاج إلى أن تعالج كأولويات تربوية ضمن استراتيجيات وطنية وقومية. إن ثقافة العولمة السلبية يجب أن تهزم في المدرسة العربية، سواء الخاصة أو العامة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية